يجتمع علماء وفقهاء من دول إسلامية عديدة كل رمضان في الزاوية البلقايدية بمدينة وهرانبالجزائر، لطرح ومناقشة وتفسير السنة النبوية وسيرة الصحابة والأتباع وهذا من خلال سلسلة الدروس المحمدية التي بلغت طبعتها 16 هذا العام، وفي كل سنة يربط العلماء مقاصد الدين بالراهن الذي يتأثر بكل ما يجري في العالم خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه الخلط بين الأصول الصحيحة والأفكار الدخيلة التي سبق وأن أشعلت الفتن وأفسدت أوطانا. بن ودان خيرة مقران لتكوين أجيال متمسكة بمرجعيتها وحامية لوطنها تشير مصادر، إلى أن تاريخ وجود الزاوية البلقايدية في الجزائر يعود لسنة 1911، حين أسسها الشيخ محمد بلقايد المنحدر من عائلة نسبها شريف من أهل البيت، اشتهر بالعلم والكرم وحفظ القرآن وتتلمذ على يده كبار علماء مدينة تلمسان، منهم الإمام بوعروق، والإمام حسين النجار وآخرون، وبعد وفاته سنة 1998 عن عمر ناهز 87 سنة، تسلم ابنه عبد اللطيف بلقايد مسؤولية الإشراف على هذه الطريقة، وتم إنشاء الزاوية البلقايدية الهبرية بمنطقة سيدي معروف بوهران تزامنا وتاريخ وفاة الشيخ بلقايد لتكون منبعا للوسطية والاعتدال. شيدت الزاوية على مساحة تقدر ب 5 هكتارات، تضم مدرسة قرآنية بطاقة استقبال تصل إلى 300 طالب إضافة إلى مكتبة تتربع على 1200 متر مربع وغيرها من المرافق، وشرعت منذ ذلك الوقت في استقبال الطلبة من داخل وخارج الوطن لتعليمهم مختلف العلوم في الشريعة والفقه والسيرة النبوية وعلم التجويد وحفظ القرآن الكريم. كما تتولى أيضا، مهمة التوجيه وتنظيم دروس عامة لفائدة المواطنين، فضلا عن إقامة شعيرة صلاة الجمعة، وبعد 20 سنة من افتتاح الزاوية بوهران، تم تدشين مقر جديد لها بالعاصمة سنة 2018 بمنطقة تيقصراين ببئر خادم. محاور تستنبط السيرة النبوية لمعالجة قضايا الراهن اشتهرت الزاوية البلقايدية بوهران، على مدار السنوات الماضية بإقامة الدروس المحمدية خلال شهر رمضان من كلّ عام، وهي تظاهرة دينية تمتد لحوالي عقدين من الزمن، و وتعنى بترسيخ قيم الإسلام وفق النهج الوسطي والاعتدال ونبذ العنف والتعصب و الأفكار الدخيلة على المجتمعات والتأسيس للسلام والأمن والأمان إلى جانب بناء الأوطان وفق مناح من السيرة النبوية المستمدة من القرآن الكريم. تواصلت سلسلة الدروس المحمدية منذ 2005 إلى غاية 2019 ثم توقفت في طبعتها 14 بسبب وباء كورونا، لتبعث من جديد في 2023، حيث احتضنت الزاوية بوهران كل الطبعات، ما عدا الطبعة 13 التي نظمت بالمقر الجديد للزاوية في العاصمة وتزامنت مع تدشين هذا الصرح سنة 2018. فقهاء الأمة يشرحون السيرة لنبذ الأفكار الدخيلة وكانت مختلف طبعات سلسلة هذه الدروس مناسبة للعلماء والفقهاء المشاركين من مختلف الأقطار العالمين العربي والإسلامي وخارجهما لربط المحاور ومواضيع المحاضرات مع القضايا الراهنة، لا سيما الدعوة إلى نبذ العنف و التطرف والوقاية من التعصب وتوغل الأفكار الدخيلة المنافية لمبادئ الإسلام، كما تعتبر الدروس المحمدية محطة علمية للم شمل دول عربية وتفعيل الطريقة الصوفية. ويتجلى كل ذلك من خلال المواضيع التي تمحورت حولها مختلف الملتقيات التي نظمت منذ الانطلاقة الأولى للفعالية سنة 2005 إلى غاية الطبعة 16، التي احتضنها هذا الشهر مقر الزاوية في العاصمة، حيث كان موضوع الملتقى «العقيدة الأشعرية مرجعية الأمة الإسلامية»، وتمحورت محاضرات الفقهاء والمشايخ الذين حضروا من مختلف الدول الإسلامية حول العقيدة الأشعرية ومنها محاضرة بعنوان «معالم العقيدة الأشعرية في مكتوبات سيدي أبو مدين الغوث والأمير عبد القادر»، وكذا «تجليات الوسطية في العقيدة الأشعرية ودورها في أمن البلاد» ومن المحاور أيضا « دور العقيدة الأشعرية في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية عبر العصور» وغيرها، و للتذكير فقد ركز موضوع الطبعة 15 من الدروس المحمدية العام الماضي، على «ضوابط التفسير ومدارس المفسرين»، وهو موضوع مهم لإبراز دور الجزائر التي كانت سباقة في تفسير القرآن الكريم و شرح الأحاديث النبوية الشريفة من خلال الشيخ الداودي المسيلي الذي فسر وشرح كتاب البخاري، و هو ثاني كتاب صحيح بعد القرآن وبفضل ما كتبه علماؤها مثل سيدي عبد الرحمان الثعالبي والأمير عبد القادر والشيخ عبد الحميد بن باديس والشيخ بيوض وغيرهم. وتضمن برنامج الطبعة عدة محاور تصب كلها في تفسير القرآن وأهميته في نشأة الأجيال على الطريقة الدينية الصحيحة، ومنها «التفسير بالمأثور : نشأته وضوابطه» و»عناية علماء الإسلام بتفسير آيات الأحكام» و»جهود السادة الصوفية في خدمة التفسير» إلى جانب «الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم : تجليات وقبسات» و»الحكم والمتشابه في القرآن الكريم» و»التفسير العلمي للقرآن الكريم» و»قواعد التفسير وآداب المفسر». وكانت الطبعة 14 من هذه السلسلة بعنوان « التربية في الإسلام» وهو شعار مستمد من الآية القرآنية الكريمة «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلم تذكرون»، وشملت المحاضرات «الشباب في الإسلام» و»الأدب والخلق الحسن عند علماء الحديث» والتربية الروحية في حياة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم» و»باب النعيم المقيم في تربية القلوب على ذكر الله العظيم» و»التربية الخلقية وأثرها في إصلاح الفرد والمجتمع». أما الطبعة الثالثة عشر فقد نظمتها الزاوية البلقائدية الهبرية بصفة استثنائية بمقرها الثاني الجديد بتقصراين في العاصمة، بعنوان «مصادر التشريع الإسلامي»، حيث تم تقديم 21 محاضرة ارتبطت مواضيعها بالمحور الرئيسي للطبعة وتنوعت عناوينها منها «القرآن الكريم أصل مصادر التشريع» و «سنة الخلفاء الراشدين وأثرها في التشريع» وكذا «العناية بالتفسير المقاصدي عند الإمام سيدي عبد الرحمان الثعالبي». وجاءت الطبعة 12 من سلسلة الدروس المحمدية تحت عنوان «الشعور بنعم الله، وكان الهدف من اختيار هذا الموضوع هو رد الأمة إلى النعم الظاهرة والباطنة حتى تشكر الله وتحمده عليها وهذا الشكر سيكون سببا في زيادة النعم لأن هناك الكثير من ينساها ويكثر من التذمر، وتم تسليط الضوء على أهم نعم الله وهي نعمة الأمن والآمان، واختير للطبعة 11 عنوان محوري يتمثل في «صلاح الأمة في إتباع رسول الرحمة» وذلك تحت شعار الآية الكريمة «قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين». وكان موضوع الطبعة العاشرة لسلسلة الدروس المحمدية «المنهج المحمدي في الأخلاق والقيم»، حيث دعا المشاركون لضرورة تحصين المجتمع من الفكر السلبي الذي تنشره التيارات الفكرية التي تبعد عن اتباع النهج المحمدي والتي ينبغي مواجهتها بهذا المنهج القائم على مكارم الأخلاق والقيم الإنسانية، وناقشت الطبعة 9 موضوع المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية)، لربط الخلف بأسلافهم، الذين تركوا أثرا طيبا كان لا بد من التأسي به وترسيخ فكرة أن «الاختلاف رحمة ولا يجب أن يؤول لصدام بل يكون سبيلا لإنارة الفكر وتنقيحه من كل تعصّب، وكانت أبرز محاضرة تعزز هذا الطرح للدكتور اللبناني عبد الرزاق الرفاعي تحت عنوان «أدب الخلاف الفقهي الواقع.. المرتجى. بينما شكل موضوع «أصحاب سيدنا رسول الله» محور الطبعة الثامنة التي شاركت فيها نخبة كبيرة من علماء ومشايخ من عدة دول عربية ومن فرنسا، وتم التركيز خلالها على سير الصحابة الكرام ونهجهم المحمدي في حياتهم وسلوكاتهم. ..وكان خلقه القرآن وجرت فعاليات الطبعة الخامسة حول معالم وأوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والرسالة المحمدية بشكل عام، حيث حرص المتدخلون على تناول عدة جوانب من موضوع الطبعة الموسوم '»العلم''، منها تبيان مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة واحتوائهما على مقاصد علمية تتوافق مع المنطق الإنساني وتنفع البشر، كون العلوم التي جاء بها الإسلام مكنت البشرية من تحصيل الفهم الصحيح للكون والمهام المنوطة بالإنسان في الحياة الدنيا. وجاءت الطبعة الثالثة لسلسلة الدروس المحمدية بموضوع «من وحي السنة النبوية الشريفة»، وركزت المحاضرات على معاني الارتقاء إلى درجات خصال النبي (ص) الذي كان خلقه القرآن ومحاسن التدرج في أخلاقه الإسلامية التي تجعل المرء يسعد أكثر كلما سما في كنفها، و معالم البعد الحضاري للسنة النبوية الشريفة ومكارمها في التوجيه إلى إرساء مجتمع إسلامي متحضر متكامل ومتجانس في جميع ميادينه، وهذا ما ينبغي إتباعه خاصة وأن صفات سيد الأنبياء مستلهمة من وحي القرآن الكريم.