انطلقت الساحة السياسية بداية هذا الأسبوع في عملية تسخين للعضلات واستعراض صريح استعدادا لحرب -تبدو مبكرة- لرسم معالم خريطة المرحلة المقبلة، وكما جرت العادة، في الفترة الأخيرة، تكون بداية النقاش من قبل الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عمار سعيداني، الذي تحدث في ندوة صحفية، عشية الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية عن تشكيلة الحكومة المقبلة، مشيرا إلى أنه "في كل بلدان العالم الحزب المنتصر يشكل حكومته إلا في بلادنا"، وذلك في إشارة واضحة لموقع الحزب العتيد، وبالتالي موقعه، مستقبلا. أنهت الطبقة السياسية حديثها العاصف حول الرئاسيات "بسرعة البرق" منتقلة إلى الحديث عن مرحلة جديدة، وربما كانت البداية مع المرشح الحر علي بن فليس الذي تحولت حربه التي شنها على مدار الحملة الانتخابية وقبلها ضد "التزوير" والعملية الانتخابية المغلقة، كما كان يقول، ليعلن بعد لحظات من صدور النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية على لسان وزير الدولة وزير الداخلية والجماعات المحلية، الطيب بلعيز، الجمعة الماضي، عن اتجاهه نحو "تشكيل غطاء سياسي"، وبذلك لم يعد هناك من أثار "لحربه" المزعومة، لأن توجهه نحو تأسيس حزب لا يمكن تفسيره خارج البحث عن موقع ما في الخارطة السياسية لما بعد 17 أفريل، وأكدت مصادر عليمة، أن علي بن فليس، اجتمع أمس، بالأحزاب السياسية التي ساندته في حملته الانتخابية للتشاور والنقاش، وأنه يُنتظر أن يعلن عن تفاصيل حول حزبه في غضون شهر، ليتمكن بذلك من الذهاب نحو "تشكيل قطب سياسي" ليكثف العمل -حسب مصدرنا- للتقرب من أصحاب خيار المقاطعة وكذا أحد أهم أحزاب المعارضة التقليدية في الجزائر، فيما لم يبد هذا الأخير تجاوبا مع محاولات كثيرة للتقارب من قبل. ليس وحده بن فليس الذي تحرك بشكل مبكر، فتصريحات الأمين العام للأفلان، عمار سعيداني، في ندوة صحفية، بعد يومين من إعلان النتائج، كانت صريحة حول المكانة التي يحلم بها هو وحزبه الذي ساند الرئيس بقوة في حملته الانتخابية في التشكيلة المستقبلية للحكومة والمشهد السياسي. وكان سعيداني صريحا بخصوص ذلك "في كل بلدان العالم الحزب المنتصر يشكل حكومته إلا في بلادنا"، بل ذهب إلى درجة الحديث عن ضرورة دسترة هذا الأمر مستقبلا، كما تحدث عن ضرورة ابتعاد بن فليس عن الوجوه الأفلانية على كل المستويات في مشروعه السياسي. في اليوم نفسه من تصريحات سعيداني، بدت زعيمة حزب العمال، لويزة حنون، جاهزة للرد على تلك "الأحلام"، حيث دعت إلى ضرورة التوجه نحو انتخابات تشريعية مسبقة، ويبدو أن لويزة هي الأخرى ترغب في الدخول المبكر في لعبة التموقع، خصوصا وأن خطابها في الحملة الانتخابية لم يكن واضحا حينا وصادما أحيانا بالنسبة للكثير من المحللين الذين رأوا فيه جنوح كبير عن الطرح المعارض، وربما تكون حنون فهمت الكثير مما أبطنته نتائج الرئاسيات التي صنفتها في المرتبة الرابعة رغم خوضها للتجربة للمرة الثالثة وبكل ثقلها، لكن مع ذلك سبقها في الترتيب رئيس جبهة المستقبل، عبد العزيز بلعيد، الذي يخوض غمار الرئاسيات لأول مرة، فيما تحدث الملاحظون في اليومين الماضيين عن إمكانية أن يكون بلعيد ورقة مهمة في الحكومة المقبلة لتنفيذ وعود "خطاب التشبيب"، فيما أبدى هو استعدادا واضحا لإمكانية لعبه لدور في التشكيلة المقبلة، وهذا كان واضحا حتى في خطاب حملته الانتخابية، وأكثر من ذلك بدأت بعض الوجوه التي برزت إلى جانبه في الحملة الانتخابية تتحدث في الصالونات عن إمكانية تقلدها قريبا لمناصب مهمة. خلافا لما يسوق له هذه الأيام رئيس حزب تجمع أمل الجزائر، عمار غول، الذي كان هو الآخر أحد أهم الوجوه التي خاضت الحملة الانتخابية لصالح الرئيس ولم تحقق النتائج المرجوة، حول نظرته وتوجهه نحو خيارات عقلانية بغض النظر عن التوجه السياسي "نهيئ لتسليم المشعل للكفاءات الشابة"، تمسك أعضاء من حزبه بخطاب صريح حول رفض هذا المنطق، مؤكدين على أن "رؤيتنا واضحة وتتمثل في الدعوة إلى حكومة سياسية من أجل مواصلة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وتكون هذه الحكومة متكونة من الأحزاب السياسية التي ساندته طوال الحملة الانتخابية الماضية". فيما يبقى، عمارة بن يونس، رئيس الحركة الشعبية الجزائرية، الذي ظهر اليد في اليد مع غول طوال الحملة الانتخابية، ملتزما الصمت -خصوصا على المستوى الإعلامي- منذ نهاية الحملة الانتخابية، فيما تؤكد مصادر تكليفه بمهمة ستجعل منه رقما حيويا في الخارطة السياسية المقبلة إذا ما نجح هذه المرة. ليس وجوه الحملة الانتخابية من مساندين وممثلين ومترشحين، وحدهم الذين يسخنون عضلاتهم ويجهزون أنفسهم لمواقع المشهد السياسي الجديد، فالجميع يتهيأ للأيام المقبلة، حيث التقى منسق حركة التقويم والتأصيل لجبهة التحرير الوطني، عبد الكريم عبادة، أمس، -حسب مصدر عليم- بأكثر من 15 وجها أفلانيا لتدارس الوضع، وهو ما أكده عبادة في اتصال هاتفي بالجزائر نيوز، مضيفا "لدينا تصورنا وأرضيتنا التي نناضل من أجلها منذ 2010 ونحن بصدد القيام باتصالات واسعة حول ما سنتخذه من مواقف وخطوات في إطار إصلاح حزبنا في الأيام المقبلة"، كما رفض عبادة التعليق على تصريحات سعيداني وبن فليس، بخصوص استقطاب وجوه أفلانية إلى حزب الأخير "هناك الكثير من الوجوه التي قامت بالحملة الانتخابية لصالح بن فليس ولا أستبعد أن يكونوا من المؤسسين لحزبه". هذه الوجوه وغيرها تحركت على الساحة المعلنة والخفية، وربما أغلبها مدرك لحجم المواقع التي سيكون فيها في الأيام القليلة المقبلة، لكن تبقى الأسئلة الأهم حول المواقع التي ستكون فيها وجه تلتزم الصمت وتعمل بثبات وبعيدا عن الضجيج رغم بقائها الدائم في الحكومات المختلفة، وأخرى التحقت بمشهد ما قبل 17 أفريل، بعد غياب طويل، في آخر لحظة لكنها كانت أرقاما أكثرا من مهمة؟