يعتقد الباحث في علم الاجتماعي السياسي ناصر جابي، بأن البرلمان ليس جامعة يدخلها الدكاترة فقط، بل هو تمثيل لكامل فئات المجتمع، بما فيهم محدودي المستوى التعليمي. لكنه يوضح بالمقابل، أن سيطرة هذه الفئة الأخيرة على قوائم الانتخابات، هي دليل على فشل الأحزاب السياسية في مواكبة التحولات الاجتماعية الكبيرة الحاصلة، التي من أبرزها انتشار التعليم. بحسب أرقام وزير الداخلية، فإن نصف المترشحين للتشريعيات لا يملكون البكالوريا.. كيف يمكن قراءة هذا المؤشر؟
شهدنا من قبل في انتخابات 2007 و2012 الحالة نفسها. في الجزائر هناك اهتمام كبير ومبالغ فيه من مستويات شعبية وتعليمية متدنية بالترشح للانتخابات. الاتحاد الأوروبي مثلا عند مراقبته للتشريعيات السابقة لاحظ هذه الظاهرة. هذا ما يدل بالأساس على أن الأحزاب السياسية مغلقة في وجه التحولات الاجتماعية الحاصلة في الجزائر، وأهمها التعليم الذي انتشر. الأحزاب مازالت رهينة لفئات تريد أن تستعمل البرلمان كمصعد اجتماعي، تحاول عبره الحصول على الترقية التي لا تحصل عليها عبر الوظيفة أو التأهيل العلمي. من جانب آخر، ينبغي التأكيد على أن الفئات ذات المستوى التعليمي المتدني أو المتوسط لا يحق حرمانها من الترشح، لأن البرلمان ببساطة ليس جامعة.. وكلما مكان تمثيليا لكل فئات المجتمع ومصالحها، يكون أفضل. الإشكال الذي يمكن أن يطرح مع هذا النوع من البرلمانيين؛ هو في عدم امتلاكهم القدرة على مناقشة قوانين دقيقة والمشاركة في تعديلها أو المساهمة في تنشيط اللجان والكتل داخل المؤسسة التشريعية.
أثار إعداد القوائم الانتخابية صخبا كبيرا داخل الأحزاب الكبيرة.. هل ما يجري راجع للطبيعة البشرية لأشخاص لديهم طموح سياسي، أم هو دليل على انحطاط الأداء السياسي؟
الطموح مشروع لكل إنسان. أصلا الانخراط في الأحزاب يكون لأجل طموحات سياسية أو إيديولوجية يريد المناضل إبرازها أو الدفاع عنها. المشكلة داخل الأحزاب السياسية، تكمن في غياب الآليات الديمقراطية للفصل بين هذه الطموحات والمفاضلة بين المناضلين في الترشح، لذلك شاهدنا تلك الظواهر المؤسفة التي وصلت حتى للوفاة، دون الحديث عن الاحتجاجات التي لا تتوقف وغلق القسمات ومقرات الأحزاب.
المناضلون داخل الأحزاب بعد ظهور القوائم، غالبا ما يعتقدون أن المصالح والشللية والقرابة وعوامل أخرى، كانت هي الحاكمة في عملية الاختيار بعيدا عن منطق النضال أو الكفاءة. والأخطر من كل ذلك، عندما يدخل المال، فيمحو أمام قوته كل مقاييس الاختيار ويصبح المعيار الوحيد.
الكل يدعي داخل الأحزاب أنه مناضل.. ما هي الشروط الواجب توفرها في الشخص حتى يستحق لقب المناضل في أي حزب سياسي؟
صفة المناضل العضوي على طريقة الأحزاب الشيوعية، أو معلم القسمة كما كان أيام الحزب الواحد، لا شك أنها اختفت من الساحة. الدارج اليوم هو وجود مناضلين موسميين يتشكلون في الغالب من النخب المركزية الموجودة في المدن الكبرى، وهذه لا تهتم إلا بالانتخابات التشريعية لاعتقادها أنها الأحق بالوجود في البرلمان، وهي فئة تظهر قبل سنة أو أقل من تنظيم الانتخابات، وتحاول التموقع داخل أحزاب تعتقد بأنها قادرة على الفوز وأحيانا تشارك بقائمة مستقلة. وهناك فئات أخرى تهتم بالمحليات تكون أقل من حيث المستوى التعليمي في الغالب. لو تلاحظ طيلة أيام السنة، ستجد بأن مقرات الأحزاب في الجزائر شبه فارغة، وأحيانا تكون المقاهي التي تقابلها أكثر امتلاءً منها، كتعبير كاريكاتوري عن فارق الاهتمام الموجود. هذا يظهر بأن الأحزاب، خاصة الكبيرة منها والمقربة من السلطة، مثل الأفالان والأرندي، أصبحت مثل الآلة الانتخابية التي توصل صاحبها للبرلمان، حتى وإن كان المترشح فيها قد ظهر فقط بمناسبة الانتخابات، على حساب المناضل الذي عمل حقيقة للحزب.
ما هي القراءة الممكن إعطاؤها لاستفحال ظاهرة الرشوة في الترشح للانتخابات؟
هذا شكل من أشكال الفساد الذي تعمم في المجتمع. الجزائر وضعيتها تزداد سوءا في التقارير الدولية، بفعل أن الفساد تحوّل إلى وباء منتشر في كل الميادين دون استثناء. الأكيد أنه بمناسبة الانتخابات، تزداد هذه الظاهرة، لأن من حصل على الأموال بسرعة، يريد أن يتمتع أيضا بالحصانة والقرب من أصحاب القرار، سواء المحلية مثل الوالي ورئيس الدائرة، أو الوطنية مثل الوزراء وغيرهم. هدف صاحب الأموال ليس راتب البرلمان بالتأكيد، ولكنه ينظر إلى هذا المنصب كحماية له ومزيد من المشاريع والصفقات بحكم النفوذ الذي سيصبح له.
هنا لا بد من التفريق بين هذه الفئة من أصحاب الأموال الذين حققوا ثرواتهم عبر الربح السريع والسوق الموازية، وبين البرجوازية الوطنية التي تستثمر في الإنتاج وتحقق القيمة المضافة. لا شك في أن الفئة الأخيرة من حقها الوصول إلى البرلمان، بل بالعكس هي تشكل إضافة قوية في حالت وصلت، لأنها تواكب التوجه الاقتصادي الجديد للبلاد، وعلى الأحزاب استيعابها والترحيب بها.
هل هذا الواقع سيؤثر على الإقبال الشعبي في الانتخابات؟
كما ذكرت لك سابقا، نلاحظ إقبالا مبالغا فيه على الترشح للانتخابات، في مقابل عزوف شعبي عن التصويت. الإقبال الضعيف على الانتخابات، يكون في العادة من فئة الشباب والمتعلمين وسكان المدن، في مقابل ذلك نلاحظ اهتماما لدى كبار السن والمستويات التعليمية المتدنية وسكان الأرياف بالتصويت، سواء بسبب اقتناعهم بخطاب السلطة أو لقدرة الإدارة على إقناعهم. هذه الملاحظة تؤكد أن الانتخابات لا تعكس التحولات الإيجابية الطارئة في المجتمع، وهي تعكس أزمة كبيرة في المجتمع. أما سبب العزوف عند الفئات التي ذكرتها، فهو راجع إلى اقتناعهم بأن الانتخابات لا تمثل وسيلة للتغيير السياسي في الجزائر، فضلا عن كونها أصبحت مرتعا للفساد. وما يجري هذه الأيام من فضائح حول التشريعيات المقبلة، أعتقد أنه سيعمق النظرة السلبية المنطبعة على السياسة والسياسيين والأحزاب في الجزائر.
كتبت مؤخرا عن الأفالان.. هل تعتقد أن نموذج هذا الحزب بما أنه صاحب الأغلبية، صالح لدراسة أزمة الأحزاب السياسية في الجزائر؟
جبهة التحرير الوطني ليس حزبا.. هو آلة انتخابية وواجهة لديها الشرعية التاريخية يستعملها النظام في كل مرة. الأفالان لا يملك قراره بيده ويتداول على تسييره كل مجموعة تصل إلى السلطة في الجزائر. أعتقد اليوم أن هذا الحزب صار خطرا على البلاد، لأنه يسيّر جزءا مهما من المجالس المنتخبة والإدارات، وهو يحوّل كل أمراضه إلى مؤسسات الدولة، كما أنه يزيد من تكريس الصورة السلبية عن السياسة لدى الجزائريين.