من المتفق عليه، علميا وعالميا، أن التاريخ هو ذاكرة الشعوب، وأن دراسته ضرورة لازمة للاستفادة من خبرة الأسلاف وتجاربهم وذلك ليس من خلال المحاكاة والتقليد الأعمى في إطار حفظ الخلف لآثار السلف،و لكن عن طريق الغوص في أعماق الأحداث من أجل فهمها الفهم الصحيح الذي يمكن من توظيف أسبابها ومسارها ونتائجها لتجنب الأخطاء ولإحكام عملية بناء المستقبل الأفضل. د/محمد العربي الزبيري غير أن الغوص في أعماق الأحداث يتطلب من الباحث أن يكون حائزا على المفاتيح الصحيحة التي تسمح له بدخول مجالات المعرفة من أبوابها، والتي، من دونها، يبقى،دائما،و مهما كانت الجهود المبذولة، بعيدا كل البعد عن الحقيقة التي لابد منها والتي يجب أن ترقى إلى مستوى المفجر لحركة الحياة اليومية. أما عندما تكون المفاتيح التي بين يديه مزورة أو أصابها الصدأ، فإن الباحث يضل سبيل الإدراك ويتسبب في تشويش الذاكرة بدلا من توفير أسباب حضورها الدائم.والمقصود بالمفاتيح،هنا،هي المصطلحات والمفاهيم، وهي،من سوء حظنا،موضوعة، في أغلبها، من طرف علماء الإمبريالية والاستعمار، وهو الأمر الذي يعطي مصداقية لقول الشاعر: جلوا صارما، وتلوا باطلا وقالوا صدقنا فقلنا نعم من هذا المنطلق، نشير إلى أن ذاكرة الشعب الجزائري قد تعرضت، بفعل الصارم المسلول إلى كثير من الأباطيل التي أصبحنا نصدق بأنها عين الصواب ونبني عليها نظرتنا للماضي والحاضر والمستقبل، ونعتمد عليها في سعينا الطبيعي للوصول إلى الحقيقة. في هذا الإطار أطلق العنان لكثير من الأقلام المختصة وغير المختصة، المؤهلة وغير المؤهلة تكتب وتعيد الكتابة حول مؤتمر وادي الصمام.فالسيد محمد حربي على سبيل المثال أكد في الصفحة الثالثة والسبعين بعد المائة من "جبهة التحرير الوطني: السراب والواقع "أن المؤتمر الذي عقد لتسوية مشاكل الثورة قد فتح عهد الصراعات الداخلية وأعاد الربط مع تجربة الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية". وظل هذا الحكم المجحف متداولا بين القراء وكأنه الحقيقة التي لا شك فيها. بل إن أعداء الثورة، الذين وجدوا فيه مادة قابلة للاستغلال قصد الحط من إنجازات جبهة التحرير الوطني، لم يترددوا في الترويج له باعتباره دليلا على صدق ما يقال من أن المؤتمر كان تجسيدا للانحراف والخروج عن الخط الثوري ومنطلقا للتناحر والتطاحن. وفي هذا السياق، كذلك، اجتهد خصوم جبهة التحرير الوطني في العمل على تعميم كل ما من شأنه أن يجعل من رمضان عبان هو مهندس المؤتمر ومنظر الثورة وصاحب التغييرات والاثراءات التي تضمنتها وثيقة وادي الصومام. ولأن مدرسة التاريخ الوطنية غائبة، فإننا لم نجد من يعيد المياه إلى مجاريها الطبيعية. ذلك أن فكرة المؤتمر، في واقع الأمر، لم تكن جديدة بل انطلقت مع قرار الانتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح عندما وقع الاجتماع الأخير للقيادة السداسية وأوصى بتنظيم لقاء وطني بعد انتهاء السداسي الأول من الثورة. لكن المساعي الرامية لتجسيد الفكرة على أرض الواقع لم يكتب لها النجاح بسبب الصعوبات الكثيرة والأوضاع المعقدة التي عرفتها الثورة في تلك الأشهر الأولى من تاريخها. كما أن فتح أبواب الجهاد وقياداته لغير المتشبعين بأيديولوجية حزب الشعب الجزائري لم يكن بدعا،بل هو تطبيق للتوجيهات المعبر عنها بقوة في نداء أول نوفمبر والتي كانت، بدورها، مستوحاة من اللائحة السياسية الأخيرة التي صادقت عليها اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري والتي تعترف بأن "تحرير الوطن لم يعد مهمة تشكيلة سياسية واحدة، بل هو واجب جميع الطاقات الحية في البلاد". إن الثورة، في أي زمان ومكان، لا يمكن أن ينظر لها شخص واحد وإلا، فإنها تفقد معناها كعمل شامل يرمي إلى تغيير صورة المجتمع القائم بما هو أفضل. وبالنسبة للثورة الجزائرية، فإن منظومة الأفكار المعبر عنها بوضوح في نداء أول نوفمبر إنما كانت حوصلة ذكية لأدبيات الحركة الوطنية بجميع أطرافها. وكان من الطبيعي جدا أن تكون وثيقة وادي الصومام امتدادا لها ووعاء لإثراء ها انطلاقا من تقييم المرحلة المقطوعة واعتمادا على الإمكانيات والمستجدات بجميع أنواعها. ولقد كانت الوثيقة معبرة عن كل ذلك بالفعل. لكن إهمالها، مدة طويلة، ترك المجال واسعا لبقايا الجزائريين الأهالي ولمؤرخي الثورة المضادة،بجميع أنواعهم، فراحوا يوظفون كل صغيرة وكبيرة لفصل مؤتمر وادي الصومام عن ما سبقه من محطات حاسمة مثل بيان أول نوفمبر ولحظات الانطلاقة وخاصة منها هجومات العشرين أوت 1955 التي أعطت للثورة نفسا جديدا وشكلت، في العمل الثوري، نقطة اللارجوع على حد تعبير السيد "جاك سوستيل ". وعلى غرار السيد محمد حربي، لكن لأغراض أخرى سنتعرض لها فيما بعد، كتب السيد فتحي الديب في "عبد الناصر وثورة الجزائر "الصفحة مائتان وثمانمائة وأربعين :"إن المؤتمر شكل نقطة تحول خطيرة في مسيرة الثورة وذلك للأسباب التالية": أ - اعتراض الولايات الشرقية والغربية التي تغيبت عن المؤتمر وهو اعتراض تحول إلى صراع داخلي ومحاولات للتصفية بين القيادات. ب - إن الولايات المجاورة للحدود ستقوم قد بادرت إلى حجب السلاح عن الولايات الداخلية لإرغامها على التراجع عن قرارات المؤتمر. ج - احتمال انتقال صورة الصراع الداخلي إلى الخارج بعد خروج المجموعة المواظبة لعبان رمضان الأمر الذي سيزعزع ثقة الرأي العام العربي والعالمي في الصورة المشرفة التي أمكن تحقيقها لثورة الجزائر. د - بدء مرحلة الصراع بين السياسيين والعسكريين وما تحمله من آثار ضارة بالمسيرة الثورية خاصة بعد انتشار نغمة سياسي وعسكري في أوساط جيش التحرير الوطني وأن أول ضحايا هذا الصراع هو المناضل البطل مصطفى بن بولعيد ولحق به المناضل الجسور والوطني المخلص يوسف زيغود ". وهناك كتابات أخرى كثيرة. لكن توقفنا عند هذين النموذجين مقصود، لأن الأول جزاري ومؤرخ ذائع الصيت والثاني من كبار رجال المخابرات المصرية يقول عن نفسه:"إنه يعرف خبايا ثورة نوفمبر أحسن من أي كان "، ومع ذلك فإن حكم السيد محمد حربي مجانب للصواب، كما أسلفنا، وهو عمل في طياته سطحية نعتقد أنها مقصودة إذ من غير المعقول أن ينفي عن مؤتمر وادي الصومام كونه محطة حاسمة في تاريخ الثورة. ومن غير المعقول، كذلك، أن يعتمد المؤرخ أقوالا غير مسجلة وغير ممحصة وغير مغربلة، لإصدار حكم بمثل تلك الخطورة، خاصة وأنه يدرك أن القارئ، في الجزائر، يقبل كل ما يقدم إليه بسبب الفراغ الفكري والفقر الثقافي اللذين يميزان بلادنا خاصة منذ أن رفعت شعار الثورة الثقافية في غياب حياة ثقافية فاعلة. أما فيما يخص السيد فتحي الديب، فإن تقييمه لم يأخذ في الاعتبار كل النتائج التنظيمية والسياسية والإيديولوجية، كما أنه تجاهل، تماما، التقسيم الجغرافي الذي انطلقت منه جبهة التحرير الوطني ليلة أول نوفمبر 1954، ولم يراع تواريخ الأحداث التي اعتمدها في إصدار أحكامه وهو أمر عجيب خاصة وأن التغليف كان مشوقا بالنسبة للقارئ الذي يكون خالي الذهن. أما الدارس المحقق، فإنه لا يأخذ كتابات السيد فتحي الديب على أنها حقيقة تاريخية مسلم بها كتلك التي يرويها الثقاة الذين يتولون بأنفسهم إخضاع المعلومات إلى المقاييس والمعايير المعروفة لدى جمهور المؤرخين. وعلى الرغم من أن "عبد الناصر وثورة الجزائر "صدر عن دار المستقبل سنة 1984، ونشر، كذلك، مترجما إلى اللغة الفرنسية، وأن الرئيس أحمد بن بله لم يعارض - قولا أو كتابة - ما جاء في الكتاب من معلومات منسوبة إليه حول المؤتمر، فإننا نعتبر أن الفصل الرابع عشر كله مغلوط ولا يمكن اعتماده في تقييم نتائج أشغال مؤتمر وادي الصومام. إن حكمنا بهذه القسوة مستخلص خاصة من المعلومات التي توهم القارئ الخالي الذهن بأن "مرحلة الصراع الداخلي والتصفية الجسدية قد بدأت فعلا، وأن أول ضحاياها هو المناضل القائد البطل مصطفى بن بولعيد، والمناضل الجسور والوطني المخلص يوسف زيغود قائد ولاية قستطينة". إن هذين الخبرين لا أساس لهما من الصحة، أولا، لأن الشهيد مصطفى بن بولعيد لم يكن من المعارضين لقرارات مؤتمر وادي الصومام لسبب واضح وبسيط يتمثل في كونه استشهد قبل انعقاد المؤتمر بحوالي خمسة أشهر.أما يوسف زيغود، فإن استشهاده كان في نهاية الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر 1956 في حين يذكر السيد فتحي الديب أنه تلقى الخبرين في نهاية الأسبوع الثاني من ذات الشهر. وغير صحيح كذلك ما أورده السيد فتحي الديب حول تغيب "ولايات الشرق والغرب"، ذلك أن تسمية الولاية ترجع إلى قرار من مؤتمر وادي الصومام، ولم تكن موجودة من قبل حتى يضفيها صاحب الكتاب على المنطقتين الثانية والخامسة اللتين كانتا ممثلتين بالشهيد يوسف زيغود بالنسبة للأولى وبرئيس المؤتمر نفسه الشهيد محمد العربي بن مهيدي. عن التواصل الإيديولوجي لقد انطلقت وثيقة وادي الصومام من نداء أول نوفمبر 1954 لتذكر من جديد بالضوابط التي تتحكم في نشاط جبهة التحرير الوطني والتي ينبغي أن تكون بمثابة المنارات التي تهتدي بها سائر قيادات الثورة في كل ما يمكن أن يصدر عنها من قرارات. وتتلخص هذه الضوابط فيما يلي: - الاعتراف بالشعب الجزائري، شعبا واحدا لا يتجزأ. معنى ذلك أن خرافة "الجزائر الفرنسية "و"الشعب الفرنسي المسلم"، و"الأمة التي في طور التكوين" والتقسيم العرقي الذي ما فتئت الإدارة الكولونيالية توظفه لإبقاء الشعب الجزائري في حالة التبعية الدائمة، كل ذلك يجب أن يزول من القاموس الاستعماري. - الاعتراف بالسيادة الوطنية على كافة الميادين. وهذا يعني أن الحلم الذي كان قد بدأ يراود فئة من المستعمرين وعددا ممن يسمون بالمعتدلين الجزائريين يجب أن يتبخر، لأن أي نوع من الاستقلال الذاتي لا يمكن إلا أن يكرس الهيمنة الأجنبية ويثبت الاستعمار الجديد. - الاعتراف بجبهة التحرير الوطني ممثلا وحيدا وشرعيا للشعب الجزائري، لها وحدها حق التفاوض وحق الأمر بوقف إطلاق النار. وينجر عن هذا الاعتراف إجبار السلطات الاستعمارية على إطلاق سراح جميع الجزائريين والجزائريات الأسرى والمعتقلين والمنفيين بسبب نشاطهم الوطني قبل وبعد اندلاع الثورة. إن استرجاع السيادة الوطنية، على هذا الأساس، سيمكن من إلغاء الواقع الاستعماري الذي من المفروض أن تزول بزواله كل علاقات العسف والتبعية،و تنبني من جديد،على قواعد ثابتة ومتينة،أركان الدولة الجزائرية المتخلصة، نهائيا، من الرواسب التي من شأنها تسهيل عودة الاستعمار الجديد. فالسيادة الوطنية التي ترمي جبهة التحرير الوطني إلى استرجاعها لا تخص ميدانا دون آخر، بل إنها تشمل جميع مجالات الحياة وتمتد على كافة التراب الوطني حسب الحدود الرسمية والمتبناة من قبل السلطات الاستعمارية نفسها. لأجل ذلك،فإن ميثاق وادي الصومام قد عالج مسألة التفاوض مع العدو بكيفية دقيقة ومفصلة لا تترك أي منفذ للتحايل وللمناورات،علما بان المعالجة، في مضمونها لم تخرج عن الإطار الذي ضبطه بيان أول نوفمبر 1954. وعندما ينظر الدارس بتمعن إلى الأهداف المذكورة أعلاه يجد أنها مترابطة فيما بينها ومتكاملة، ذلك أن السيادة الوطنية تفقد كل معناها إذا كان الشعب مطعونا في وحدته مصابا بداء التقسيم والفرقة اللذين يكونان نتيجة لفتح المجال لأطراف أخرى تتحدث باسم الشعب الجزائري. مع العلم أن التمثيل مطلقا في مثل هذه الحالة لا يكون مجديا إلا إذا كان الممثل قويا ويملك بين يديه وسائل حقيقية للضغط ولتوجيه الأحداث في الاتجاه الذي يقطع على العدو خطوط الرجعة، ويفرض عليه الالتزام بالإطار المرسوم للتفاوض. ولأن مؤتمر وادي الصومام حدث طبيعي في مسار الثورة، كان يمكن أن ينعقد بتسمية أخرى وفي مكان غير الذي نعرفه، ولأنه جاء بناء على توصية أصدرتها القيادة التاريخية الأولى عشية الإعلان عن إشعال الفتيل، فإنه من غير المعقول إسناده لهذا أو ذاك من المسئولين الذين كان لهم شرف الإشراف على التحضير بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. وإذا كان لابد من ذلك، فإن المنطق يجعل السبق للسيد محمد العربي بن مهيدي وللسيد بلقاسم كريم من بعده باعتبارهما من القيادة السداسية أو التساعية التي تحملت مسئولية الانتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح. إن التوقف عند هذه النقطة ليس لإعطاء كل ذي حق حقه بقدر ما هو تدليل على أن مؤتمر الصومام لم يكن حدثا معزولا في تاريخ الثورة، وأن الوثيقة الصادرة عنه لا يمكن أن تكون متناقضة مع نداء أول نوفمبر 1954 أو متنكرة لبعض الأفكار الرئيسية الواردة فيه ونعني، خاصة ما يتعلق بالجمهورية الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. إن الذين يرفعون، اليوم، شعارات معادية لمؤتمر وادي الصومام لا يختلفون عن الذين يسعون، بكل الحيل، لفصله عن باقي المحطات الأساسية في تاريخ جبهة التحرير الوطني. ذلك أن الوثيقة الصادرة عنه ليست سوى إثراء لنداء أول نوفمبر 1954 وهي، في مجملها، لا تخرج عن أدبيات الحركة الوطنية، ولا تحمل، كما يدعي بعضهم، آثار أي قلم متشبع بإيديولوجية أخرى. ويكمن الدليل القاطع على ما نقول في كون جميع أجزاء الوثيقة جاءت تعبيرا صادقا عن الانشغالات الوطنية التي كانت تتضمنها سائر اللوائح الصادرة عن المؤتمرات التي كانت تعقدها أطراف الحركة الوطنية خاصة في العقد السابق لميلاد جبهة التحرير الوطني. أهم مقررات مؤتمر وادي الصومام تماشيا مع كل ما وقعت الإشارة إليه أعلاه، أكدت وثيقة وادي الصومام ضرورة مضاعفة الجهد من أجل إعادة تنظيم الجماهير الشعبية في الأرياف وفي المدن وإعدادها، عن طريق التوعية والترشيد، لتجاوز دائرة التخلف التي وضعها فيها الاستعمار، وللتخلص من الذهنيات المتحجرة التي ألصقها بها، وأنماط الحياة التي فرضت عليها والتي تهدف فقط إلى إبقائها في حالة الغيبوبة والتبعية الدائمتين. فالمجالس الشعبية التي شرع في إنشائها منذ الأشهر الأولى لاندلاع الثورة يجب أن يتم تدعيمها وتوسيع شبكتها بحيث تشمل كافة أنحاء الوطن وأن تسند إليها مسؤوليات تجعلها أكثر فعالية وأكثر اتصالا بالجماهير الشعبية. فالمجلس الشعبي الواحد أصبح يتكون قانونيا من خمسة أعضاء بما في ذلك الرئيس،و يشرف على تسيير الحالة المدنية والمالية والاقتصادية والشرطة، وبعبارة أدق،فإن المجلس الشعبي،حيث ما وجد، يحل محل الإدارة الاستعمارية التي يجب أن تعزل نهائيا وتزول اتصالاتها بالأوساط الشعبية. ويندرج الإشراف على المجالس الشعبية ضمن اختصاصات المحافظين السياسيين الذين يتولون كذلك مهام تربية الجماهير وتنظيم التعليم والدعاية إلى جانب القيام بتوجيه الحرب النفسية على مختلف الجبهات. ولم يكتف مؤتمر وادي الصومام بترسيم وظيفة المحافظ السياسي، ولكنه جعلها أساسية بالنسبة لمسار الثورة. فالمحافظ مسئول متجول يقضي كل أوقاته في التنقل بين المداشر والمشاتى: يراقب المجالس الشعبية ويجمع ما أمكن من المواطنين يكونهم سياسيا وينشر بينهم أيديولوجية جبهة التحرير الوطني. وفي ذات الوقت، كان يزور وحدات جيش التحرير الوطني يزودها بالأخبار ويحلل أمامها المعطيات السياسية السائدة في داخل البلاد وخارجها ويسجل الاحتياجات والمطالب التي يناقشها مع المسئولين الأعلى، ويعمل على الاستجابة لها بقدر الإمكان وفي حدود المستطاع. ويعتبر هذا الاهتمام البالغ الذي أولاه المؤتمر للجماهير الشعبية دليلا على التحول الجذري الذي حدث في أيديولوجية الثورة والذي بدأ يفرض نفسه مع هجومات العشرين من شهر أوت سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف. ففي ذلك التاريخ حدث انقلاب لا مثيل له في موازين القوى، إذ تخلص جيش التحرير الوطني الفتي من عقد الخوف التي كانت تفرض عليه التحرك ليلا والنشاط خفية، فصار أفراده يتنقلون في وضح النهار بينما انتقل الرعب إلى نفوس الأجناد الفرنسيين الذين أصبحوا، بفعل دعاية الكولون، يرون في كل واحد من الجزائريين مجاهدا أو مناضلا مستعدا للانقضاض عليهم. ولم يكن ذلك هو التحول الوحيد الذي عرفته أيديولوجية الثورة الجزائرية، بل هناك نقاط أخرى اختلفت حولها الآراء كثيرا واشتد فيها النقاش بحدة ولم يفصل فيها إلا عن طريق التصويت بأغلبية الثلثين. كل تلك النقاط الحساسة التي كان لها أثر بالغ على سير أحداث الثورة سوف نقدمها للقراء الأكارم في الأوقات المناسبة.