ها هو النّصف الأوّل من رمضان قد مضى وانقضى، فليت شعري كيف هي أحوالنا ونحن نودّع خمسة عشر يوما من أيامه الغالية؟ لا شكّ أنّ منّا من بدأت خطواته تتثاقل ونفسه تتمايل، يريد أن يواصل ولكنّ المغريات كثيرة، نفسه لم تعد كما كانت في أوّل يوم، بدأ يستثقل التّراويح، كان في بداية رمضان يصلّيها في الصّفوف الأولى، ثمّ صار يصلّيها في آخر المسجد، وهو الآن يصلّي ركعتين أو أربعا ثمّ ينصرف ليلتحق بجلسات المقاهي، كان يجلس من بعد الفجر إلى شروق الشّمس في المسجد يقرأ القرآن ويذكر الله، ثمّ صار ينام بعد الصلاة، وهو الآن يصلّيها في بيته، فما يكاد رمضان ينقضي حتى يعود إلى النّوم عنها.. من هنا تبدأ خسارة رمضان؛ من أوّل طاعة يتخلّى عنها المؤمن، ومن أوّل خطوة يعودها إلى الوراء، والنّفس إذا وجدت ما تهوى طمعت في غيره، وإذا ألجمت يئست ولانت. فيا أيّها الأخ الحبيب.. أترضى أن تعلن النّتائج صبيحةَ العيد فتكون ممّن خسر رمضان؟ أما يكفيك خسارة ما مضى من أعوام؟ هل ستستمرّ حياتك هكذا؟ تغفل عن الله أحد عشر شهرا لا تذكره إلاّ قليلا، ويمنّ الله عليك بإدراك رمضان ثمّ تضيّعه.. بالله عليك أخي يا من بدأت تتثاقل في الطّاعات، هل تجد الآن طعم لذّة من اللذّات التي تركت لأجلها صلاة القيام؟ ضيّعت أجر قيام ليلة كاملة، وضيّعت فرصة لا تقدّر بثمن لمغفرة ذنوب العمر، لأجل جلسة لا تجني منها إلاّ الحسرات، وأنت أخي يا من تخرج من بيتك بعد الإفطار متّجها إلى المقهى والسيجارة بيدك، ألم تؤثر فيك رؤية تلك الأفواج من النّساء والرّجال المتّجهين إلى المساجد؟ ألم تؤثّر فيك تلك الآيات التي تحملها المآذن إلى أذنك؟ عجبا لأمرك أخا الإسلام، أما سمعت قول ربّك "فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله"؟ سائل نفسك بصدق: ماذا جنيت من خرجاتك وجولاتك وجلساتك طوال هذه اللّيالي من رمضان؟، وماذا خسر ذلك الذي أمضى هذه اللّيالي في القيام والذّكر وقراءة القرآن؟ لقد خسرت أيّاما من عمرك ذهبت سدى أو ذهبت محمّلة بالأوزار، وفاز الآخر بأجور لا يعلم قدرها إلاّ الله. أخي المؤمن.. ما زالت الفرصة بين يديك، ما زال النّصف الأخير من رمضان، وفيه العشر الأواخر، فراجع نفسك، واخلع سواد القسوة عن قلبك واكشف ستار الغفلة عن روحك مادام في العمر بقية، لا تضيّع ما تبقّى من أيام رمضان كما ضيّعت ما مضى منها، تعرّض لرحمة ربّك لعلّك تكون من العتقاء في العشر الأواخر، وأنتَ أخي يا من ذقت حلاوة الطّاعة في النّصف الأوّل من رمضان.. الثّبات الثبات، تزوّد من الطّاعات وإياك والفتور، إن حدّثتك نفسك بترك طاعة من الطّاعات فعاقبها بالتزوّد منها وبفعل طاعة أخرى، ازرع الطّاعات فيما تبقّى من أيام في العشر الثانية، حتى تجد لذتها في العشر الأواخر، فلعلّك توفّق لإدراك ليلة القدر، فتدعو الله فيها بكلّ إخلاص أن يجعلك من المتّقين، فتخرج من رمضان وأنت من عباد الله الصّالحين.