كشفت وفاة العلامة عبد الرحمان شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وشيخ الوسطية والاعتدال ورجل القيم والفضل والنبالة ابن الشرفة في منطقة القبائل العميقة مدى التباين في القيم في الصحافة الجزائرية، حيث في الوقت الذي احتلت وفاته صدر الصفحات الأولى في الصحف المعربة، وحيزا معتبرا في الصفحات الداخلية، وأفردت مجالا واسعا للحديث عن شخصيته ومآثره ومواقفه وخصاله وسيرته الذاتية، فإن كثيرا من أهم الصحف الناطقة بالفرنسية في بلادنا تعاملت مع الوفاة بحيادية كبيرة، بل وبسلبية متميزة، وكأن الرجل الراحل كان مجرد شخص عادي في المجتمع. نفس الصحف الناطقة بالفرنسية تعاملت بذات الحيادية والسلبية عندما توفي كبير الروائيين الجزائريين المرحوم الطاهر وطار، الذي يكتب بالعربية، حيث اعتبرت رحيله مجرد خبر نشر في حيز صغير في الصفحات الداخلية. نفس الصحف الناطقة بالفرنسية أفردت صدر صفحاتها الأولى وحيزا من الصفحات الداخلية لوفاة المغني الأمريكي الشهير مايكال جاكسون، وهو ما يعكس تباينا ثقافيا كبيرا في الصحافة الجزائرية، ولعبت اللغة دورا رئيسا في هذا التباين، وهي ما تفتأ تغذيه بما يترك تأثيرات سلبية سياسيا وثقافيا. إن أمثال عبد الرحمان شيبان والطاهر وطار، يجب أن يشكلوا نفس القيمة الخبرية في كل الصحف الجزائرية، بل وفي كل الصحف العربية، لأن قيمة الشخص ومكانته العلمية والمعرفية والقيادية والاجتماعية وسمعته الثقافية تعدت الحدود الوطنية ، ما يجعل من وفاته حدثا مدويا وخبرا حقيقيا . إن الاختلاف السياسي والفكري والإيديولوجي وحتى الديني في الدنيا يعتبر »جزءا من الحياة« لأنه سنة الله في الخلق والأرض، لكن الوفاة يجب أن تجعل ما فات مات، فالموت هي هازمة اللذات فكيف لا تهزم الخلافات والصراعات ؟ إن كثيرا من الصحف الناطقة بالفرنسية، تطرفت في فهمها للقيم الخبرية فهي لا تنشر لا في الحياة ولا في الممات إلا لمن يقاسمها نفس القيم، حتى لو كان أعجميا مثل مايكل جاكسون. وحتى نفهم بشكل جيد المعنى الدلالي للقيم الخبرية، أستذكر هنا حادثة وفاة الأميرة ديانا عام 1997 ، حيث ركزت عليها كل الصحف البريطانية والأوروبية وحتى العربية، بل إن الصحف البريطانية اعتبرتها أهم قصة جريمة في التاريخ، لكن الصحافة الفيتنامية لم تنشر خبر وفاة الأميرة ديانا إلا بعد مرور عشر أيام كاملة تحت عنوان »امرأة جميلة تموت«، بدون تأثر بدون حزن وبدون أسى، مثلما نشرت الصحف المفرنسة عندنا خبر وفاة العلامة المرحوم عبد الرحمان شيبان، الفرق بين صحافة الفيتنام وهذه الصحافة أن الخبر نشر قبل عشرة أيام فقط. رحم الله شيبان رجل المواقف والثوابت .. في عام 2008 عندما نظمت المكتبة الوطنية في الحامة مناظرة بيني وبين السفير الأمريكي السابق روبرت فورد بعد صدور كتابي »الصليبية الأمريكية وعهد حرب الحضارات« عام 2007 عن دار هومة للنشر، أمر شيبان رحمه الله كل الأعضاء الفاعلين في جمعية العلماء بالحضور بقوة وكثافة للمناظرة لتقيدم الدعم المعنوي لي والتدخل فكريا إذا لزم الأمر، لأن المناظرة هامة وكان يتعن علينا أن نحقق فيها أهدافا نبيلة. وقد أخبرني الدكتور عمار طالبي الذي كان أحد الحضور البارزين رفقة الشيخ شيبان رحمه الله، إن الشيخ اتصل به شخصيا وطلب منه الحضور للمناظرة، فرد عليه طالبي أن لديه محاضرة يلقيها للطلبة في الجامعة، وبالتالي يستحيل عليه الحضور، فقال له شيبان »ألغ المحاضرة وتعالى للمناظرة «. وبعد النجاح الكبير الذي تحقق في تلك المناظرة، أفردت جريدة »العصر« الناطقة بلسان جمعية العلماء ملفا لها، وقد كتب شيخنا رحمة الله عليه مقالا رائعا بعنوان »وهل يزكي الذبيح إلا الذبيح«. أنا متأكد مئة بالمئة أن شيبان كان يعرف قبل وفاته ، نصيبه وحظه في الصحافة الجزائرية بعد موته، فالثقافة ليست لعبة ، إنها حدود.