تحضيرات برلمانية حاسمة قبيل التصويت على التعديل التقني للدستور    محادثات جزائرية-نيجرية رفيعة المستوى لتعزيز التعاون الثنائي    القانون الدولي ولحظة الأفول الكبير    حجز أزيد من 111 كغ من الكوكايين    احتياطي عالمي يضع الجزائر على خارطة المعادن النادرة    انخفاض أسعار الذهب بأكثر من 3%    أسعار برميل خام برنت في ارتفاع    الحرب المفتوحة… الأهداف والميادين والأطراف والزمن    الكيان الصهيوني يخطط لفرض الأمر الواقع بالضفة الغربية    ارتفاع حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على غزة    "الجار قبل الدار".. مفهوم غاب يوم عيد الفطر    تساقط أمطار رعدية و هبوب رياح    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    زكاة الفطر من الألف إلى الياء..    الخطاب الذي أبقى نيران الحرب مشتعلة    كم يربح رونالدو من تهنئة العيد؟    فرصة العمر لبن بوعلي    مُمثّلا الجزائر على مشارف نهائي تاريخي    سعيود يأمر بتسريع معالجة الملفّات    بداوي يحثّ على مضاعفة الجهود    درك العاصمة يفكّك شبكة إجرامية    اختتام المبادرة الوطنية النموذجية    مبادرات لتخفيف معاناة الأطفال المرضى    التجربة الإسلامية التاريخية بنيت على المفهوم القرآني للعدل    هذا جديد الاستيراد    صالون دولي للحديد بالجزائر    12تعديلا تقنيا مقترحا على الدستور    رفع مستوى الجاهزية لصدّ مخططات المتربّصين بالجزائر    مرافقة صغار الفلاحين لزيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء    ترامب يكشف عن مفاوضات لوقف الحرب وطهران تنفي    آيت نوري يُتوَّج بأول ألقاب مشواره الكروي    بلغالي يعود كأساسي مع هيلاس فيرونا    استثمارات بالملايير لتحسين التموين وتقليص الأعطاب    تقليد يتحدى التحذيرات الصحية    مساجد البليدة فضاءات للتبرع بالدم    تربص مارس فرصة الوافدين لحجز أماكنهم    "ارتقاء" تناقش "صناعة أدب الأطفال في الجزائر"    جهود مبذولة لخدمة كتاب الله    أفق جديد للبحث في كيفية تجسيد شخصية الأمير في السينما    دوار الشمس.. محصول زيتي واعد يشق طريقه في حقول بسكرة    سياسات الاحتلال المغربي تقوّض الحقوق المشروعة للصحراويين    الجزائر العاصمة:معرض الديناصورات المتحركة يعود من جديد    الموعد القادم في المغرب..اتحاد الجزائر يُواصل المشوار الإفريقي بنجاح    بعد بلوغهما نصف النهائي كأس الكونفدرالية الافريقية..صادي يهنئ شباب بلوزداد واتحاد الجزائر    النعامة تحتضن ملتقى وطنيًا حول "إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح"... قراءة فكرية في عمق الإبداع المسرحي    محاور لاجتماعات اللجنة المشتركة الجزائرية- النيجرية    المجاهد السبتي بودوح في ذمة الله    في إطار إحياء شهر التراث..ملتقى وطني حول رقمنة التراث والابتكار الثقافي    دخول الحرب مرحلة محفوفة بالمخاطر    هكذا نستقيم على الطاعة بعد رمضان..    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    بحث تزويد النيجر بالأدوية واللقاحات    الجزائر" المحروسة" تحتفي بصغار الحفظة وبراعم التفسير    قائمة ب500 تسمية دوائية ضرورية    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    الحجّاج مدعوون لحجز رحلاتهم قبل 18 مارس    ضرورة تعزيز قنوات الحوار والتواصل مع مسيري المؤسسات الصحية    وزارة الصحة: الاستماع إلى الانشغالات المهنية لفئة النّفسانيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



آداب طلب العِلم من خلال قصّة سيدنا موسى والخضر

إنّ القصص القرآني أروع القصص بإطلاق، إذ هو أحسن القصص بيانًا بليغًا وحكمة بالغة، {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ}، والمقصود الأعظم منه هو الاهتداء لخير السُّبل وأفضل الأخلاق بالاعتبار بخير قصص وأفضل مثال، إعمالاً للعقل بالتدبُّر واستنباطًا للحكم والفوائد بالتفكّر: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}، وكم من العبر العظيمة والحكم الجليلة في اللفظة الواحدة من القرآن العظيم بله القصة الكاملة منه، بل ربّما يكون في الكلمة منه حِكمًا ومعاني أكثر من عدد حروفها، وللّه الحكمة البالغة.
من روائع القصص القرآني الّتي تشدّ قارئها شدًّا، وتأخذ بلبّه وقلبه أخذا: قصة سيدنا موسى والخضر، هذه القصّة الجليلة الجميلة الّتي حيّرت العلماء وأبهرت العقلاء بأحداثها العجيبة ووقائعها الفريدة وحِكمها الباهرة؟ ولا تزال مَعينًا صافيًا للمتدبّرين، ونبعًا ثرًّا للمتفكّرين، ومنارة سامية للمتعلمين.
ولستُ بصدد تفسير الآيات الّتي حوتها فدون ذلك التفاسير الكثيرة لعلمائنا الأبرار، وإنّما قصدي التّنبيه على بعض فوائدها الّتي قد يغفل عنها ولا ينتبه لها. فأمام روعة القصّة وعجيب أحداثها قد لا ننتبه إلى آداب العالم والمتعلّم الّتي احتوتها وأفادتها، ولكنّ علماءنا تدبّروا وتفكّروا واستنبطوا منها جليل الآداب ودقيقها، وجميل الحكم ورائعها. فهذا الإمام الرّازي يستنبط من آية واحدة في نصف سطر اثني عشرة فائدة، قال في تفسير قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}: اعلم أنّ هذه الآيات تدلّ على أنّ موسى عليه السّلام راعى أنواعًا كثيرة من الأدب واللّطف عندما أراد أن يتعلّم من الخضر.
فأحدها: أنّه جعل نفسه تابعًا له لأنّه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ}. وثانيها: أن استأذن في إثبات هذا التّبعية؛ فإنّه قال: هل تأذَن لي أن أجعل نفسي تابعًا لك وهذا مبالغة عظيمة في التّواضع. وثالثها: أنّه قال على أن: {تُعَلِّمني} وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم. ورابعها: أنّه قال: {مِمَّا عُلّمْتَ} وصيغة من للتّبعيض؛ فطلب منه تعليم بعض ما علّمه اللّه، وهذا أيضًا مشعر بالتّواضع كأنّه يقول: له لا أطلب منك أن تجعلني مساويًا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزءا من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءا من أجزاء ماله. وخامسها: أنّ قوله: {مِمَّا عُلّمْتَ} اعتراف بأنّ اللّه علّمه ذلك العلم. وسادسها: أنّ قوله: {رَشَدًا} طلب منه للإرشاد والهداية، والإرشاد هو الأمر الّذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضّلال. وسابعها: أنّ قوله: {تُعَلّمَنِي مِمَّا عُلّمْتَ} معناه أنّه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله اللّه به، وفيه إشعار بأنّه يكون إنعامك عليّ عند هذا التّعليم شبيهًا بإنعام اللّه تعالى عليك في هذا التّعليم؛ ولهذا المعنى قيل: أنا عبد مَن تعلّمتُ منه حرفًا. وثامنها: أنّ المتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل كونه فعلاً لذلك الغير.. فنقول قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} يدلّ على أنّه يأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرد كون ذلك الأستاذ آتياً بها.
وهذا يدلّ على أنّ المتعلّم يجب عليه في أوّل الأمر التّسليم وترك المنازعة والاعتراض. وتاسعها: أنّ قوله: {اتَّبِعُكَ} يدلّ على طلب متابعته مطلقًا في جميع الأمور غير مقيّد بشيء دون شيء. وعاشرها: أنّه ثبت بالإخبار أنّ الخضر عرف أوّلاً أنّه نبي بني إسرائيل وأنّه هو موسى صاحب التّوراة، وهو الرّجل الّذي كلّمه اللّه عزّ وجلّ من غير واسطة وخصّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثمّ إنّه عليه السّلام مع هذه المناصب الرّفيعة والدرجات العالية الشّريفة أتَى بهذه الأنواع الكثيرة من التّواضع؛ وذلك يدلّ على كونه عليه السّلام آتياً في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة وهذا هو اللائق به؛ لأنّ كل مَن كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة والسّعادة أكثر فكان طلبه لها أشدّ وكان تعظيمه لأرباب العِلم أكمل وأشدّ. والحادي عشر: أنّه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِي} فأثبت كونه تابعًا له أوّلاً ثمّ طلب ثانيًا أن يعلّمه، وهذا منه ابتداء بالخدمة ثمّ في المرتبة الثانية طلب منه التّعليم. والثاني عشر: أنّه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِي}، فلم يطلب على تلك المتابعة على التّعليم شيئًا كأنّه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه ولا غرض لي إلاّ طلب العلم. فهذا نموذج لما ذكره علماؤنا وسيأتي باقي الحكم والفوائد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.