خلافا لما يحصل ربما في أغلب دول العالم الإسلامي وحتى غير الإسلامي أيضا، فإن الرحمة تصنع لنفسها أجنحة وتطير عاليا تاركة الجزائريين يصارعون ثالوثا لا قبل لهم به، أسعار ملتهبة تنهش جيوبهم مثل الوحش الكاسر، وبقايا إرهاب أعمى هنا وهناك لا يتوانى عن استهداف الجميع دون تمييز، محاولا تسويق صورة خاطئة عن الوضع الأمني وتوجيه رسائل للخارج بأن الجزائر لا تزال تصارع الموت وحالها لم يتغير عما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي، وكل ذلك يحصل في ظل غيبا شبه كلي لمسؤولين يعطلون مصالح المواطنين باسم الصوم ويؤجلون كل الأعمال لما بعد الشهر الكريم . التجار في الغرب غير المسلم يلجؤون في المناسبات إلى خفض الأسعار، ويستغلون الفرص لعرض سلعهم بأسعار تنافسية ورخيصة على اكبر عدد ممكن من الزبائن، وحتى في بعض الدول العربية والإسلامية هناك الكثير من هذه القيم التي نجد أصلها ومصدرها في ديننا الحنيف حيث تتراجع الأسعار في المناسبات الدينية على وجه الخصوص لتشيع قيم الرحمة والتكافل، وكثيرا ما يؤجل الربح إلى باقي أشهر السنة، وأما عندنا فإن العكس هو الذي يحدث في كل مرة، فشهر رمضان الذي يفترض انه شهر رحمة وبركة تحول إلى شهر للجشع وإلهاب السعار، شهر لرفع السعر لتبلغ عنان السماء، والترويج للسلع الفاسدة بأسعار خيالية، شهر يستغل من قبل الكثير من التجار لربح ما يغنيهم ربما عن التجارة في باقي أشهر السنة . في هذا الشهر يتحالف التجار مع لصوص وقطاع الطرق، وموازاة مع التهاب السعار ينتشر النشالون في الأسواق والطرقات لسرقة ما تبقى من دنانير في جيوب المواطنين، وتتحول أسواقنا وشوارعنا إلى مسارح لاعتداءات التي تعجز عن صدها قوات الأمن التي تجد نفسها في كل مرة في مواجهة حشود من المجرمين أخلي سبيلهم وأطلق سراحهم باسم هذه المتناسبة أو تلك . وككل مرة تجد بقايا الإرهاب أيضا الفرصة لتتكالب على الجزائريين، وهذا التكالب يتحول عند ممارسي الإرهاب إلى »جهاد وطلب الأجر«، حتى وإن تراجعت الاعتداءات الإرهابية مقارنة بما كان عليه الحال في هذا الشهر الكريم في الماضي خصوصا في سنوات التسعينيات، لا يزال العنف الإرهابي يحصد من حين لأخر ضحايا جدد من المواطنين ومن قوات الأمن . تبدو الصورة قاتمة في شهر رمضان، رغم أجواء العبادة التي تطغى على هذا الشهر، فضلا عن الأجواء الخاصة التي تسيطر على السواق والأحياء، فلا أحد يدافع عن المواطنين أمام تكالب كل المصائب عليه في شهر رمضان، فالتجار يجدون أنفسهم في فسحة من أمرهم يفعلون ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب، وكل الإجراءات الردعية التي تتحدث عنها مصالح المنافسة والأسعار لا أثر لها في الواقع، وأما توفير شروط الأخرى للدفاع عن المستهلك فحدث ولا حرج، غياب النظافة ورقابة النوعية، تجارة فوضوية تعرض سلع سريعة التلف على الأرصفة وتحت جحيم حرارة تتجاوز الأربعين أحيانا، ووسط أتربة وأوساخ والدخان المنبعث من السيارات...الخ، مما يهدد صحة المواطنين بشكل يومي وخطير. الدولة تبدو عاجزة أمام صور مقرفة لظلم يمارسه بعض المواطنين على البعض الأخر، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، فشهر رمضان الذي يفترض أنه شهر الجد والعمل، تحول إلى شهر للسبات، وأضحى مبررا لممارسات غريبة لا نجدها إلا في الجزائر، فاغلب الموظفين وجل المسؤولين الذين لا يعملون في باقي أشهر السنة إلا قليلا ويقضي الكثير منهم ساعات العمل في خدمة مصالحه، يجد في الصوم مبررا للنفور من المواطنين وتأجيل خدمتهم إلى ما بعد رمضان. لا أحد يدافع عن المواطنين، لا المسؤولين المتحججين الصوم، ولا حتى الطبقة السياسية التي أنهكتها الصراعات الداخلية، وحطمتها الخلافات المستعرة حول القيادة، فهذا حزب جبهة القوى الاشتراكية يشتعل من الداخل ليفقد العشرات من خيرة مناضليه وقياداته، وهذه حركة مجتمع السلم قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من النهاية بسبب مشروع القيادي ووزير الأشغال العمومية السابق والنائب الحالي لتأسيس حزب جديد قد يدفن ما تبقى من حركة الراحل نحناح إلى الأبد.