لقد سبق و أن استعرضنا من خلال الملفات السياسية إلى كل ما يمكن وصفه ب"الممارسة السياسية على الطريقة الجزائرية"و من مختلف الزوايا بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية السابقة , و منها قضية مردودية المنتخبين بعد فوزهم بعهدات انتخابية برلمانية أو محلية . و هي قضية ترتبط بالدرجة الأولى بمفهوم السياسة لدى المنتخب , و بحسب هذا المفهوم يكون المردود . و لا بد في البداية التمييز بين السياسي و بين السياساوي , لأن غالبا ما تتداخل الكلمتان بحيث يستهدف الحديث رجل السياسة بينما المقصود السياساوي أو العكس . و ما دام السياساويون أصبحوا هم الأكثرية في الساحة السياسية الوطنية , فإن رجال السياسة أصبحوا ضحايا هذا الوضع. و لتسهيل التمييز بين المفهومين , يمكننا القول أن السياسي يمارس السياسة باعتبارها فنا أو علما أو هُمَا مَعاً , و بالتالي يلجأ إلى قواعد و ضوابط هذه الأدوات في ممارسة نشاطه . أما السياسة عند السياساوي فهي ليست فنا و لا علما , و إنما هي مهنة ككل المهن , و لكنها الأكثر تشريفا لممارسيها و لذا يود السياساوي ممارستها مدى الحياة , عادة ما يبدأ سمسارا في العمليات الانتخابية , قبل أن يعمل لحسابه الخاص وفق مبدإ "ترك كل الواجبات لخصومه أو منافسيه, ليحتفظ لنفسه بكل الحقوق". و قد عرَّف أحد المفكرين العرب السياسة بأنها "كل نشاط يجعل من الإنسان إنسانا أفضل " , و انطلاقا من هذا المفهوم البسيط , فإن السياسة هي ؛ أن تجعل الفلاح و العامل و الأستاذ و التاجر و الجندي وربة البيت ؛ أن تجعل كل هؤلاء و غيرهم , أفضل مما هم عليه, من حيث مردودهم المهني, و من حيث وضعهم الاجتماعي. و بالتالي فإن السياسة لا تنحصر في تأسيس أحزاب و تجنيد مناضلين و خوض غمار الانتخابات و ارتجال خطابات و توزيع الانتقادات يمينا وشمالا , و إنما مهمة السياسي إذا ما تمكن من تأسيس حزب تكمن في أن يجتهد ليجعل من نفسه أفضل رئيس حزب و يسهر بعد ذلك ليكون حزبه أفضل حزب و مناضلوه أفضل المناضلين و برنامجه أفضل البرامج , حتى إذا أضحى له ممثلون تحت قبة البرلمان أو في المجالس المحلية , أدرك أم مسؤوليته أصبحت أكثر عبئا , لأنه مطالب بأن يجعل برلمانييه و منتخبيه أفضل البرلمانيين و أفضل المنتخبين . و هي مهمة ليست في متناول أي حزب ,وجوده و عدمه سواء, حزب معياره العشوائية في اختيار مرشحيه , و أسلوبه الارتجالية في صياغة خطاباته, و أداته الشعبوية لاستمالة الجماهير.
و بحسب نسبة الصنفين من الأحزاب في تشكيلة البرلمان أو المجالس المنتخبة , تتحدد قدرة البرلمانيين و المنتخبين المحليين على تحويل هيئاتهم إلى أفضل هيئة , و مقياس المفاضلة هنا , يتمثل في اهتمام النواب و المنتخبين المحليين كسياسيين بجوهر و لب السياسة - كما عرفها المفكر العربي - لا بقشورها كما يفعل السياساويون. وماخفي اعظم ... و بالعودة إلى تجربة الجزائر مع البرلمان التعددي , يجب الاعتراف أن العهدات السابقة لم تُراكِم ما يكفي من خبرات مميزة يمكن البناء عليها في تحسين الأداء البرلماني , بل إن هذا الأداء راح يسجل تراجعا من عهدة إلى أخرى ( بحسب التقييم الشخصي لأداء برلمانيي دائرتي الانتخابية.) أما على مستوى المجالس المحلية فالوضع أسوأ , لأن الأحزاب في غياب المترشحين المؤهلين تلجأ إلى ملء قوائم الترشيحات بمن حضر, بغض النظر عن المستوى التعليمي و عن التكوين السياسي و الخبرة في المهام الانتخابية , أي بمترشحين يبحثون عن مهنة أو منصب بدافع تحقيق مآرب خاصة تتيح لهم فرصة التسلق لبلوغ مناصب انتخابية أعلى لدعم كتلة الساساويين في البرلمان بغرفتيه . غير أن ضعف مردودية المنتخب لا تعود إلى السياساويين و الأحزاب التي ترشحهم و حسب ,و إنما إلى سلوك الهيئة الناخبة التي تعودت العزوف عن أداء الواجب الانتخابي و في نفس الوقت التذمر و الاستياء من أداء المنتخبين الذين تفرزهم الاستحقاقات الانتخابية و هي مفارقة تؤكد مبدأ "كما تكونوا يولى عليكم" , حيث يرى بعض المحللين أن "الناخب و المنتخب" أشبه بالصورة الفوتوغرافية يمثل فيها الناخب "الصورة السلبية"(قبل التحميض), والمنتخب"الصورة الموجبة"(اصطلاحا). و إذا أخذنا في الاعتبار , نسبة العزوف عن أداء الواجب الانتخابي و تزايد حجم التصويت الأبيض ,فإن الهيئة الناخبة تكون قد تقلصت إلى حوالي ثلث 3/1 حجمها الأصلي , بحيث تكاد تنحصر المشاركة في الاقتراع في المسنين من الجنسين و الأميين و السياساويين و ذويهم . و مع ذلك , يبقى الجزائريون بعد كل انتخابات في انتظار التشكيلة السياسية التي ترقى بأداء المجالس المنتخبة إلى المستوى الذي يحقق تطلعاتهم إلى حياة أفضل, و هو في متناولهم إن هم تخلوا عن سلبيتهم في اختيار منتخبيهم و عن عزوفهم عن أداء واجبهم وحقهم في الترشح و في التصويت لقطع الطريق أمام السياساويين و وضع حد لتنازع المصالح بين هؤلاء و بين ناخبيهم.