الوادي : انطلاق حملة حصاد الذرة الصفراء برسم الموسم الفلاحي الجاري    إيليزي..مشاريع طاقوية لتعزيز الإنتاج ومرافقة الاستثمار    من 12 الى 16 مارس الجاري..تنظيم جائزة الجزائر لحفظ للقرآن الكريم و إحياء التراث الإسلامي    اجتماع الحكومة : دراسة أوراق طريق قطاعية وعروض تخص العقار الصناعي    كأس الاتحاد الافريقي : شباب بلوزداد يراهن على العودة بنتيجة إيجابية من مصر    الجولة ال22 من الرابطة المحترفة : محيوص وبانغورا على رأس التشكيلة المثالية    البطولة المحترفة..الكشف عن حكام الجولة ال 23    مجلة الجيش : الجزائر الجديدة تسير على درب الانتصارات وتعزيز المكاسب    من الطاعات الموسمية في رمضان.. الإعتكاف    أضاحي العيد وقانون الأحزاب.. أبرز ملفات اجتماع مكتب مجلس الأمة    سلطة ضبط السمعي البصري تتوعد بإجراءات قانونية    الجزائر تضمن استمرارية تدفق الإنترنت دون انقطاع    سعيود يكشف عن خطة وطنية لتجديد حظيرة النقل وتحسين السلامة    الذكاء الاصطناعي أضحى قضية أمن قومي واقتصادي بامتياز    خارطة طريق الجزائر نحو السيادة الغذائية الكاملة    مبولحي ضمن قائمة مميّزة    حيداوي وأرحاب يبرزان أهمية تعزيز التنسيق بين القطاعين    رياح قوية منتظرة بثلاث ولايات    تجارة الحشائش العطرية تنتعش    ترامب يُهدّد إيران بالموت والنار    التطور التكنولوجي لدى المختبرات يصحح الأنساب    الغضب الملحمي المُعتّق    أعظم العبادات في رمضان    ندوة حول الحج    صناعة دمى القش.. حرفة تحاكي شخصيات الرسوم المتحركة    العفو عند المقدرة    المرأة العاملة تسابق الوقت    على الحجاج حجز تذاكر السفر في أقرب الآجال    يوم تصرخ الحجارة كالنساء    لاريجاني وصفها ب "تهديدات جوفاء"..ترامب يهدد بضربات "أقسى 20 مرة" إذا أغلقت إيران مضيق هرمز    اعتدت بوحشية على الأسرى..قوات القمع الإسرائيلية تقتحم كافة السجون    رئيس المجلس الأوروبي:روسيا المستفيد الوحيد حتى الآن من حرب الشرق الأوسط    أنبوب الغاز العابر للصحراء يجعل إفريقيا مهندسا لسوق الطاقة    كمال أوقاسي مدير عام للديوان الوطني للإحصائيات    مكاتب "بريد الجزائر" مفتوحة ليلا في العشر الأواخر    منصة للتسجيل في المهرجانات الوطنية للشباب    انعقاد الدورة ال31 للجنة البحث والإنقاذ البحريين    طقوس عريقة لا تفارقها سينية "السماط"    الاستعراض الرقمي يهدد روحانية الشهر الفضيل    إقبال متزايد على مكاتب الفتوى بالبليدة    مشاريع في قطاعات التربية والطرقات والتحسين الحضري    إفطار جماعي في احتفالية عيد المرأة    افتتاح الطبعة 15 للمهرجان الثقافي الوطني لأغنية الشعبي بالجزائر    معرض "كسر" للفنان التشكيلي طاهر تازروت في الجزائر العاصمة    بن ناصر يعود في الوقت المناسب ويريح بيتكوفيتش    مشكلة جديدة تواجه سمير شرقي في "باريس أف سي"    دعوة لتجديد التراث وحمايته للأجيال الجديدة    كشف أسرار سينما المحتل    انتهاء تصوير "رمال ثائرة"    تصريحاتك تثبت صحة قرار إقالتك    الديوان الوطني للحج والعمرة يدعو الحجاج إلى الإسراع في حجز تذاكر السفر    تنويه بخِصال حنصال    إيران تختار مرشدها وترامب يُهدّد بتصفيته!    12 مطاراً عبر الوطن لنقل الحجّاج    حج 2026: انطلاق أول رحلة للحجاج في 29 أفريل المقبل    عطاف يشارك في اجتماع وزاري طارئ لجامعة الدول العربية والخليج    علماء عرب يشيدون بدور الجزائر في نشر الهدي النبوي    تنديد بازدواجية المعايير الأوروبية ونهب الثروات الصحراوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



جهود رواد النهضة في تهيئة اللغة العربية لنقل المعارف الحديثة
نشر في الشعب يوم 08 - 12 - 2023

ليست التهيئة اللغوية من عمل فرد واحد، ولم تقتصر على بلد معين، بل هي سلسلة من الجهود العلمية المترابطة والمتكاملة، قام بها عدد كبير من رواد النهضة العربية الحديثة، إذ أسهم كل واحد منهم، إما بحل مشكلة أو مشكلات، أو اقتراح حل أو حلول، والعمل مازال جاريا إلى اليوم، ولن ينتهي ما دامت المعرفة العلمية التي نستفيد منها اليوم تأتي من غيرنا.
الحلقة الثانية
من النقاط التي قالها الشيخ محمد عبده عن إصلاح اللغة العربية ما يأتي: "إن إصلاح اللغة العربية في حاجة إلى إصلاح آخر فوق إصلاح التعليم لفنونها وآدابها وإتقان الكتابة والخطابة فيها، وهو ما فعله الفرنسيس وغيرهم من شعوب العالم، من تأليف المجامع لوضع المعاجم اللغوية
وتاريخ تطور اللغة وما دخل فيها من اصطلاح ومعرّب وغيره والمعاجم العلمية وفلسفة البيان والانتقاد وغير ذلك، كما دعا الشيخ محمد عبده إلى تعلّم لغة من اللغات الأجنبية حتى من قبل رجال الدين ليعرفوا ما عندهم من جيد الأعمال وما يجب تصحيحه.
إنشاء مجامع لغوية
ظهرت فكرة المجمع اللغوي مع رفاعة الطهطاوي الذي أعجب بالمجمع الفرنسي أثناء إقامته في باريس، ثم تحمس إلى هذه الفكرة بعده عدد من رواد النهضة، منهم أحمد فارس الشدياق والشيخ إبراهيم اليازجي ومحمد عبده وغيرهم، لأنهم لاحظوا اختلاف الواضعين فيما بينهم في نقل المصطلحات العلمية وألفاظ الحضارة الحديثة إلى اللغة العربية، وهذا يعني أن هؤلاء الرواد أدركوا أنهم في حاجة ماسة إلى سلطة لغوية عليا، تشرف على هذه الحركة التوليدية وتنسق جهود القائمين عليها.
وتبحث عن الحلول العلمية للمشكلات المطروحة في هذا الموضوع. تحقّقت هذه الفكرة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، بتأسيس أول مجمع لغوي سمي باسم مؤسسه توفيق البكري، وكان من بين أعضائه الشيخ محمد عبده والشنقيطي وتوفيق البكري وغيرهم، ولكنه لم يدم مدة طويلة. وأسست في النصف الأول من القرن العشرين مجامع لغوية رسمية في كل من دمشق والقاهرة وبغداد، وتتابع بعد ذلك تأسيس مجامع لغوية أخرى في النصف الثاني من القرن العشرين في معظم البلدان العربية، غير أن كثيرا منها ليس له مردود كبير في ترقية اللغة العربية وتوحيد مصطلحاتها العلمية وألفاظ الحضارة الحديثة التي أسست من أجلها.
معهد للترجمة
يعد رافع رفاعة الطهطاوي أول من تخصّص في الترجمة من المصريين، أثناء إقامته في فرنسا. وبعد عودته إلى مصر أنشأ مدرسة للترجمة سنة 1835 بعد موافقة محمد علي، سميت "مدرسة الألسن". وكان الطلبة فيها يدرسون عددا من اللغات مثل الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والفارسية والتركية، كما يدرسون عددا من التخصصات العلمية.
ولعلّ الهدف الأول لمحمد علي من الموافقة على تأسيس هذه المدرسة هو تكوين موظفين جدد لتسيير الإدارات التي فتحها في عهده، غير أن الترجمة عند رواد النهضة وعامة المثقفين تعد النافذة الأولى لنقل المعارف العلمية والحضارية إلى اللغة العربية، وكان كثير من هؤلاء الرواد ممن يحسنون لغة أو أكثر.
إنشاء صحف ومجلات
من المسلم به أن للصحافة، بمختلف أنواعها، دورا عظيما في نشر اللغة والرقي بها في العصر الحديث، بل لا تقل أهميتها عن التعليم ونشر الوعي بين الناطقين بها. وقد أدرك رواد النهضة هذه الأهمية، لذلك شرعوا في إنشاء جرائد ومجلات منذ بداية حملة نابليون على مصر، مثل جريدة الوقائع المصرية"، ثم انتشرت الفكرة بعد ذلك في جميع البلدان العربية.
نجد من بين الذين اشتهروا في مجال الصحافة، إبراهيم اليازجي الذي أسس جريدة الضياء وتتبع ما يرد فيها من أغلاط لغوية - إن لم نقل الأخطاء التي يقع فيها الصحافيون، وكان يشير إلى مواضع الغلط، كما كان يبين التأثير السلبي لهذه الأغلاط على اللغة العربية. ولم يكتف بالوقوف عند تسجيل الأغلاط، بل كان يقدم بدائلا لما هو غير سليم. وقد أورد ذلك في كتابيه "نجعة الرائد" و«لغة الجرائد". ومما قاله في هذا الموضوع ما يأتي:
«لا نزال نرى في بعض جرائدنا ألفاظا قد شذت عن منقول اللغة فأنزلت في غير منازلها واستعملت في غير معناها فجاءت بها العبارة مشوّهة وذهبت بما فيها من الرونق وجودة السبك فضلا عما ترتب على مثل ذلك من انتشار الوهم والخطأ ولاسيما إذا وقع في كلام من يوثق به فتتناوله الأقلام بغير بحث ولا نكير".
مناظرات في بعض المسائل الخلافية
تباينت آراء اللغويين المحدثين في كيفية استثمار ما وضعه "المولدون" في القرون الماضية، فمنهم من رفض الاحتجاج بكلام هؤلاء، ومنهم من قبل به، كأحمد فارس الشدياق الذي قال: "وازنت فيها (أي الألفاظ والمصطلحات بين العرب العارية والعرب المولدين والغرض من ذلك الاحتجاج بكلام هؤلاء إذ كانوا متضلعين من العربية كجرير والفرزدق والأخطل وبشار بن برد ومهيار الديلمي وأبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي وأبي فراس وأضرابهم". واستمر هذا الخلاف بين اللغوين المحدثين فيما بينهم حول المولد، ومن الأمثلة على ذلك النقاش الذي دار بين عبد الله البستاني وأنستاس ماري الكرملي حول كلمة حبذا التي أنكرها عبد الله البستاني على الكرملي الذي رد عليه قائلا: "إنكار الشيخ البستاني لحبذا لكونه مولدا ولأن المولدين لم ينطقوا به بهذا المعنى الذي اتخذه بعض كتاب هذا الزمان الأخير كلام لا يؤخذ به وإلا لو تأخذ به لطرحنا من العربية جميع مصطلحات العرب العلمية والفنية والصناعية والعمرانية ولم يبق بيدنا منها إلا الشيء الندر التافه الذي لا ينطبق إلا على حال البداوة أو على الحاضرة ولم يكن عندنا ما نؤدي به عن أحوالنا العصرية فنكون قد رجعنا القهقرى إلى العصور الأولى وصرنا في أخريات الناس وهذا لا يقبله العقل". كما وقع خلاف بين المحافظين والمجددين في كثير من المسائل، منها مسألة السماع من المحدثين، أي قبول اللغة التي يستعملها الأدباء ورجال العلم والثقافة وغيرهم في عصرنا الحالي. ومن أشهر الذين كتبوا في هذا الموضوع وأقنع أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقبول السماع من المحدثين ولو ببعض الشروط أحمد حسن الزيات الذي قدّم محاضرة قيمة بعنوان الوضع اللغوي وهل للمحدثين حق فيه؟
وجدت بعض المسائل الخلافية السابقة وغيرها صدى لدى أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة، فقرر المجمع أن يُسند إلى عدد من كبار أعضائه - من بينهم أحمد حسن الزيات - دراسة كل مسألة بصفة معمّقة، ثم تقديم أرائهم فيها، وأصدر المجمع بعد ذلك قراراته العلمية في كثير من المسائل الخلافية من بينها مسألتا المولد والسماع من المحدثين. فكان قراره حول المولد كالآتي: المولد هو اللفظ استعمله المولدون على غير استعمال العرب وهو قسمان:
قسم جروا فيه على أقيسة كلام العرب من مجاز أو اشتقاق أو نحوهما كاصطلاحات العلوم والصناعات وغير ذلك وحكمه أنه عربي شائع وقسم خرجوا فيه عن أقيسة كلام العرب إما باستعمال لفظ أعجمي لم تعربه العرب. وقد أصدر المجمع قراره في شأن هذا النوع "إما بتحريف في اللفظ أو في الدلالة لا يمكن معه التخريج على وجه صحيح، وإما بوضع اللفظ ارتجالا. والمجمع لا يجيز النوعين الأخيرين في فصيح الكلام، وكان قراره في مسألة السماع من المحدثين كالآتي: "يُقبل السماع من المحدثين بشرط أن تدرس كل كلمة على حدتها قبل إقراراها.
استمرت هذه التهيئة اللغوية في النصف الثاني من القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين وانضم إليها معظم البلدان العربية التي لم تسمح لبعضها ظروفها في البداية بالمشاركة في هذا المشروع اللغوي الحضاري الكبير، لكونها دولا مستعمرة، كما اتسعت جهود اللغويين والعلماء والأدباء ورجال الإعلام والمترجمين إلى إثراء اللغة العربية بمئات الآلاف من الألفاظ العامة والمصطلحات العلمية والتقنية، كما أنشئت معاهد وجمعيات ومنظمات للرقي بها أكثر حتى تصل إلى ما وصلت إليه اللغات العالمية.
من ثمار هذه الحركة الإصلاحية إحياء اللغة العربية واسترجاع مكانتها الحضارية وخاصة في مجالات الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، وكذلك في العلوم القانونية والسياسية والإعلامية، ولكنها مازالت تعاني صعوبات كثيرة في العلوم والتقنيات القديمة والحديثة بسبب تزايد سرعة تطورها، ولاسيما بعد الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص، وهذا الوضع ليس خاصا باللغة العربية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.