يلقى كتاب ”كذبة الربّ” للصحفي والكاتب محمد بن شيكو صدى كبيرا بالمكتبات من حيث الطلب عليه من طرف القراء والمهتمين، على خلفية الضجة التي أثارها بعد صدوره وما صاحبه من منع صدوره من طرف السلطات الجزائرية، وهو ما نفته وزارة الثقافة في تصريح سابق نسومر، بوحيرد وبن بوعلي وغيرهن.. احتكرن البطولة على حساب الكثير من الجزائريات خلال عملية البيع بالإهداء التي نظمتها مكتبة العالم الثالث، والتي عرفت طوابير لم تشهدها المكتبة من قبل، امتدت فيها الفترة المخصصة للبيع من الثانية زوالا إلى آخر ساعات الأمسية. وعلى هامش ذلك اقتربنا من صاحب ”كذبة الربّ” فكان لنا معه هذا الحوار.. في البداية، ماذا يمكن أن يقول بن شيكو عن ”كذبة الربّ”؟ ”كذبة الربّ” الذي جاء في 650 صفحة، قراءة أخرى للتاريخ الجزائري، تحدثت فيه عن انطلاقة التاريخ من العالمية وعودته قرنا بعد ذلك إلى حيز ضيق لم يعطه القدر الكافي من الأهمية، ما غيبه عن واجهة الثقافة الجزائرية، كما أنني لا أدعي كتابة التاريخ لأن هذا الأخير يتطلب وسائل مختلفة ومعرفة خاصة، بل أقترح على القارئ رواية تغوص به في فترة عمرها 170 سنة بأحداث تاريخية واقعية وبأشخاص غالبيتهم حقيقيين، لكن الرواية حرة تعتمد على وقائع تاريخية عاشتها الجزائر ذات يوم، كما تحدثت عن الحريات وعن وضعية تاريخ الجزائر الذي يعيش المأزق الحقيقي الذي يطبعه التجاهل. ”كذبة الربّ” هي أيضا قصة الجزائر العميقة بأكملها من السلف الصالح إلى الجيل الجديد الذي يعاني في الوقت الحالي من كل أنواع الحرمان والبيروقراطية، كما لخصت قصة البلد من 1858 إلى 2007 فانطلقت بذلك من الثورات الشعبية مرورا بالنضال المسلح إلى العشرية السوداء ووصولا إلى الوقت الراهن. بعيدا عن المضمون، ألا تعتقد أن العنوان وحده صنع ضجة كبيرة، وأثار جدلا قبل فتح الكتاب؟ رغم أن عنوان ”كذبة الربّ” يفتح المجال لعديد القراءات التي تطبعها الحساسية في كثير من الأحيان، خاصة توظيف اسم الجلالة مع مصطلح الكذب الذي حمله العنوان، إلا أن القارئ لا يجب أن ينظر إلى ذلك من الناحية الدينية، لأنني تناولته من زاوية واحدة تتعلق بكذب المسؤولين ومسيري الشؤون العربية على شعوبها، متوارين وراء شعار ”مقدر ومكتوب من الله”، واهمين إياهم بأن كل الأمور على أحسن ما يرام، كما أنها رسالة للساسة الذين يكذبون على الشعب باسم الربّ، من أجل بسط هيمنتهم على مصالحهم والإبقاء على عقولهم مخدرة، ناهيك عن تجاهلهم لدور الشعوب العربية عبر العصور. على ذكر الشعب، ما سر تركيزك على مرجعيته في مؤلفك، وهل استعملت اسمه لمخاطبة عاطفته؟ ”كذبة الربّ” كتبت عن الشعب، والكتابة عن الشعب هي الكتابة عن ملاحم ثورية عظيمة ورائعة، بطلها دائما الشعب لأنه الممثل الأساسي في الرواية وبدون ديماغوجية فهي حقيقة مطلقة، فتهميش الشعب شوه التاريخ ودفع بالحكومات إلى تسيير الشعوب بالطرق البيروقراطية، فالشعب يعتبر الممثل المركزي والقطعة الرئيسية التي تبني تاريخ الأمم. كما أن تاريخ الجزائر مزيف، والدليل على ذلك الدور الثانوي الذي منح للشعب، فكل الدراسات الفلسفية التي تناولت ديناميكية التطور الإنساني أثبتت أن الشعب هو المحرك الأساسي لتاريخ الدول، إلا أن هذا لم ينطبق على الجزائر لأننا عندما نقرأ الكتابات التاريخية الخاصة بالجزائر؛ نجد أن الشعب منح له الدور الثانوي فيما منحت الأدوار الرئيسية للزعماء الذين لم يلعبوا الدور اللازم في إنصاف شعبهم، وهذا هو التزييف بعينه الذي يكمن في تحريف التاريخ لأغراض سياسية رفعت بعض الشخصيات وأعطتها بعض المصداقية وصنعت منها أبطال التغيير وصناع التاريخ. كيف ترد على البلبلة التي أثيرت حول مؤلفكم؟ أنا أتقبل النقد مهما كانت حدته، ومستعد للحوار مع كل الأطراف المهتمة بتاريخ البلد حول الحقائق التي جاء بها كتابي، وعن النقاط التي يرى غيري أنها تستدعي النقاش؛ سواء كانت نظرة الناقد قاسية أو العكس، بالإضافة إلى أن المؤلف حوصلة شاملة لكل الإسهامات السابقة التي كتبت عن التاريخ الجزائري، واعتمد فيها على دراسات متعددة باللغتين العربية والفرنسية. ماذا عن كُتاب التاريخ وعن مكانة هذا الأخير في الثقافة الجزائرية؛ برأيك؟ الجزائر تملك أقلاما كثيرة مختصة في كتابة التاريخ، لكنها بقيت تدور في دائرة مغلقة لم تخرج عن الإطار المسطر لها مسبقا، إلا أن المختصين يجب أن يبتعدوا عن المغالاة في بعض الأحداث على حساب أحداث أخرى هُمشت رغم وزنها الكبير في تاريخ الوطن. أما عن مكانة التاريخ في الثقافة الجزائرية، فأعتقد أنه مُهمش تماما في الثقافة الجزائرية، بل إنه مغيب كليا وذلك بسبب غياب النية الصادقة في تدوين التاريخ وكذا غياب الإرادة في كشف الحقائق بكل مصداقية، ولعل ذلك متعمدا لأنها لا تخدم بعض الأطراف خصوصا الخوف من كشف المستور. تحدثت عن تزييف التاريخ من أي زاوية ينظر بن شيكو إلى هذه المسألة؟ تزييف التاريخ أخذ عدة أشكال أولها طمس الدور الذي لعبه الشعب، ثانيا تقزيم دور المرأة في تاريخ الجزائر، وأكثر من ذلك مسحت المرأة كليا من التاريخ، في حين أن دورها منذ العشرينات إلى يومنا هذا كان جد هام وأساسي، بالإضافة إلى أن تهميش المرأة كان نظاميا على مر المراحل التاريخية للجزائر وحتى قبل الثورة الجزائرية، لأن اسهامات المرأة الجزائرية لا تقتصر على أسماء نسائية معروفة ضخمت أدوارها لدرجة أن طمست أدوار نساء أخريات بلغت إسهاماتهن درجة كبيرة من الأهمية، لا يمكن طمسها بأي حال من الأحوال، ووصلت درجة تهميش المرأة الى حد تقزيمها وكأنها لم تلعب أي دور في تاريخ البلد؛ بل تم اعتبارها أكثر من العبد الضعيف فركنت بذلك على الهامش، والشيء الذي يجب أن يلقن لشباب اليوم هو أنه لولا الدور الذي لعبته المرأة على مر العصور ما كنا لنصل إلى الاستقلال والحريات والى التطور الاقتصادي الذي نعيشه، فإسهامات المرأة الجزائرية من خلال كتابي لم تقتصر على فاطمة نسومر، جميلة بوحيرد وحسيبة بن بوعلي؛ بل كشفت أسماء أخرى جزائرية وغير جزائرية يتفاجأ القارئ بالاطلاع على دورها في التاريخ الجزائري. كما أعترف أن ”كذبة الربّ” هو تكريم للمرأة وإسهاماتها المختلفة وتحية لكل أصدقاء الجزائر من جميع البلدان من المغرب العربي، بمن فيهم الأجانب من المسيحيين واليهود وكل القادمين من أوروبا. ما هو جديد محمد بن شيكو؟ أعكف حاليا على الكتابة عن حياة وإسهامات ”اميل بوسكيت” زوجة مصالي الحاج المدعوة ”رشيدة”، لأنها امرأة همشت بالقدر الكافي، ربما لأنها من أصول فرنسية، أوربما لتضخيم دور زوجها الذي غطى على وجودها، فأُلغي بذلك اسمها من قاموس التاريخ الجزائري، رغم إسهامها الكبير في دعم القضية الجزائرية، لذلك فأنا أعتقد أنها تستحق أن يعاد لها الاعتبار، والعمل وصل نسبة 25 بالمئة من الإنجاز. أترك لكم حرية ختم اللقاء، فماذا تقول؟ أقول فقط إن ”كذبة الربّ” مفتوحة على مختلف القراءات والتأويلات، ولكل متصفح الحق في وضع النهاية التي يراها مناسبة، والأكيد أنها لن تخرج عن إطار واحد ووحيد هي أن الاعتبار سيرد يوما للشعوب إن طال الأمد أو قصر، وستتحقق أحلامه المنتظرة.