من بين العادات الجميلة التي اختفت من ليالي رمضان بمنطقة القبائل، نجد التويزة الرمضانية الخاصة بالنسوة، والتي كانت عادة تضامنية تعزز علاقة الجيرة وتضفي على ليالي الشهر الكريم نكهة خاصة وسط النسوة، اللواتي يتنقلن كل ليلة من منزل جارة لأخرى، يعنها على أشغال بيتها ويتسامرن حتى وقت السحور، يتسحرن لديها قبل أن يتوجهن إلى منازلهن لتحضير ذات الوجبة للأزواج والأطفال. هذه العادة الجميلة اختفت تقريبا بشكل نهائي، ومازالت المسنات يذكرنها بحسرة كبيرة كلما التف حولهن الأحفاد أو سّئلن عما يحنّ إليه من ماضي الزمن الجميل. التويزة الرمضانية تتمثل في اجتماع نسوة القرية كل ليلة عند جارة ما، والأولوية تكون لتلك التي داهمها الوقت ولديها الكثير من الأشغال، كجمع وفرز المحاصيل الزراعية التي كانت تقام بشكل يدوي في باحة المنزل، حيث يتعذر على الجارات مساعدتها نهارا لانشغالهن بمنازلهن ومتطلبات عائلاتهن، لكنهن لا يتأخرن عن الموعد كل ليلة، يتجهن مباشرة بعد الإفطار إلى منزل الجارة المعنية، يساعدنها على تحضيرات العرس إذا كانت تحضر لزفاف ابنتها أو زواج ابنها، يتعاون على إعادة بناء الأكواخ الطوبية، أو يقمن بفرز المحاصيل الزراعية كمختلف الحبوب التي يتم تجفيفها وتخزينها كبذور أو مؤونة للمواسم المقبلة، كل حسب الموسم المتزامن وشهر رمضان. وتستمر النسوة في العمل وسط جو من المرح وعلى نغمات "اشويقن" وهي مدائح دينية تتغنى بالشهر الفضيل وتشيد بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتحفز على العمل الجماعي وواجب إعانة الجار، إلى أن يحل موعد السحور، حيث تكون ربة البيت أو بناتها أو كناتها قد أعددن وجبة السحور التي تتمثل غالبا في الكسكسي بالزبيب واللبن، وقبل ذلك يؤدين صلاة العشاء ويتناولن وجبة حلوة كثيرا ما كانت المسمن المعسل. تفترق النسوة دقائق قبل موعد السحور بعد تناولهن له في منزل "المعينة" متجهات نحو منازلهن لإعداد ذات الوجبة للأزواج والأبناء، بعد أن يحددن منزل الجارة المقصودة في اليوم الموالي. ورغم مشاق الصوم والعمل المضني الذي يصنع يوميات المرأة القبائلية على مدار السنة، إلا أن دورها التربوي والحرص على تنشئة البنات وتعليمهن "صنعة اليد" والعمل على جعلهن ربات بيوت ماهرات منذ نعومة الأظافر، كان من أولوياتها، حيث لا تستثنى الفتيات من التويزة الرمضانية، فقط لا توكل إليهن الأشغال الشاقة التي كانت تقوم بها الأمهات، فيما تجتمع الفتيات والكنات اللواتي يذهبن هن الأخريات إلى المنزل الذي يحتضن التويزة محملات بسلة فاكهة أو أكلة لذيذة، يجتمعن لتعليم بعضهن بعضا الحرف أو الأكلات التقليدية، حيث لم تكن مهمة تربية البنت تقتصر على الأم أو العائلة فقط، بل على كل نسوة القرية، إذ تجد كل فتيات القرية الواحدة يمتلكن نفس المهارات ويمارسن نفس الحرف، وإن كانت الوالدة لا تجيدها، لأن كل واحدة على حدة ستكون ممثلة لنساء قريتها أو عرشها وسفيرة لهن في بيت الزوجية خصوصا إذا زفت لعرش غير الذي تربت فيه. التويزة الرمضانية كانت فرصة تعزز روح الأخوة والتضامن بين العائلات، إلا أنها اختفت تدريجيا مع رياح العصرنة التي عصفت بكل جميل صنع هوية وتماسك المجتمع القبائلي قديما.