لا يبدو غريبا أن تلمح طقوس لشهر رمضان في عدد كبير من الدول الإفريقية، فقد انتشر الإسلام في هذه البلاد منذ مئات السنين وتضم العديد من البلدان الإفريقية ملايين من المسلمين. وفي مقدمة تلك الدول تأتي كينيا التي يتجاوز أعداد المسلمين من أبناء شعبها ما يقرب من 10 ملايين مسلم يشكلون حاليًا ما يقرب من 30 بالمائة من عدد سكان البلاد، وهم ينتشرون في جميع مدن كينيا، وعلى رأسها العاصمة نيروبي ومدن لامو ومومباسا وماتيه وجيدي وسانجي. وتعدُّ كينيا واحدةً من أهم دول شرق إفريقيا، ويحدها من الشمال إثيوبيا والسودان ومن الغرب أوغندا ومن الجنوب تنزانيا ومن الشرق المحيط الهندي، وتقع الصومال في الشمال الشرقي منها، وتمتاز كينيا بتنوُّع عرقي نادر؛ حيث تضم أعراقًا مختلفة، منها الأفارقة الزنوج والساحليون والعرب والهنود والفرس، بحكم وضعها التجاري المتميز والذي حوَّلها قِبلةً للوافدين من جميع الأعراق. ويروي التاريخ أن كينيا تعرفت على الإسلام خلال عهد عبد الملك بن مروان 65-86 هجرية، حيث وفدت هجرات عربية نتج عنها تأسيس عدد من المدن العربية، كان أشهرها على الإطلاق مدينة لامو، ويعتقد الكثيرون أن قبائل الأزد العمانية كان لها دور بارز في نشر الإسلام بهذه البقعة عبر هجرتين كان مقصد الأولى لامو وكانت الأخرى لإحدى ضواحي مدينة مومباسا. ولعب التجار العرب دورًا مهمًّا في نشر الإسلام بعد اختلاطهم بالكينيين، حيث عملوا على التقريب بين الإسلام والعادات الكينية بشكل حبب الإسلام إليهم، حيث اعتنقوه فرادى وجماعات. ويمتاز الوعي الديني لمسلمي كينيا بالارتفاع، حتى إنهم يتفوقون على نظرائهم من البلدان المجاورة في هذا الإطار لانحدار أعداد كبيرة منهم من أصول عربية، حيث يقبلون على الصلوات وقراءة القرآن وجميع العبادات الإسلامية في كل أشهر العام، لاسيما خلال شهر رمضان الذي يعتبره الكينيون فرصة ذهبية لتجديد إيمانهم والتقرب إلى الله وتوثيق صلاتهم ببعضهم البعض عبر موائد الإفطار الجماعية والجلسات المفتوحة بعد أداء صلاة التراويح. وعن العادات والتقاليد الخاصة بمسلمي كينيا خلال رمضان، يقول أحمد محمد مسلم الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في كينيا، إنه في الأيام السابقة لرمضان يتبادل الكينيون الاتصالات فيما بينهم لتحرِّي هلال الشهر الكريم، ويتوافدون على مقرِّ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية للاطلاع على موعد بدء الصيام والحصول على الإمساكية الخاصة بمواعيد الإفطار والسحور ومواقيت الصلاة، وقبل حلول رمضان تبدأ الأحياء المسلمة في تزيين شوارعها ووضع ملصقات تشير لبداية الشهر الكريم وتعليمات خاصة بكيفية قضائه. يضيف مسلم أن أيام رمضان تشهد ازدحامًا شديدًا في المساجد، حيث يحرص المسلمون على التوافد بشكل مكثف خلال صلاتيْ العشاء والتراويح، ويصطحبون أطفالهم من أجل الحفاظ على العادات والتقاليد. ويحرص الكينيون على ختم القرآن الكريم أكثر من مرة، وهناك عادات موروثة عن الأجداد يحرص مسلمو كينيا عليها في رمضان، وتتمثل في عدم إغلاق أبواب منازلهم طوال الشهر الكريم أمام الجميع، سواء الأقارب أو الأصدقاء أو أبناء السبيل. ويشير مسلم إلى أنه من الأشياء المميزة في كينيا ما يتعلق بالسحور، فهناك من يقومون بإيقاظ الناس للسحور بإيقاعات الطبول، كما يقومون بإنشاد أناشيد إسلامية تتعلق برمضان والحث على الصيام والقيام، ويتجولون في أحياء المدينة كلها، وقبل رمضان بيومين يمرون على الناس في الأسواق يهنئونهم بقدوم شهر رمضان المبارك، كما أن هناك إفطارًا جماعيًّا في المساجد والبيوت من المسلمين، وذلك لتوحيد قلوبهم في هذا الشهر. ويؤكد أن مسلمي كينيا مِن أحرص الناس على هذه التقاليد، حيث تتبادل الأسر المختلفة، لاسيما المتجاورة، تنظيم الإفطار الجماعي في كل يوم من أيام الشهر الكريم، وتُعقد جلسات جماعية بعد انتهاء صلاة التراويح يتبادل فيها الصائمون الأحاديث والحوارات حول أوضاعهم ومعرفة المشاكل القائمة بينهم والتضافر لحلها، فضلاً عن تحديد أوجه إنفاق الزكاة المجموعة خلال رمضان وتوجيهها لمصارفها الشرعية حتى لا يكون هناك جائع خلال عيد الفطر. ويحتفل الجميع في هذه المناسبة بسرور وبهجة تعكس التضامن والتكاتف بين المسلمين. ويضيف أن جميع المساجد تشهد ازدحامًا كبيرًا في صلاتي الفجر والتراويح، لكن بوتيرة مختلفة، حيث تتفوق المساجد التي يقيم فيها الشعائر أئمة ووعاظ من العالم العربي والإسلامي، حيث يحرص الكينيون للاستماع إليهم والاستفادة من علمهم، باعتبارها فرصة ذهبية للاستزادة وطلب الفتوى منهم، بل ويصل الأمر للاحتفاء بهم، فجميع الكينيين يحرصون على استضافتهم وإقامة موائد إفطار جماعية بحضورهم، ويحرص الكينيون كذلك على التوافد من جميع مدن كينيا على مساجد الأئمة العرب والمسلمين خلال الوتر من العشر الأواخر لالتماس ليلة القدر عظيمة الشأن، آملين أن يوفقهم الله تعالى للوفاء بمطالبها من قيام الليل وقراءة القرآن. ويوضح أنه توجد العديد من الجمعيات الخيرية الإسلامية، من بينها رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب الإسلامي وجمعية إحياء التراث الكويتية ولجنة مسلمي إفريقيا وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية، وتنظم المكاتب التابعة لهذه الجمعيات حفلات إفطار جماعي في الأماكن النائية والفقيرة، وتقوم بتوزيع شنطة رمضان على فقراء المسلمين والمحتاجين، لاسيما أن كينيا تشهد خلال شهر رمضان ارتفاعًا في أسعار المواد الغذائية، حيث يستغل التجار إقبال المسلمين على شراء السلع لرفع أسعارها. ويقول أإن حوانيت المواد الغذائية المملوكة لمسلمين في كينيا تغلق أبوابها في رمضان، ولا تقدم سلعها نهارًا إلا بعد صلاة العصر، استعدادًا لإفطار الصائمين، حيث يعتبر المسلمون الإفطار والمجاهرة به في نهار رمضان عارًا كبيرًا يوصَم من يُقدم عليه بصفات خسيسة تجبره على عدم الإقدام عليه مرة أخرى، حيث ينهى العلماء عن ذلك بشكل حاد. ويضيف أن الكينيين يتناولون الأطعمة ذات المحتوى السكري في رمضان، وفي مقدمتها النيازي والمهوكو، ويقومون بِشَيِّ البطاطا الكبيرة المليئة بالطاقة لتعويض ما فقدوه طوال النهار، أما المشروبات فمنها الماتوكي المخلوط بالتمر والموز، فضلاً عن الانتظام في شرب عصير البرتقال المنتشر بصورة مطردة في كينيا، بالإضافة لوجود شراب تقليدي يسمى اوجي، وهو مكوَّن من دقيق الذرة والماء المحلَّى بالسكر، ويُشرب حارًّا وباردًا، وأما الأطعمة الخاصة بالسحور فيحرص الكينيون على تناول الأرز والكالي مع تناول الشاي بالحليب. وعن العيد في كينيا يقول مسلم إنه عندما يعلن أئمة المسلمين انتهاء الشهر وحلول عيد الفطر، حيث ينتظم الكينيون في أداة صلاة العيد في المساجد والساحات تمسكًا بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد انتهاء الصلاة يحرص المسلمون على التزاور وإعطاء هدايا للأطفال، حيث يعدُّ هذا اليوم أجازة رسمية للمسلمين، بعكس ما كان عليه الحال في العقود الماضية. إعداد: صباح موسى