لعبت البويرة التي عرفت بمملكة – هاز – قبل أن تحمل اسم مؤسسها حمزة بن الحسن العلوي منتصف القرن التاسع، أي سنة 850 م، دورا تنظيميا وتنسيقيا بارزا في مجال المقاومة ودحر العدو المستعمر، فكانت مسرحا لمقاومة الغزاة منذ عهد الرومان، ثم الوندال والبيزنطيين قبل أن تشهد فتوحات ومساعي الدولة الإسلامية للتوسع شرقا وغربا، لينتهي نضالها المسلح بمقاومة الاستعمار الفرنسي. وساهم موقعها الاستراتيجي المتوسط لولايات الوطن في جعلها منطقة ذات أهمية كبيرة عسكريا، اقتصاديا وعلميا، سعت محاولات فرنسا الفاشلة إلى اعتمادها كنقطة محورية في السياسة الرامية إلى تفجير الثورة من الداخل، غير أن الحظ لم يكن حليفها، فقد انخرطت البويرة ومنذ الساعات الأولى في المنظمات والهيئات والأحزاب، وقد كشفت وثيقة فرنسية حسب أحد المؤرخين أن البويرة كانت تضم خليتين لحزب الشعب الجزائري عام 1938، المتواجدة بسور الغزلان، تضم 180 عضوا، فيما فاق عدد منخرطي الخلية الثانية تحت رئاسة حمزاوي الطاهر المئات، مما يبرز الوعي السياسي المبكر بالمنطقة الذي رفض المحتل وأبدى مقاومة شرسة قبل ذلك بقيادة أحمد الطيب بن سالم، ثم الشريف بوبغلة وفاطمة نسومر وثورة المقراني وأخوه بومزراق ربيع 1871، التي أخرجت الرفض المستتر للاحتلال وكشفت عن هدوء مخادع قوبلت بحرق المستعمر للقرى والمداشر، وأطلقت فرنسا العنان للجنود قصد النهب والتقتيل. كما كانت البويرة جزءا من حركة الانتصار للحريات الديمقراطية منذ تأسيسها سنة 1946، خلفا لحزب الشعب، إلى مشاركتها بمؤتمر الصومام الذي رسم معالمها ضمن الولايتين الثالثة والرابعة التاريخيتين. وشهدت البويرة خلال الفاتح من نوفمبر، دورا كبيرا في التعبئة الثورية، حيث كانت مسرحا رحبا لحرب العصابات، ناهيك عن دورها الهام في ربط الاتصال بين قادة الثورة.
وضعية مأساوية بالجبل قبل 1959 واسترجاع البسالة قبل نهايتها لا يمكن حصر أو الإلمام بالقمع الوحشي الذي تعرض له سكان المنطقة، على غرار باقي مناطق الوطن، والذي يجهله الكثير، غير أن التاريخ لن ينساه، حيث فقد مليون جزائري الحياة من بين 9 ملايين جزائري من عامة الناس المجردة من السلاح خلال السنتين الأوليين من الثورة، وهو ما شهدته البويرة، ولعل بشاعة ما كانت فرنسا ترتكبه من إبادة للحياة والحضارة باسم الحضارة والتمدن، حسب مجاهدين من المنطقة، فاق كل تصور، ناهيك عن سياسة الأرض المحروقة والقذف بالقنابل الحارقة والإعدام الفردي والجماعي ومظاهر التقتيل البشع البعيد عما يوصف اليوم بخرق لحقوق الإنسان، وتجاوزات أخرى شحنت البسالة والعزم فطفت الهجومات المفاجئة لأبطال الجزائر وحدث إعادة تنظيم لجيش التحرير، وأخذت الحرب منحى حرب العصابات التكتيكية التي أسماها جيش التحرير بالأوامر العشر للجيش في 1956، كنتيجة ضغط عسكري وسياسي قابله استعمال مفرط للطائرات المروحية المقنبلة للجبال، لدعم عمليات محاصرة الساحل، والتي كانت محاولات فاشلة لشعب رفض الذل، فقد اعتمد جيش التحرير على مخاطبة العدو يوميا في أرض الميدان بنصب الكمائن والقيام بالعمليات الفدائية لا يعرف التراجع، ليأتي رد العدو بعملية حربية جديدة في مارس 1960، شملت جميع تراب الولاية الثالثة خاصة الجبلية، استعمل فيها المستعمر أعدادا كبيرة من الجنود والعتاد الحربي، بالإضافة إلى فرق القطاع العاشرة للمظليين، وهي العمليات التي جاءت كرد فعل على فشل أحبط العدو فراح يتصدى لأهم معتقل من معاقل جيش التحرير، والذي يحوز على تأييد ومساندة مطلقة لسكان الريف، حيث عززت تنظيمه وشحنت قوته، مما أغاض العدو الذي سيطر على المنطقة لمدة لا تقل عن الشهرين، استعمل خلالها تكتيك المناوبة لضمان المراقبة ليل نهار لتحركات الجيش الباسل وتعذيب المجاهدين، استعمال الألغام وما عرف آنذاك بكوموندو المتابعة لتقصي تحركات المجاهدين، ناهيك عن حرب الإبادة وقتل المدنيين، ثم تدمير القرى والمداشر والعمل على تهجير سكانها وفرض الإقامة الجبرية بالمحتشدات، ورفع الاستعمار من عدد مراكز التعذيب والاستنطاق خلال تلك الفترة، حسب مذكرات أحد مجاهدي المنطقة، إلى 416 -115 مركزا للمراقبة و174 ثكنة و21 سجنا، كما كان عدد جنود فرنسا أنذاك إلى غاية صيف 57 بمنطقة القبائل وبئر غبالو والأخضرية ما بين 160000 إلى 170500 جندي، حسب شهادة أحد نشطاء الاستخبار بالثورة التحريرية، ومع ذلك لم تكن جميع هذه المحاولات لتقضي على الجيش الجزائري، بل رفعت من معنوياته التي رسمت له طريق الاستقلال، حيث سقط أزيد من 480 جنديا بين شهيد وجريح وسجين وكانت عدد خسائر الاسلحة أقل بكثير من عدد الأرواح لعدم تكافؤ الطرفين. فأغلب المجاهدين لم تكن بحوزتهم سوى قنابل يدوية أو سلاح أبيض، غير أن هذا لم يقف حاجزا في وجه السعي لاستئصال العدو وقض مضاجعه والتصدي لمساعي الجنرال شال بعد فشل خطة ديغول، واصطدامه بالانهزامات المتتالية، هذا الأخير الذي لم يجد سبيلا أمام عضمة من اتخذ من الكهوف والمغارات سبيلا، ضمت عضماء قادوا الإنسانية إلى بر الأمان واسترجعوا حريتهم المسلوبة.
العقيد أوعمران مؤسس الروابط بين الولايتين الثالثة والرابعة قيادي وطني بارع، ساهم في تكوين المنظمة الخاصة والتحضير لاندلاع الثورة وتنظيمها، قاد إحدى نواحي المنطقة الرابعة وخلف رابح بطاط في قيادة هذه المنطقة، كما تولى مهمة التسليح وأصبح رفقة كريم بلقاسم وبوصوف وبن طوبال النواة القيادية الصلبة لجبهة التحرير الوطني إلى غاية 1960، إتخد من البويرة مركزا أساسيا لنشاطه، وسعى إلى تنسيق وربط العمل النظالي بين المنطقتين الثالثة والرابعة، خاصة وأن هذا العمل كان ضرورة حتمية فرضته البداية المسيرة للعمل الثوري في نوفمبر 1954، ومشكل عدم التكافؤ في العدة والعدد، حيث تبادل التنسيق بين الولايتين الثالثة والرابعة والثالثة والسادسة، إذ كانت الولاية الثالثة خط التماس للسادسة وارتباط تنظمي وشعبي بين الولايتين، ودليل ذلك العلاقة بين الهياكل التنظمية والعسكريية التي كان يشرف عليها العقيدان سي الحواس وعميروش.
مواقع لمعارك وبطولات تضغط على التاريخ لذكرها معركة الاوناس سنة 1957 التي دامت يومين، امتدت إلى وادي غمارة وسقط بها 23 شهيدا ينتمون لجنود المنطقتين الثالثة والرابعة. معركة حمام الكسانة في جوان من سنة 1957، هذه الأخيرة دامت لحوالي 12 ساعة، استشهد جراء قصف لمنزل أحد السكان الذي كان يضم اجتماعا للمجاهدين؛ 5 نساء وطفلة صاحبة سنتين، وانتهت المعركة إلى سقوط عدد من العسكر الفرنسي، كما شهدت هذه المنطقة بالهاشمية معركة غابة أهل الرقاب التي استشهد فيها 3 شهداء من أصل حوالي 70 جنديا شارك في هذه المعركة، حسب شهود لايزالون على قيد الحياة، وهي المعركة التي وقعت بداية 1958، إلى جانب واقعة اختطاف عائلة سيزارو في مارس 59، والتي جسدت بطولات لتنظيم محكم، معركة سوفلات ببلدية المقراني الأولى والثانية التي دحرت العدو سنة 58، ومعركة سيدي أحمد العساس في نفس السنة، هذه الأخيرة التي خاضتها كتيبة العمارية التي كانت تضم 120 مجاهدا، كان مقرها الثنية ببومرداس، ويمتد نشاطها إلى بني خلفون بالقاديرية، إضافة إلى معركة الحاكمية في مارس 1958، والتي دامت لأزيد من 8 أيام، ومعركة بردار اغرم التي استرجع الثوار بها 14 سلاحا وسقط خلالها 45 شهيدا, وكذا معركة وادي الخميس إلى وادي غمارة في السادس من سبتمبر 1957، أين استرجع عناصر جيش التحرير 34 سلاحا وشاحنتين. كما لايفوتنا التذكير بمعركة ايشومحروم بدشرة اموزدوران بالناحية الثالثة، في أعلى جبل تكجدة، والتي استمر كفاح المجاهدين بها على أضواء الطائرات ليومين كاملين في أكتوبر 59، انتهت إلى إسقاط طائرة المحتل، حسب من عايش المعركة. ومعركة جبل ديرة التي قتل بها 25 جنديا فرنسيا واستشهد بها 5 مجاهدين تحت قصف الطائرات، معركة الدشمية في منتصف أوت 59 المعمورة في سبتمبر من نفس السنة، إلى جانب معارك عديدة بالزبربر بالأخضرية، القارية، ببئر غبالو ومواقع أخرى لا تزال تحتفظ بتاريخ فدائي عريق؛ كمغارات جراح التي لاتزال تحوي رفاة 150 شهيدا قتلوا في أحد أيام صائفة سنة 57 المشؤؤمة، تقابله مخابىء ومغارات أعالي الأخضرية بالزبربر، القاعدة الخلفية لنشاط المجاهدين، مقصد راحتهم وأماكن لتلقي العلاج. وكاف لخضر منبع المؤونة لدى عرش اعلان بجنوب البويرة، ومواقع أخرى كان يأوي إليها المجاهد على طول أيام السنة طلبا للزاد أو هربا من ملاحقات المستعمر التي لا يمكن إحصاؤها، كون كل منزل جزائري كان يفتح أبوابه لاستقبال الفدائيين إلى غاية نيل الحرية وطرد العدو.
ثوار شعارهم الانتصار أو الاستشهاد المجاهد إبراهيم سلام ولد بتاريخ 26 ديسمبر 1933 بعين بسام، عمل كفلاح عند أصحاب الأراضي حتى سنة 1956، إلى أن دقت غابة اهلالة حبل حماس هذا المجاهد للالتحاق بصفوف الجهاد في ليلة مثلجة غيرت حياته، فتقلد منصب محافظ سياسي، فمنصب مسؤول مركز البريد والمواصلات، ثم مسؤول عن تمويل جيش التحرير في القسم الأول، تعرض للتعذيب بسور الغزلان وحبس تامورة بقصر البخاري إلى غاية 15 أفريل 1962، شارك في عدة معارك؛ أبرزها معركة سيدي سليمان 1958 التي سقط فيها سبع شهداء، ومعركة أهل الرقاب، وتمنى عمي إبراهيم لو عاش هذا الجيل في ذلك الوقت ليقف على إحساس المواطنة المتأصل في الإنسان، فعلى الرغم من جهل العديد لجزائرية الجزائر، كان أطفالها يحاربون لاسترجاعها متحدين محاولات الاستعمار لطمس الهوية، كما تمنى أن يكتب التاريخ من طرف أخصائيين ومؤرخين, المجاهد حمري العيد من مواليد 4 مارس 1939 بديرة، التحق بالثورة عام 57 وشارك في عدة معارك أبرزها؛ معركة ديرة في مارس 59 بديرة، والتي انتهت باستشهاد 20 شهيدا، هذا الذي اعتبر أن العمل سبيل ازدهار الأمم والشعوب، ودعا إلى ضرورة التحلي بروح الوطنية والاستدلال بنور التاريخ قصد اكتساب قوة التقدم إلى الأمام. ومجاهدون آخرون كمعيوف العزازي وبوجمعة أوموسى، من الذين دعوا إلى ضرورة محاربة تغييب هذه الفترة التاريخية للإطاحة بجميع جوانبها، قصد فهم ثمن الحرية بتاريخ حقيقي يستبعد الشوائب ويحتفظ بالحقائق في مواصلة بأداء الواجب الذي سيتنتهي حتما إلى بوابة السلام والأمان، مركزا على ضرورة المصداقية وسرد الواقع والحقيقة، مع الاعتماد على شهادات حية لمن عايش هذه الحقبة.