لا تزال اللجنة الحكومية المكلفة بدراسة ملف رخص الاستيراد، المكونة من ممثلين عن وزارات التجارة والصناعة والمناجم والمالية والفلاحة والتنمية الريفية وبنك الجزائر والجمارك، تدرس إمكانية فرض قائمة جديدة من المواد الممنوعة من الاستيراد إلا برخصة، وهي القوائم التي تبقى مفتوحة حسب احتياجات السوق ومدى قدرة الإنتاج الوطني على تحقيق الاكتفاء الذاتي في عدد من المواد. ويأتي ذلك وسط تساؤلات بعض الأطياف الاجتماعية حول استبعاد الخمور كمنتج مستورد من الخارج من إجراء "الكوطة"، مثلما تم استثناؤه سنة 2016 عبر قانون المالية من الزيادات التي مست الوقود والكهرباء، وسط احتدام الحديث عن ضرورة تقليص فاتورة الواردات، وبعد أن شملت رخص الاستيراد غير التلقائية السيارات والحديد والإسمنت والمواد المدرجة في اتفاقية "الفيفو" مع الاتحاد الأوروبي سنة 2016، وأضيفت إليها مواد أخرى سنة 2017، شملت حتى "الشامبو" ومواد التجميل والخزف والسيراميك. وباشرت بعض الجمعيات وحتى مواطنون حملة لإدراج الخمور في قائمة المواد الممنوعة من الاستيراد إلا برخصة، وذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات "الفايسبوك"، في وقت استبعدت أطراف ذات صلة بالملف اتخاذ إجراء على هذا الصعيد، بحجة الاتفاقيات الموقعة مع الاتحاد الأوروبي وعدم إدراج الخمور منذ البداية في قائمة المواد المعنية بالتفكيك الجمركي وفق "الكوطة"، وهو ما يمنع اليوم من اتخاذ إجراء تقييدي لمنع استيرادها، عبر إدراجها في قائمة المواد المستوردة وفق حصص مسقّفة، وعادلت واردات الخمور سنة 2016 أزيد من 65 مليون دولار، أي ما يوازي 800 مليار سنتيم أو 8 ملايير دينار، باحتساب كافة الأصناف، سواء تعلق الأمر بالخمور الراقية على غرار "الويسكي" و"الفوتكا"، أم الجعّة، في حين بلغت صادراتها 640 ألف دولار، ويتعلق الأمر بالنبيذ الجزائري الذي ينتجه الديوان الوطني للخمر، الذي يعد مشرفا على عمليات التصدير في الجزائر. وبالنظر إلى الكميات المستوردة من هذه المواد، أحصت جمعية المصدرين استيراد 210 ألف لتر بحر السنة الجارية، في حين قال رئيس جمعية المصدرين الجزائريين علي باي ناصري ل"الشروق" بأن مبدأ رخص الاستيراد يفرض أن تكون المواد المعنية بالتسقيف تستورد بكميات ضخمة وتستهلك مبالغ مالية طائلة، وهو ما اعتبره غير مطروح بالنسبة إلى الخمور التي تستورد بكميات صغيرة نسبيّا، ولا تعتبر مواد واسعة الاستهلاك ومكلفة، إذا ما تمت مقارنتها بالسيارات والحديد والإسمنت وحتى مواد التجميل. ويضيف المتحدث أن الحكومة الجزائرية تفرض رسوما كبيرة على منتجي وموزعي ومستوردي وبائعي الخمور، ما يجعلها اليوم وفي ظل الأزمة المالية المطروحة وتراجع مداخيل الخزينة تتردد في تقليص استيراد هذه المواد، كما تساءل بالمقابل عن عدم تحديد "كوطة" الخمور المعنية بالتفكيك الجمركي مع الاتحاد الأوروبي في السنوات الماضية، حيث تم تحديد حصص كافة المواد ما عدا الخمر، مشيرا إلى أنه تم طرح الملف على وزير التجارة الأسبق الهاشمي جعبوب الذي صدم عند اطلاعه على الوضع. تجدر الإشارة إلى أن وزارة التجارة تصدر عبر موقعها الإلكتروني في كل مرة قائمة جديدة بالمواد المعنية برخص الاستيراد غير التلقائية، مع العلم أن وكلاء السيارات سجلوا اليوم سنة بيضاء بعد انقضاء 8 أشهر من السنة دون تسليمهم الرخص، في حين تحصل مستوردو الحديد على حصصهم برسم سنة 2017 قبل أسبوع.
بسبب المضارّ والتصنيف ضمن الكماليات... "فايسبوكيون" يتسغربون: التبغ والنبيذ غير "منبوذين" في قائمة الممنوعات من الاستيراد! تحولت القرارات الأخيرة الصادرة عن الحكومة بشأن منع بعض المواد من الاستيراد إلى قضية رأي عام، سواء بين المواطنين في الشارع أم بين رواد المواقع الاجتماعية، خاصة بعد تطليق العديد من المنتجات التي تصنف ضمن الكماليات، فمنها ما جمعت بين الآراء والتعليقات وأخرى حملت معها استفسارات تبقى الإجابة عنها غير واضحة، كتلك التي تعنى بإسقاط التبغ والخمور عن قائمة الممنوعات، هذه الأخيرة التي تعرف بأمّ الخبائث، فرغم تحريمها شرعًا إلا أن إنتاجها المحلي يزدهر واستيرادها الأجنبي يتواصل، بحسب "الفايسبوكيين"! "النبيذ.. الخمر.. أو المشروبات الكحولية، وإن تعددت تسميتها إلا أنها تجمع بين كل موبقات الذنوب، كيف لا وهي التي تذهب عقل الإنسان بل تحوله إلى منشفة لا قيمة له.. لماذا استثنت الحكومة الخمر من قائمة الممنوعات من الاستيراد؟.. هل الخمر تحولت إلى ضروريات لا يمكن الاستغناء عنها، أم إنها من المنتجات التي لا يمكن أن تتنازل عنها الدولة؟.. كان من الأجدر على السلطات أن تنطلق من النبيذ أو التبغ في قائمة المحرمات وليس من مواد التجميل.. أو الكيوي والفستق والأجبان التي نفعها يفوق بكثير أضرار المواد التي لم تدرج ضمن الممنوعات، هل التقشف يستثني أم الخبائث؟ لا بد من منع استيراد الخمر الذي قضى على شبابنا وأبنائنا.. هي منشورات وتغريدات وتعليقات لا تزال تصنع الحدث بالشارع الجزائري وبمختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وإن كان للمختصّين في الاقتصاد رأي مغاير أحيانا. المنظمة العالمية للصحة، من جهتها كانت قد صنفت الجزائر في المراتب الأولى إنتاجا واستهلاكا للمشروبات الكحولية التي أصبح تعاطيها في السنوات الأخيرة بشكل ملفت للانتباه، والدليل الرمي العشوائي لقارورات الخمر على قارعة الطرقات والأحياء وحتى على ضفاف الشواطئ وداخلها، لتمتد إلى الغابات التي أصبحت أكثر عرضة للحرائق، وإذا كانت ولاية تيزي وزو الأولى وطنيا في اتساع رقعة محلات بيع الخمور حسب آخر الإحصائيات تليها العاصمة ثم بجاية ووهران، فإن الواقع يظهر أن الأمر امتد إلى مختلف الولايات، أكثرها الساحلية، والداخلية بأقل حدة، نظرا إلى ارتفاع نقاط البيع الموازية التي كان قد حددها رئيس الجمعية الوطنية للتجار في تصريح سابق ل"الشروق"، بأنها تمثل أكثر من 50 بالمئة من نقاط بيع الخمور على المستوى الوطني، باعتبارها غير مرخصة.
مصدر بنكي: لم نستقبل أي قرار بمنع استيراد الخمور وفي السياق، نفت مصادر بنكية في تصريح ل"الشروق"، أن تكون مصالحها قد استلمت أي قرار وإلى كتابة هذه الأسطر من وزارة المالية يقضي بمنع استيراد الخمور، مؤكدة أن التعليمات التي تصل البنوك تباعا منذ أن انطلقت الجزائر في ترشيد التجارة الخارجية، أغلبها تصب في تقليص فاتورة الاستيراد، كالتي تفرض على مسيري البنك إجراءات جديدة تهم الرخص المعنية بالاستيراد أو برقيات تخص قائمة الممنوعات من الاستيراد منها الكماليات من المواد الغذائية، وفي المقدمة تلك المنتجة محليا، كما شملت القرارات الأخيرة بعض المنتجات الأخرى كالأثاث والسجاد والبلاستيك في حالتها الأخيرة، هذه الأخيرة التي لا يزال الجدل قائما عليها لعدم التصنيف الدقيق لها.
فدرالية حماية المستهلك: الأجدر منع استيراد الخمور والتبغ وبدوره، قال رئيس الفدرالية الجزائرية لحماية المستهلك زكي حريز في تصريح ل"الشروق"، إنه كان من الأجدر على الدولة أن تبدأ سياسة شد الحزام وترشيد التجارة الخارجية، بإدراج مادتي الخمر والتبغ على رأس قائمة المواد الممنوعة من الاستيراد، وهي المواد التي تكلف عادة خزينة الدولة سنويا أموالا طائلة، مؤكدا أن التبغ لوحده نستورد مادته الأولية من الخارج بتكلفة تفوق 375 مليون دولار سنويّا، أما الكحول ففاتورته هو الآخر جد مرتفعة، ما يتطلب أن يدرجا ضمن الممنوعات أو تحديدهما برخصة شأن تلك المواد التي أدرجت في القوائم الأخيرة، لما يخلفانه من آثار وأضرار على المجتمع من انحلال أخلاقي وأخطار على الصحة العمومية. وعن سبب إسقاط الخمر من قائمة الممنوعات من الاستيراد، أكد حريز أن المسألة في يد المسؤولين الذين ينظرون إلى الأمر على أنه يشجع في شراء السلم الاجتماعي، كما يعتبرونه مجاملة لبعض مستهلكيه الذين يفضلون "ماركات" معينة، وطالب المتحدث بضرورة تقليص فاتورة الاستيراد لما تخلفه هذه المواد من أضرار على المجتمع والصحة، عن طريق رفع رسومها الجمركية لخفض استيرادها، مشيرا إلى أن التبغ الجزائري أضحى اليوم يصدر إلى أوروبا لانخفاض سعره بعدما قامت العديد من مقاطعاتها برفع الرسوم.