كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن محاربة ظاهرة الفساد بداية من أعلى الهرم في السلطة إلى المؤسسات الاقتصادية الخاصّة والعامّة، حيث جدّد أوّل أمس الوزير الأوّل عبد المالك سلاّل عزم الحكومة على القضاء على الظاهرة من جذورها بمحاسبة المتسبّبين فيها مهما كانت صفتهم. غير أن هذا التصريح لا يدعو إلى التفاؤل في ظلّ عجز العدالة الجزائرية عن توجيه أصابع الاتّهام إلى مسؤولين في الدولة ينتظر الشارع الجزائري خضوعهم للمحاكمة في قضايا فساد من عيار ثقيل، على غرار فضيحة سوناطراك، الطريق السيّار، الخليفة وغيرها من الملفات التي اكتفت العدالة بتوجيه لائحة من الاتّهامات إلى إطارات دون المساس برؤوس السلطة. كثيرة هي قضايا الفساد التي عجّت بها المحاكم الجزائرية، منها ما تمّ طيّه نهائيا ومنها ما لا يزال معلّقا، فقد تمّ طيّ كلّ الملفات المتعلّقة بتبديد أموال عمومية من مؤسسات مالية أو اقتصادية المتّهمون فيها إطارات ليس لهم علاقة بكبار المسؤولين، ومن أبرز هذه الملفات قضية تبديد 2100 مليار سنتيم من البنك الوطني الجزائري بطلها عاشور عبد الرحمن التي تمّ الفصل فيها خلال الدورة الجنائية الماضية بعدما عادت بعد الطعن بالنّقض لدى المحكمة العليا. فضيحة سوناطراك.. إلى أين؟ رغم ثقل الملف فقد تمّت معالجته بكلّ شفافية ليبقى الدور على قضايا أخرى ما تزال عالقة، فالجميع ينتظر إفراج غرفة الاتّهام عن التكييف القانوني الذي سيحاكم على أساسه المسؤولون على الأموال التي تمّ تبديدها من المجمّع البترولي سوناطراك بعدما واجه قاضي التحقيق المتّهمين بالإنابات القضائية التي وجّهها لمحكمة باريس للتأكّد من وجود حسابات بنكية. غير أن قرار غرفة الاتّهام لم يصدر بعد. وحسب المعطيات المتوفّرة عن الملف فإن قاضي التحقيق سبق وأن كيّف الوقائع على أساس جنحة بعد أن تبيّن له خلال أطوار التحقيقات التي باشرها أنه لا توجد أدلّة تدين الشركات الأجنبية، من بينها شركة (سيبام الجزائر)، بتقديم الرشاوى والعمولات من أجل الظفر بمشاريع وصفقات مع سوناطراك، حسب ما جاءت به التحقيقات الأمنية الأوّلية، كما أن عدم سماع الوزير السابق للطاقة والمناجم شكيب خليل وعدد من الأطراف المسؤولة بمجمع سونطراك، كلّها دوافع جعلت قاضي التحقيق لدى محكمة (سيدي امحمد) يتّخذ قرارا بتكييف الوقائع إلى جنحة بدل جناية، وهو القرار الذي استأنفت فيه النيابة العامّة أمام مجلس القضاء من أجل إعادة تكييف الوقائع إلى جناية، لتصدر غرفة الاتّهام أمرا بإجراء تحقيق تكميلي انتهى بردّ محكمة باريس على الإنابات القضائية. وقد سبق للمتّهم الرئيسي في فضيحة الفساد بمجمّع سوناطراك المدير العام محمد مزيان المتابع بتهمة منح امتيازات غير مبرّرة للغير وإبرام صفقات بطرق مخالفة للتشريعات والتنظيم المعمول به واختلاس وتبديد أموال عمومية، وأن صرّح خلال مثوله أمام قاضي التحقيق بأن الشركة لم ترتكب أيّ مخالفة عندما أقدمت على إبرام الصفقات موضوع الاتّهام بالتراضي لأنها اقترنت بعنصر الخطر المحدق الذي يسمح بإبرام مثل هذا النّوع من الصفقات لتفادي وقوع كارثة، مضيفا أن الوزير السابق شكيب خليل كان قد أعطى تعليمات صارمة موثّقة بضرورة الإسراع في تأمين المواقع البترولية، خاصّة وأن مركّب سكيكدة كان قد تعرّض قبلها لحريق مهول وأن الوزارة كانت تخشى من تكرار الحادثة بدرجة أخطر، كما اعترف بأن جميع الصفقات المبرمة محلّ المتابعة تمّت بموافقة الوزير شخصيا، ليبقى الرّأي العام يتساءل هل سيتمّ استدعاء شكيب واستجوابه؟ غير أنه تيقّن من أن ذلك غير وارد لأن محاكمة مسؤول بهذه الدرجة كانت ستتمّ فعلا يوم تنحيته وليس بعد مرور أزيد من عامين أين تمّت إقالته من منصبة في شهر ماي من سنة 2010. غير أن وزير العدل وحافظ الأختام الجديد محمد شرفي بدأ يفي بوعوده بمحاربة الفساد، حيث وقّع في الساعات القليلة الماضية قرارا لإصدار مذكّرة جلب دولية ضد (ح. محمد رضا) المسؤول السابق بوزارة الطاقة والمناجم ومجموعة سوناطراك الذي يعيش منذ سنة في تركيا، بعد أن تمكّن من الهروب إلى سويسرا أيّاما قليلة قبل خروج قضية الفساد في سوناطراك إلى الرّأي العام، مستفيدا من علاقة القرابة العائلية التي تجمعه بوزير القطاع السابق شكيب خليل، وهو القرار الذي خلّف ارتياحا لدى منظمات حقوقية وقانونية خاصّة هيئة دفاع المدير العام لسوناطراك ونجليه باعتبار أن هذا الأخير طالب بضرورة إحضاره منذ انطلاق التحقيق من أجل تسليط الأضواء الكافية على الكثير من نقاط الظلّ المبهمة في القضية، ومنها العشرات من العقود التي أبرمت بطريقة التراضي بأمر شفهي من وزير القطاع شكيب خليل، فضلا عن تحويل العشرات من العقارات المملوكة للمجموعة لصالح مسؤولين كبار في الدولة وفي بعض الوزارات ومنها وزارة الطاقة والمناجم، وتمّ شراؤها بالدينار الرّمزي قبل إعادة طرحها في السوق مقابل ملايير الدينارات، وكذلك عمليات الاستفادة المتكرّرة والمشبوهة لنفس الأشخاص وبأسماء وهمية عادة من شقق راقية في عدّة مشاريع للترقية العقارية في العاصمة ووهران بغرض المضاربة. فضيحة القرن.. في الواجهة مجدّدا يفتح مجلس قضاء البليدة مجدّدا خلال الدورة الجنائية المقبلة ملف بنك الخليفة (فضيحة القرن) بعد قَبول المحكمة العليا الطعن بالنّقض في الأحكام المسلّطة على 104 متهم، حيث أن المتّهمين الذين لم تقبل طعونهم وأولئك الذين لم يطعنوا أصلا في الأحكام التي تحصّلوا عليها سيستدعون كشهود في القضية فيما سيمثل 78 آخر كمتّهمين. يأتي فتح فضيحة بنك الخليفة في ظلّ غياب المتّهم الرئيسي وللمرّة الثانية عبد المومن خليفة عن جلسة محاكمته رغم أنه مدان بعقوبة السجن المؤبّد غيابيا، حيث ما تزال السلطات البريطانية ترفض تسليمه للجزائر. ويأتي فتح فضيحة القرن مجدّدا بعد طعن النيابة العامّة في الأحكام السابقة، ومنها أحكام البراءة التي استفاد منها 40 متّهما، ما سيجعلهم يمتثلون للمحاكمة مجدّدا، فيما طعن دفاع المتّهمين في أحكام السجن النّافذ التي تحصّل عليها موكّلوهم شهر مارس 2007، والتي وصلت حدّ 15 و20 سنة سجنا نافذا عن تهم تكوين جماعة أشرار والسرقة الموصوفة، النّصب وخيانة الأمانة والتزوير في محرّرات مصرفية، الرّشوة واستغلال النّفوذ، والإفلاس بالتدليس في محررات رسمية واستعمالها. ويبقى غياب مفتاح القضية عبد المومن خليفة مدير عام مجمّع الخليفة، عن المحاكمة الثانية يشكّل عائقا لأن حضوره كان سيكشف عديد الحقائق حول الملف الذي وصف بفضيحة القرن، والذي ما يزال الغموض يلفّ كثيرا من اعترافات المتّهمين. غير أن الأهمّ في القضية هو هلّ سيتمّ استدعاء الوزراء الذين مثلوا كشهود خلال المحاكمة الأولى على رئيس الحكومة عبد المالك سلاّل، وهم وزير السكن الحالي عبد المجيد تبون، الوزير السابق أبو جرّة سلطاني، عبد السلام بوشوارب، أحمد أويحيى، جمال ولد عباس وغيرهم من إطارات الدولة. الجدير بالذّكر أن شرفي وزير العدل حمّل نفسه مسؤولية إنهاء هذه الفضيحة، حيث وعد بإحضار الخليفة الموجود حاليا على التراب البريطاني خلال الأشهر القادمة مباشرة بعد أن ينتهي من تقديم مخطط عمل الحكومة. "الطريق السيّار".. ملف معقّد ملف آخر يعدّ ثقيلا مس قطاع حسّاس ألا وهو الأشغال العمومية. فجميع الأنظار موجّهة إلى محكمة القطب الجزائي المتخصّص لتحديد تاريخ جلسة محاكمة المتّهمين في قضية الطريق السيّار، والتي تمّ تأجيلها إلى إشعار لاحق. حيث ينتظر الجميع مثول الأمين العام لوزارة غول (م.ب) ورجل الأعمال (ع.ت) وشخصين ينشطان في السوق السوداء للعملة الصّعبة للكشف عن الطرق التدليسية التي قامو بها لنهب الملايير من المال العام وضّخها في حساباتهم البنكية. وحسب ملف القضية فقد انطلق التحقيق في عام 2008 بعدما استلمت مصالح الأمن عدّة ملفات حول قضايا تتعلّق بتعاطي الرّشوة على صلة بعقد الطريق السيّار شرق-غرب، وهو المشروع الذي أوكلته الحكومة الجزائرية عام 2006 للمجمّع الصيني (Citic-crcc) بغلاف مالي قدره ستّة ملايير دولار. وحسب ما تشير إليه أوراق الملف فإن القضية تورّط فيها العديد من المتّهمين، بينهم إطارات في الدولة في إبرام صفقات مخالفة للتشريع والتزوير تمّ التلاعب في مشروع الطريق السيّار شرق-غرب. وإثر التحقيقات التي بوشرت على مستوى محكمة (سيدي امحمد) قرّر قاضي التحقيق الإفراج المؤقّت عن رجل الأعمال (ع.ت) بتاريخ 11 نوفمبر واستفادة متّهمين اثنين آخرين من الإفراج المؤقّت متورّطين في نفس القضية وينشطان في السوق السوداء للعملة الصّعبة، كما أصدرت أمرا في 29 سبتمبر الفارط بالإفراج المؤقّت عن الأمين العام لوزارة الأشغال العمومية (م.ب) الذي تمّ إلقاء القبض عليه في سبتمبر 2009.