بقلم: عبد القادر حمداوي / عقد العزم على مواصلة نضاله، ساهم في تكوين خلايا جبهة التحرير الوطني ولجان الخماسية التي انطبقت في بداية الثورة مع مسؤولي الجبهة، منهم سي العربي وجمعي، وبلحسن الذين كانوا يجتمعون في مقهى بسميان. انخرط في حزب الشعب وقام بتنظيم الهياكل والتدريب والتموين وما يحتاجونه للتحضير لثورة ، كان من منتقدي النظام الاستعماري بهذه القرية الهادئة التي ولد فيها عام 17/07/1924 ببلدية مناصر. الشهيد محمد بقديش شرع في تجنيد الشباب الذين كانوا يتوافدون معه بالكتاتيب عند الشيخ بوحدة استعدادا لاندلاع الثورة، حيث مكث في جبل بوحرب إلى جانب عدد من المواطنين المجاهدين للتكوين نواة جيش التحرير الوطني بالجهة اعتمادا على أبنائها. تم جمع الأسلحة من المواطنين، التحق بصفوف جيش التحرير سنة 1956 م سافر إلى الجبل لينطلق إلى ساحة الشرف والفداء، يقاتل ويثور مع إخوانه كأنهم البراكين يزلزلون الأرض تحت أقدام العدو الفرنسي. نذروا أنفسهم من أجل أن يحيا الوطن، يصارعون الأعداء، يحطمون آلياته ويدمرونها. كان سي محمد بقديش يمتاز بأخلاق الانقياد الصادقين، ويحترمه المجاهدون، شهد له الجميع من إشارات مسؤوليته في التزكية من مجاهد إلى مسؤول نصف قسم سنة 1958 م ثم إلى رئيس القسم الثاني بالناحية الثالثة التي يتراوح عدد المقاتلين داخل الكتيبة الواحدة ما بين 125 إلى 140 مقاتل. يتجندون باستمرار وفي فترة قصيرة لقد حافظ الشهيد على خطته المتمثلة في خوض حرب معتمدة على توجيه ضربات مفاجئة وموجعة للعدو، والإفلات من عمليات البحث والتمشيط وإفشال المناورات السياسية، والمناوشات الحادة مع لابلويت والتي استهدفت المنطقة، الأمر الذي جعله يقرر الانسحاب إلى الناحية الثالثة يقطع الوادي في مطلع الفجر وفي تلك الغابة الكثيفة الشاسعة حيث اتجه إلى جبل بلعزم والذي كان يقصده جنود ومسؤولي المنطقة للدراسة الأوضاع. كانت تلك السنوات الأخيرة من الحصار الشديد، تعرض المجاهدون إلى الاشتباكات المتواصلة مع قوات العدو التي صارت تمكث في المكان لعدة أيام للتمويه حسب خطة شال الجهنمية. لهذا اهتدى سي محمد مع رفاقه إلى المحافظة على التموين لأن المجاهدين يبقون لأسابيع متتالية تحت الحصار. أكل المجاهدون الحشيش وقطع صغيرة من الكسرة ومعها نصيب من الحليب، يراقب العدو باستمرار كل حركة إذا شاهد الدخان متصاعدا في مكان وجود المجاهدين لم يمهلهم حتى إتمام تحضير القهوة. يبدأ بقصف المكان بالطائرات والمدافع، سي محمد من المكافحين الأبطال، شهد المعارك والطائرات وهي تقصف مواقع المجاهدين، ما أعظم وما أشرف أن يموت المرء في سبيل الوطن مدافعا عن كرامته. حيث اتبع الشهيد الطريق الوحيد الذي يفهمه العدو ويخشاه إلا وهو الكفاح المسلح وهكذا كان الشهيد من أوائل أعضاء اللجان الخماسية في الجهة، استمر عمله في النشاط السري، ينظم أفواج المناضلين مع إخوانه من مليانة والقرى المجاورة وقد قاد عدة عمليات عسكرية استهدفت عدة منشآت قرب المدن وتخريب مزارع المعمرين وعندها كثف العدو قواته وطبق توسيع الحصار على المنطقة الرابعة وسكانها وتسبب في ذلك في استشهاد عدد كبير من إطارات المنطقة. ردود قوية رد المجاهدون على العدو، يشنون الغارات والهجمات على جيش الاحتلال وأعوانه بشكل منظم ومكثف، فاجأ الشهيد القوات الاستعمارية وخاض هو ورفاقه عددا من المعارك في جبال بلعزم وجبال سميان وبومعد وزكار وبوسمام. وبفضل عمله ونجاحه رقي إلى رئيس قسم بالناجية الثالثة في عام 1958 م التي تشمل على القرى والمدن وتضم مركز القيادة للمنطقة الرابعة وثلاثة أقسام. شرع الشهيد مع رفاقه في التعبئة العامة للشعب لصالح الثورة وتدمير الهياكل الاستعمارية، فالشهيد يمثل سجلا حافلا لأعماله البطولية ولإخلاصه لوطنه وأمته وتصميمه على الوقوف إلى جانب قضية وطنه وهو المؤمن والمجاهد والمكافح فكان نموذجا لرفاقه. وبعد هجوم كاسح من طرف العدو على جبل بلعزم وبعد جهاد متواصل خمس سنوات ضد جيش الاحتلال وأعوانه وأذنابه، نال سي محمد بقديش شرف الاستشهاد في معركة جبل بلعزم عام 1960 م التي لم تكن متكافئة واستشهد معه رفاقه في سبيل الله والوطن لأنهم كانوا على وعي وعلم بما سيحدث بعد الاستقلال. كان هؤلاء الرجال الأبطال واعين كل الوعي بما سيحدث وكأنه كان مسطورا في كتاب قرؤوا صفحاته، كانوا يطلبون الشهادة، وهكذا قبل الله دعوتهم وختم مصيرهم بالفوز بالشهادة في ميدان الشرف بكل ثبات وبسالة حتى آخر قطرة من الدم في عروقهم، منهم سي محمد وسي العربي وسي جلول بالميلود، فاندهش بشجاعتهم وصبرهم وإقدامهم على الموت، لقد حرم هذا الشعب من نور العلم والمعرفة وفرض عليه الجهل والتخلف والفقر والمدقع. وقتل منه الملايين خلال حرب المقاومة الطويلة وشرد زعمائه وأبطاله وعلماؤه وطعن العدو في مقدساتنا. وقد شرع الشعب في الوجل طويلا وتجرع مرارة الحكم الأجنبي الطاغي والعنصري الصليبي. لكنه لم يستسلم ولم يستكن ولم يرض بالأمر الواقع خاض ثورات عديدة وآلاف المعارك وقدم ملايين الشهداء والمعطوبين والمفقودين والمهجرين والمنفيين. رغم كل هذا أثبت جيش التحرير الوطني تواجده في الميدان يبادر بالهجوم في كل مكان وفي أي وقت يشاء. كان المجاهدون يهاجون المراكز العدو وقافلات عسكرية للقضاء عليها ويغنمون أسلحتهم. لقد أصبح جيش التحرير الوطني يحكم سيطرته على المنطقة وهو ما يتيح للكتيبة الحمدانية الوصول إلى جبال المدية وبإطلاق النار بكثافة على العدو المتواجد فوق التلال كما قامت معارك ضارية بجبال بلعوم وحيونة وبومعد وزكار وتيطويلت في المنطقة الرابعة. كانت مهمة سي جلول بلميلود تكمن في مواجهة لابلويت والفارين على إثر التحقيق. كان المجاهدون يواجهون عدوا مجهزا ومسلحا بأحدث الأسلحة ومدعم بالحلف الأطلسي، لم يكن للمجاهدين يبحثون عن المعارك كانت تفرض عليهم أحيانا. كانوا يواجهونها بالأساليب الأكثر حلما وبالهجوم الخاطف استشهد الشهيد محمد بقديش في هذه المعركة غير المتكافئة. أليس هم من قال فيهم الله عز وجل (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم ينتظرون، وما بدلوا تبديلا). هؤلاء استشهدوا في معارك طاحنة مع قوات العدو قبلوا الفوز بالشهادة. رحمهم الله شهداءنا الأبرار