ينتقد متابعو الشأن الاقتصادي في الجزائر وضع القطاع الخاص، حيث لا يزال بحسبهم “مهمّشا" وغير مستغلا بالشكل المطلوب، رغم الإمكانات الهائلة للمستثمرين الخواص، التي يمكن في حال توظيفها قلب راهن البلد رأسا على عقب، وهو ما تتناوله السلام في هذا الملف. دفع التميّز الكبير للمستثمرين الخواص خلال العام الأخير والربع الأول من العام الجاري، بخبراء ومتعاملين إلى المطالبة بفتح أكبر للأبواب أمام هؤلاء، خصوصا وأنّ القطاع الخاص تمكّن من تجسيد قرابة عشرة آلاف مشروع خلال فترة وجيزة بينها 9465 مشروعا أنجزتها مؤسسات عائلية الطابع، وأخرى نسوية في قطاعات الزراعة، الصناعة التقليدية، الخدمات، البناء والإنشاءات العامة. ويكشف “عبد الكريم منصوري” المدير العام للوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار، عن اكتفاء القطاع العام ب29 مشروعا وتوفيره 3300 منصب شغل فقط، بالمقابل، نجح نظيره الخاص في تجاوز المؤسسات العمومية بفارق عريض وتقديم قيمة مضافة، مع استحداثه 82 ألف وظيفة منتجة، وسط توقعات بخلقه آلاف مناصب العمل الإضافية بنهاية العام الجاري، في دلالة على العطاء التصاعدي للناشطين الخواص التي تأتت رغم ما يعانيه هؤلاء في الميدان جرّاء شبحي البيروقراطية والجباية اللذين يثقلان كواهلهم. وتتموقع أزيد من ألف وخمسمائة مؤسسة مصغرّة ومتوسطة كقلب نابض للاستثمار الخاص، بحكم نجاحها في خلق تسعمائة ألف وظيفة خلال الأحد عشر سنة المنقضية، وإمكانية استحداثها 268 ألف منصب شغل في مُقبل السنوات القادمة. هيمنة تدفع إلى تحريك السواكن يهيمن القطاع الخاص على النسيج الاقتصادي الجزائري ب 915.316 مؤسسة أي 98 بالمائة من المجموع، فيما يتقاسم الباقي القطاع العمومي والمؤسسات المختلطة والأجنبية حسب معطيات الإحصاء الاقتصادي الذي أنجزه الديوان الوطني للإحصائيات. وأوضحت المعطيات النهائية للإحصاء الاقتصادي الذي شهدته الجزائر قبل فترة، أنّ القطاع العمومي يعد 16.718 مؤسسة أي 8ر1 بالمائة فقط فيما تعد المؤسسات المختلطة والأجنبية 2.216 مؤسسة أي 2ر0 بالمائة. تحتل التجارة المرتبة الأولى في القطاع الخاص ب 508.638 مؤسسة أي 6ر55 بالمائة في حين أن التجارة بالتجزئة تمثل 85 بالمائة من مجموع المؤسسات التي شملها الإحصاء أي 427.931 مؤسسة. وتأتي الخدمات في المرتبة الثانية ب 306.931 مؤسسة بعد نشاط الإيواء الذي يحتل الصدارة بنسبة 20 بالمائة متبوعة بالصناعات المصنعة (91.149 مؤسسة) أي 10 بالمائة من المجمع. وتهيمن على الصناعات المصنعة الصناعات الغذائية التي تعد 23.252 مؤسسة أي 5ر25 بالمائة متبوعة صناعة الملابس ب 6ر11 بالمائة. ومن جهة أخرى أظهرت نتيجة الإحصاء الاقتصادي بخصوص تطور إنشاء المؤسسات الاقتصادية حسب كل فترة ارتفاع في الوتيرة خلال سنوات ال 2000 و2011 بإنشاء 716.026 مؤسسة أي 6ر76 بالمائة من مجموع 934.250 مؤسسة تم إحصائها (معنوية-شركات-مادية). ومثلت المؤسسات التي تم إنشائها في الفترة ما بين 1990-1999 17 بالمائة مقابل 2ر4 بالمائة خلال الفترة 1980-1989 و2ر2 بالمائة فقط قبل سنة 1980. ومن أصل 716.026 مؤسسة تم إنشائها في الفترة 2000-2011 يخص أكثر من النصف منها (55 بالمائة) القطاع التجاري. تأتي الخدمات في المرتبة الثانية ب 34 بالمائة منها 89 بالمائة للقطاع الثالث (إدارة - تربية - الأسلاك المشتركة - المستشفيات...). لا تمثل الصناعة إلا 2ر10 بالمائة من المؤسسات التي تم إنشاؤها خلال العشرية الأخيرة، حسب الديوان الوطني للإحصائيات الذي أضاف أن هذا الهيكل مماثل نوعا ما لكل المراحل السابقة لسنة 2000. إمكانات هائلة غير مُستغلة عرفت العشرية الأخيرة دخول عدد هام مرحلة النشاط مقارنة بالفترات السابقة حيث كانت 731912 مؤسسة معنية أي بنسبة 3ر78 بالمائة. وتشير معطيات الاحصاء الاقتصادي حول التشغيل أن عددا هاما من المؤسسات يشغل أقل من 9 أشخاص بنسبة 8ر97 بالمائة (914106 مؤسسة من بين 934250) و932 مؤسسة اقتصادية تشغل 250 عاملا وأكثر. وحسب التوزيع الجغرافي حوالي 84 بالمائة من المؤسسات الاقتصادية تشغل أقل من 10 أجراء في القطاع الحضري. كما تشير الاحصائيات بخصوص توزيع المؤسسات الاقتصادية، حسب رقم الأعمال إلى أن حوالي 94 بالمائة (874403 مؤسسة) لها رقم اعمال سنوي أقل من 20 مليون دينار. أما المؤسسات التي يتراوح رقم أعمالها ما بين 20 و200 مليون دينار فتمثل 7ر5 بالمائة (53153) من العدد الإجمالي للمؤسسات التي أجري عليها الإحصاء. وبالتالي فإن 1 بالمائة من المؤسسات التي أجري عليها الاحصاء حققت رقم اعمال سنوي أعلى أو يساوي 200 مليون دينار. ومن حيث القطاع القانوني أوضحت إحصائيات الديوان جليا أن المؤسسات العمومية هي الأحسن تموقعا من حيث رقم الأعمال. من جهة أخرى حققت 6ر94 بالمائة من المؤسسات الخاصة رقم اعمال أقل أو يساوي 20 مليون دينار. وقدر عدد المؤسسات التي أجري عليها الإحصاء ب 990496 مؤسسة أكثر من 934250 منها اقتصادية، حسب نتائج الاحصاء الاقتصادي التي أشارت إلى “هيمنة” القطاع التجاري وطابع “المرتبة الثالثة للاقتصاد الوطني”. ومن بين هذه المؤسسات تم إحصاء 934250 مؤسسة اقتصادية تمثل أكثر من 94 بالمائة من العدد الإجمالي والباقي (56246) أي 6 بالمائة من المؤسسات الإدارية. وكشفت هذه العملية الهامة التي تعد الاولى من نوعها في الجزائر أن النسيج الاقتصادي الوطني يغلب عليه الأشخاص الماديون بنسبة 95 بالمائة (888794) أما الأشخاص المعنويون (المؤسسات) فتمثل أقل من 5 بالمائة اي 45456 مؤسسة حسب الديوان الذي يرى أن هذه النتائج “تشير إلى أن الاقتصاد قائم أساسا على المؤسسات المصغرة”. تأخرات الاستثمار راجعة لعدم استغلال إمكانات الخواص يعزو محللون تأخرات الاستثمار العمومي خلال العشريتين المنقضيتين، إلى عدم استغلال إمكانات القطاع الخاص بالشكل الكافي في الجزائر، ويربط مسؤولون وخبراء تدارك هذه التأخرات، بتفعيل أكبر للمستثمرين الخواص وإشراكهم في صلب العملية التنموية لتطوير خطط الاقتصاد الجزائري الذي لا يزال مراوحا لمكانه. إخراج الصناعة من القوقعة يمرّ من حتى تخرج الصناعة الوطنية من قوقعتها، يقترح “رشيد موساوي” اعتماد معايير صارمة يتم فيها إعطاء الأولوية للمؤسسات التي تنجز مشروعات استثمارية نوعية وواعدة اقتصاديا واجتماعيا، ويشير موساوي إلى أنّ العبرة بنجاعة المشاريع ونوعية خطط الأعمال والكفاءات التقنية والتسييرية للمقاولين الشباب. وللحفاظ على ديناميكية القطاع الخاص ودفعه للمزيد، ينادي “فاروق شيعلي” وهو مسؤول الصندوق الوطني للتجهيز، بتوخي رؤية واضحة وعلى المدى الطويل تكفل تنمية القطاع الخاص المولّد الوحيد للثروة بمنظوره. ويتفق شيعلي مع الخبير الاقتصادي “الطيب حفصي” في كون الجزائر مهيّأة لتحقيق نقلة اقتصادية هامة، إذا ما جرى فسح مجال أكبر لفاعلي المجموعات الاستثمارية الخاصة لا سيما في قطاعات حيوية كالزراعة والصناعة وكذا الانشاءات العامة والطاقات المتجددة. بهذا الشأن، يرى “معيوف بلهامل” الخبير في الطاقات الايجابية، أنّ هذه الأخيرة مؤهلة لوحدها لتفجير طفرة اقتصادية تبعا لامتلاك الجزائر عناصر طبيعية هائلة من شمس ومياه ورياح وكتل حيوية، إضافة إلى الأمواج والحرارة الجوفية، وتوافرها على أكبر نسبة تشميس سنوية في العالم، واستثمار المجموعات الخاصة فيها سيدر على الجزائر مكسبا مزدوجا على صعيدي تنمية الاقتصاد ورفع معدلات التوظيف. وحتى يتم مضاعفة أداء الآلة المنتجة الوطنية ودفع قاطرة التنمية، يركّز حفصي الأستاذ بجامعة مونريال الكندية للدراسات التجارية العليا، على حساسية تغليب حرية المبادرة بالنسبة للخواص، وإذكاء ثقافة التنافسية في السوق. إلى ذلك، يقرّ “محمد بن مرادي” وزير الصناعة وترقية الاستثمار، بكون محدودية إسهام القطاع الصناعي في النمو الاقتصادي للبلاد، وهامشيته (5 % من الناتج الداخلي الخام)، يدفع إلى حفز القطاع الخاص على مشاركة أكبر في مسعى تعزيز الشبكة المحلية للمناولة حتى تحل تدريجيا محل استيراد التجهيزات وقطع الغيار الصناعية وتحسين الاندماج، ورفع نسبة النمو السنوية إلى حدود 18% في آفاق 2016. وبجانب اعتراف الوزير الأول “أحمد أويحيى”، أنّ الاستثمار المنتج في بلاده لا يزال ضعيفا، تشير معطيات حديثة إلى إقدام كبريات شركات البلاد على الاستيراد لسد حاجياتها من التجهيزات الصناعية، ويتم سنويا إنفاق ما لا يقل عن 3.5 مليارات دولار، وهو رقم ضخم يستنزف الخزينة العمومية، رغم إمكانية استغلاله في توليد آلة إنتاجية محلية قوية. ضرورة قيام شراكات ترتفع أصوات خبراء ورؤساء مؤسسات في الجزائر داعية إلى قيام شراكات بين القطاعين العام والخاص، معتبرين أنّ تنسيقا ثنائيا سينعش القطاع الصناعي المحلي بعيدا عن مخططات إعادة الهكيلة والتأهيل التي ابتلعت المليارات دونما جدوى، علما أنّ مجلس مساهمات الدولة (هيئة حكومية) وافق مؤخرا على منح مخصصات تفوق 1100 مليار دينار لبعث الروح في النسيج الصناعي المملوك للحكومة. ويرى “فاروق شيعلي” أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص ستخفف الأعباء عن الدولة، وتسمح برفع مستوى الانتاجية والفعالية، فضلا عما تتيحه من فرص تعجيل تنفيذ المشروعات وترشيد الإنفاق، بجانب حث متعاملي القطاعين على تسيير أفضل لأنشطتهم وتحمّل تبعات أي مخاطر متوقعة، وذاك مرهون بتشريعات تحدد بدقة طرائق تنفيذ هذه الشراكة. ويتصور “فريد يعلاوي” الخبير المالي بأنّ نجاح مشروعات نفذتها مجموعات جزائرية خاصة مع أخرى فرنسية على سبيل المثال لا الحصر، يقود إلى ترسيخ هذه الروح التشاركية داخليا. في حين، يرافع “مصطفى زيكارة” المسؤول المركزي على مستوى المديرية العامة للضرائب، لصالح شراكة القطاعين الخاص والعام من زاوية قطع الطريق على ممارسات غير مشروعة، كتضخيم الفواتير والتلاعب بالمال العام، وما يتصل بهما من تهرب جبائي.