تشهد مصالح الولادة بكبرى مستشفيات ولاية الجزائر اكتظاظا كبيرا أدى إلى تدني ظروف الاستشفاء ونوعية الخدمات المقدمة على مستواها، وحسب المعاينة الميدانية التي قادتنا إلى مصالح التوليد بكل من مستشفيات القبة، مصطفى باشا الجامعي، بارني، وعيادة إبراهيم غرافة بباب الوادي "دوروندو"سابقا، فإن مختلف هذه المصالح تستقبل يوميا عددا هائلا من الحوامل يفوق طاقة استيعابها، مما ينعكس سلبا على الخدمات، خاصة وان العاصمة تبقى الوجهة المفضلة لغالبية الحوامل القادمات من مختلف مناطق الوطن، وهي الوضعية التي غطت حسب ما أكده مسؤولو هذه المصالح على المجهودات التي يقومون بها. مستشفى القبة واحد من المستشفيات الكبرى بالعاصمة الذي شهد ميلاد 9560 طفلا سنة 2008 لحوامل قدمن من مختلف مناطق الوطن بمعدل 23 إلى 35 ولادة يوميا وفي ظروف صعبة نتيجة الاكتظاظ الخانق الذي لاحظناه بعد أن تمكنا من دخول المصلحة وكل غرفها خلال موعد الزيارة الذي تم تغييره من الواحدة إلى الواحدة والنصف زوالا، حيث تجمع المواطنون قبل هذا الموعد بساعات أمام المدخل الرئيسي، ليلاحظ الزائر لمستشفى القبة في هذه الفترة حشدا هائلا من الرجال والنساء وحتى الأطفال، الذين يتدفقون دفعة واحدة على المستشفى. وبقسم الولادة الذي يمنع دخوله إلا على الطاقم الطبي حيث مكننا أحدهم من الدخول، لايمكن تصور الوضعية التي تتم فيها الولادة والعمليات القيصرية التي تصل إلى عشر عمليات في اليوم، بسبب ضيق المساحة التي وضع بها55 سريرا بدلا من ثمانية أسرة من خلال توزيع العدد الإضافي منها هنا وهناك، وحتى في الرواق وزوايا القسم بطريقة فوضوية، بينما افترشت بعض النساء المساحة المتبقية ووجدن أنفسهن على الأرض في انتظار التوليد الطبيعي أو العملية القيصرية التي تجرى في الرواق أحيانا حسب مصدر طبي رفض الكشف عن اسمه ثم تحول المريضة على سرير غير ملائم تماما في انتظار نقلها إلى إحدى "قاعات ما بعد الوضع" التي رأيناها مكتظة بالزوار الذين يحيطون النّفساء التي تقاسم امرأتين أخريتين سريرا واحدا في جو يزيد من المتاعب التي تصاحب الوضع.
عيادة "دوروندو" ... الدخول صعب والاكتظاظ حاضر!! أما عيادة إبراهيم غرافة بباب الوادي "دوروندو"سابقا التي لا يكون دخولها سهلا ويتم عن طريق الوساطة حسب شهادة إحدى الطبيبات فصور النساء الحوامل المستلقيات على الأرض غائبة بها، بينما لا تفارق كل من دخلها صورة الحوامل اللواتي يعانين من صعوبات وهن يتوسلن إلى الحارس من اجل تعجيل التحاقهن بقاعة الفحص، كما لا يختلف التكفل بالحوامل كثيرا عن باقي العيادات بسبب الاكتظاظ ونقص العمال خاصة الممرضات، فالحامل التي تدخل هذه العيادة ستعاني لا محال خاصة أثناء الليل كما يجب أن تخضع لأوامر المنظفة التي لا تجد حرجا في إطلاق العنان لصراخها بمجرد دخولها المصلحة التي تنهي بها عملها في لحظات يقول مصدرنا أما غياب الممرضة ليلا وصعوبة الاتصال بها فهو أكبر مشكل يمكنه أن يضع حياة الحامل في خطر كما صرح أحد الأطباءل"المساء" وهو ما جعل إحدى الحوامل تجهض فوق السرير وسط دهشة مرافقاتها الحوامل اللواتي يساعدن بعضهن على النهوض والصعود على الأسرة التي تتعب أكثر مما تريح. وفي هذا الصدد قالت حامل قدمت من بسكرة، مصابة بداء السكري وتنتظر مولودها الثاني"لا يهمني السرير ولا نوعية الطعام، المهم أن أخرج بسلام لأن حملي صعب وحالتي مستعصية ودخلت هذه المصلحة بعدما رفضت ثلاث مستشفيات قبولي بحجة الاكتظاظ"، من جهتها قالت امرأة تنتظر مولودها الأول إنها فضلت العيادة العمومية رغم النقائص بدلا من اللجوء إلى العيادات الخاصة التي أصبحت تتاجر بإجراء العمليات القيصرية المكلفة جدا، وتنقل المريضات بمجرد أن تصبح حالتهن صعبة إلى المستشفيات العمومية. لكن اللجوء إلى هذه الأخيرة ومنها مستشفى مصطفى باشا الجامعي لا يكون أحسن حالا بالنسبة للحامل التي تتفاجأ بالاكتظاظ -كما لاحظنا- في مدخل المصلحة حيث أن شابة يظهر من بذلتها أنها عون أمن وزميل لها يتوليان مهمة توجيه المواطنين الذين يسيطر الغضب والسخط على جلهم بسبب تأخر معاينة وفحص الحوامل، خاصة في بعض الحالات المستعصية حيث يصعب التحكم في الآلام.
مستشفى مصطفى باشا... حوامل يشتكين ظروف الاستقبال لاشك أن الحامل التي تضع مولودها في مصلحة مستشفى باشا الجامعي ستحتفظ بذكريات لا تنسى لأنها ستمضي وقتا طويلا في انتظار المعاينة التي تكون فيها الأولوية لأصحاب الوساطة على حد تعبير السيدة (ف.ج) التي قالت إن تجربتي الأخيرة كانت مختلفة عن سابقتها، حيث أنجبت ابنتي الأولى في المصلحة في ظروف صعبة، بينما حظيت هذه المرة بالعناية بعد أن توسطت إحدى معارفي لدى المصلحة. وحسب أحد المواطنين التقته "المساء" بالمصلحة فإن الوضعية أصبحت لا تطاق بسبب الإهمال واللامبالاة حيث يتم تغيير مواعيد إجراء العملية القيصرية بطريقة عشوائية دون الأخذ بعين الاعتبار حالة الحامل التي يطلب منها الصوم قبل خضوعها للعملية، وما زاد من تذمره كما قال هو عدم تمكنه من الاطمئنان عليها لا بالدخول ولا بالهاتف النقال الذي تم منعه أيضا، فضلا عما أسماه ب "تجويع الحامل" التي لا تجد ما تسد به رمقها بسبب منع إدخال المأكولات من خارج المصلحة التي توزع الوجبات في فترات محددة. وكانت صورة مواطن فقد صبيه على مستوى المصلحة جد مؤثرة حيث صب جام غضبه على القائمين على المؤسسات الصحية بالعاصمة التي رفضت استقبال زوجته التي انتهى بها الأمر إلى فقدان وليدها بمصلحة مصطفى باشا الجامعي الذي لا يوفر هو الآخر مكانا مريحا للنساء بسبب الاكتظاظ. حادثة أخرى مست طفلة ولدت بجروح في الرأس بسبب طريقة الولادة المستعصية التي خضعت لها الوالدة التي وجدناها صدفة تنتظر الفحص قبل مغادرة المستشفى، وهي عينة من الأخطاء التي يتستر عليها الأطباء رغم خطورتها كونها تكون مميتة أحيانا وتتسبب في عاهات مستديمة أحيانا أخرى.
مستشفى بارني.. سريرواحد لثلاث نساء! أما مستشفى بارني الذي دخلناه قبل موعد الزيارة فلم نلاحظ به صور الاكتظاظ الخانق، فأول ما يشاهده الزائر هو تواجد الحوامل ومرافقاتهن بكثرة بقاعة الانتظار للقيام بالفحوصات أو للالتحاق بقاعة الولادة مرفوقات بالحقائب ولوازم ما بعد الوضع بينما يقوم الحارس الذي يقف بمدخل المصلحة بتوجيههن إلى مختلف وحدات المصلحة التي أعيد تهيئتها وتوسيعها بشكل مريح للتكفل بالحوامل القادمات من مختلف مناطق الوطن حسب ما صرح لنا به البروفيسور بوزكريني الذي تأخر في استقبالنا بمكتبه بحكم انشغاله بفحص الحوامل اللواتي يفضلن مصلحة هذا المستشفى التي تعتبر اكبر مصلحة للتوليد على مستوى العاصمة بطاقة 130 سريراً موزعة على ثمانية وحدات منها وحدة جراحة التوليد، الحمل بأخطار كبرى، وحدة لمعالجة سرطان الرحم، الإنعاش، التخدير، الاستعجال والفحص الخارجي، وحدة للتكفل بالولادات الحديثة التي تعاني من صعوبات، ومركز للتلقيح الاصطناعي الذي سيعيد لمستشفى بارني الذي أجرى أول عملية من هذا النوع سنة 1986 مكانته في هذا المجال، حيث سيكون أول مرفق عمومي متخصص في هذا النوع من العمليات التي انفرد بها القطاع الخاص. فمصلحة الولادة التي تم فتح جزء منها بطاقة 40 سريراً بعد غلقها لفترة وتحويل الحوامل لعيادة جسر قسنطينة تغيرت بشكل لافت للانتباه بعد تجهيزها بأحدث الوسائل، كما يلاحظ الزائر توفر النظافة التي تضمنها فرقة من القطاع الخاص في إطار اتفاقية تم إبرامها مع المستشفى الذي سيمضي اتفاقية أخرى لتحسين نوعية الغذاء وتقديم وجبات ذات نوعية. وبالرغم من إعادة تهيئة المصلحة يبقى مشكل الاكتظاظ مطروحا ما دام السرير الواحد تتقاسمه ثلاث وافدات على هذا المستشفى الذي يشهد ولادة 25 صبيا في اليوم بمعدل ستة عمليات قيصرية، حسب البروفيسور بوزكريني الذي شبه حالة المصلحة عند موعد الزيارة ب "سوق الفلاح" بسبب كثرة الوافدين عليها الذي يصل الى مئة شخص في غرفة صغيرة، الأمر الذي جعل القائمين على المصلحة يقررون تحديد عدد الزوار بشخصين لكل مريضة بدلا من 20 إلى 30 شخصا المسموح لهم بالزيارة حاليا رغم أن فترة مكوث المرأة بالمستشفى لا تتجاوز ليلة واحدة أحيانا، ما أدى الى إحداث فوضى عارمة في هذه الفترة، بالإضافة الى مشكل نقص العمال في الميدان الطبي وشبه الطبي الذي تنتظر المصلحة حله من خلال تنفيذ الوصاية لوعودها بالتوظيف من أجل التكفل الطبي بالنساء سواء عند الحمل أو أثناء الولادة.
القابلات يشتكين والوصاية لا تردّ .. وما يلفت الانتباه في هذه المصلحة هو القابلات اللواتي يرتدين اللون الأزرق كلون موحد، بينما فضلت إحداهن اللون الوردي لتتميز بذلك عن باقي القابلات، ومنهن الشابة (ر.س) التي طالبت نيابة عن زميلاتها بقانون أساسي ينصفهن وأبدت عدم رضاها بظروف العمل الحالية، منها الأجرة التي وصفتها بالزهيدة والضغط الكبير الناتج عن قلة القابلات مقارنة بعدد الحوامل الذي تستقبله مصلحة "بارني"حيث تتولى القابلة الواحدة من 12 إلى 20 ولادة خلال المناوبة، ما ينعكس على مستوى الخدمات والتكفل بالحوامل. وفي تعليقه على الاكتظاظ الذي تشهده مصالح الولادة بالعاصمة أوضح رئيس النقابة الجزائرية لشبه الطبيين لوناس غاشي الذي استقبلنا بمقر النقابة بحسين داي، أن هذه المرافق لا يمكنها رفض امرأة توشك على الولادة بالرغم من أنها لا تتوفر على سرير لأن الأمر يتعلق بحياة إنسان، مرجعا مشكل الاكتظاظ إلى تمركز مصالح الولادة بالمستشفيات الكبرى وغياب عيادات تابعة لها، واقترح توسيع المصالح الحالية ب 50 سريرا في كل مصلحة على الأقل، وإنشاء عيادات للولادة في الدوائر والبلديات على غرار مراكز الصحة الجوارية التي تم فتحها مؤخرا لاستيعاب العدد الكبير من الحوامل وتقريب مثل هذه الهياكل منهن، وتدعيمها بالأخصائيين من أجل توفير الراحة للمريضات.