تفشي البطالة التي قفزت حتى إلى فئة الحاصلين على شهادات جامعية أدت إلى امتهان أغلب المهن التي لا تتلاءم مع بعض المستويات العلمية بالنسبة للجنسين معا، ومرد ذلك للأوضاع المزرية وحاجة الكل إلى مدخول يحفظون به كرامتهم وماء وجههم، بحيث صرنا نرى جامعيات حاصلات على شهادات عليا يمتهن مهنا تتوافق أكثر مع منعدمي المستوى على غرار التنظيف بالمحلات والمطاعم والمؤسسات الخاصة دون أن ننسى ميدان الإطعام الذي طغت عليه الفئة المثقفة، مما يؤكد أن بعض الجامعيين والجامعيات صار همهم الحصول على مصدر قوت بسبب تضاءل وقلة فرص العمل وطغيان الوساطات و(المعريفة) في أي مجال، ناهيك عن المسابقات التي لم يعد الكل يثق فيها. نسيمة خباجة فمهنة المنظفة كانت وإلى وقت بعيد حرفة مهينة شئنا أم أبينا وينظر إلى ممتهنيها بنظرة شفقة، ولم تكن تمتهنها إلا المطلقات والأرامل في مجتمعنا إلا أنه اليوم انقلبت الموازين وصارت تحترفها حتى الجامعيات اللواتي وصلن إلى مراتب عليا من العلم، على مستوى المؤسسات والمحلات وحتى بالمطاعم دون أن ننسى مهنة النادلة التي احترفتها الكثيرات بمحلات الفاست فود ورأين أن امتهان تلك الحرفة أفضل من عيش سلبيات البطالة الخانقة أو مد اليد مادام أن تلك المهن تبقى مهنا شريفة تذر حلالا على ممتهنيها. قابلنا منظر إحداهن وهي تمسح زجاج محل لبيع الملابس بساحة أودان فاقتربنا منها خاصة وأنها شابة جميلة في مقتبل العمر وسألناها عن دوافع إقبالها على تلك المهنة ومجابهة نظرات الكل وهم يعبرون بمحاذاة المحل، فكشفت أنها جامعية حائزة على شهادة في العلوم التجارية إلا أن قلة الفرص وحظها التعيس دفعا بها إلى تلك الحرفة المهينة التي لا تساوي أبدا سنوات دراستها وكدها وجدها، لكن ما بيدها حيلة على حد قولها فحتى مسابقات التوظيف التي ملت من المشاركة فيها في كل مرة لم تأتيها بنتيجة. غير بعيد عن المحل التقينا بصونيا شابة في الثلاثينيات حائزة هي الأخرى على شهادة عليا لم تشفع لها في الحصول على منصب إداري لائق فراحت تعمل كنادلة بأحد المطاعم بميسوني ورأت أن ذلك أحسن من البطالة والفراغ القاتل، ولم تنف نظرات الازدراء والتعالي وأحيانا الشفقة التي تلحقها من هنا وهناك إلا أنها قاومتها لتعيش وتضمن مدخول يومها، وقالت إن الشغل وجب عدم التعالي عليه في الوقت الحالي كونه صار عملة نادرة وماذا بقي بعد أن صارت الوظائف تورث في أغلب القطاعات، ونرى نفس العرق بأغلب الوظائف وعادة ما يشمل السلم الوظيفي ابن العم وابن الخال وابنة العمة و... ولم يعد للغريب أو كما قالت (للبراني) نصيب في تلك الوظائف التي باتت حكرا عليهم. أما مروة التي لم تكمل سنوات جامعتها لظروف قاسية بسبب مرض أبيها، فهي حاصلة على شهادة البكالوريا ودرست سنتين بالجامعة ولم يسعفها الحظ لاستكمال دراستها فاختارت العمل بالبيوت كحاضنة ومنظفة في نفس الوقت، وحازت على ذلك المنصب ببيت عائلة غنية بنواحي حيدرة بالعاصمة، وكانت تعمل لثماني ساعات في اليوم فهي تكنس وتمسح البلاط وتطبخ وتربي أبناء سيدة البيت، وعلى الرغم من حسرتها وتأسفها على وضعها إلا أن مدخول تلك الحرفة تساعد به أهلها و تقتني منه الدواء لأبيها المريض خاصة مع انسداد كل الأبواب في وجهها، ولم تتح لها إلا تلك الحرفة التي تسترزق منها وتضمن منها مدخولا شهريا على الرغم من بساطته فهم يفك كربة من كرب عائلتها المعوزة. وعلى الرغم من وجود فئات امتهنت تلك الحرف وراهنت بمستواها العلمي إلا أن هناك فئات أخرى ترفض ذلك وإن كلفها الأمر الموت جوعا حسب آراء بعضهن، وفضلن المكوث بالمنزل والعمل بها لحفظ كبريائهن بدل ممارسة تلك المهن التي لا تتوافق مع مستوياتهن، ومن شأن امتهانها أن يقلل من شأنهن وقيمتهن، بحيث فضلن هم وغم البطالة على نظرات الازدراء التي تلحقهن من هنا وهناك في حال ممارسة تلك المهن التي تخص فئات معينة وتبعد عن فئة المتعلمين.