رئيسة المرصد الوطني للمجتمع المدني تستقبل ممثلين عن عدة جمعيات وطنية ومحلية    حملة الحصاد و الدرس لموسم 2024-2025: السيد شرفة يؤكد على اهمية العمل الاستباقي و الجواري لانجاح العملية    ستافان دي ميستورا يواصل زيارته بعقد لقاء مع مسؤولين بالقيادة الصحراوية    الجمعية ال150 للاتحاد البرلماني الدولي: بوغالي يترأس اجتماعا تنسيقيا لتوحيد الموقف العربي والإفريقي حول البند الطارئ    ذكرى استشهاد عميروش وسي الحواس مناسبة لاستذكار وصية الشهداء بالحفاظ على وحدة الجزائر    بفضل مشاريع كبرى أقرها رئيس الجمهورية.. الجزائر تسير بخطى واثقة نحو أمنها المائي    دعوة لحماية المخطوطات الفلسطينية المهددة بالنهب والتدمير    بوغالي يلتقي نظيره البحريني على هامش الجمعية ال150 للاتحاد البرلماني الدول    بللو يشرف على مراسم الإرسال الإلكتروني لملف ترشح الجزائر لتسجيله..ملف الحلي واللباس النسوي القبائلي على طاولة اليونيسكو    أوبك+: عرقاب يشارك في الاجتماع ال 59 للجنة المراقبة الوزارية المشتركة    تحسباً لكأس العرب..دغموم يدخل حسابات بوقرة    الإصابة تضرب أمين غويري    حوادث المرور: وفاة 11 شخصا وإصابة 555 آخرين خلال ال48 ساعة الأخيرة    مستغانم..تخصيص 360 مليون دج لمشاريع تنموية ببلديات دائرة سيدي لخضر    المسيلة.. الشروع في تسويق ألفي قنطار من مخزون البطاطس لضبط الأسعار    المنتخب الجزائري يرتقي إلى المركز ال36 عالمياً في تصنيف الفيفا لشهر أفريل    لقيت إجحافاً متعمَّداً من الكتّاب والمؤرخين الفرنسيين    تعاون متزايد بين الجزائر ومنظمة الصحة العالمية لتعزيز القطاع الصحي    وزارة الصناعة الصيدلانية تقرّ اجراءات تفادياً لأي تذبذب أو انقطاع دوائي    حماس تندد بجرائم الاحتلال المتواصلة بحق الأطفال.. 60 شهيداً و162 جريحا في عدوان إسرائيلي جديد على غزة    حين عبرنا النهر..البساطة سبيلاً لرواية حياة الأبطال    اليمن: عدوان أمريكي على كهلان شرقي مدينة صعدة    خسائر ضخمة في سوق الأسهم الأميركية منذ تنصيب ترامب    سعداوي يستقبل رؤساء وممثلي المنظمات النقابية وجمعيات أولياء التلاميذ    صالون "جازاغرو" يفتتح الاثنين بالعاصمة بمشاركة 650 عارضا    فلسطين: الاحتلال الصهيوني يواصل عدوانه على مدينة طولكرم لليوم ال69 على التوالي    الخضر يتقدّمون    الخريطة الوهمية تتبدّد !    بوغالي يدعو إلى تكثيف الجهود العربية    المصادقة على مشروع قرار قدّمته الجزائر    27 مليون دولار لإنتاج البلوط الفليني في الجزائر    ربيقة يبرز التزامات الجزائر    الدولة ملتزمة بتلبية متطلبات الصحة    وزير المجاهدين يتحادث ببرلين مع عدة وزراء و مسؤولي منظمات دولية    إنشاء مصنع لإنتاج الهيدروجين ومحطات للطاقة الشمسية    ترويج للثقافة وللتراث الجزائري وتثمين لمواهب الشباب    العدسة في خدمة التراث    حجز 68 طنا من المواد الاستهلاكية الفاسدة بقسنطينة    دعم التعاون الإفريقي بين الدول المنتجة للنفط    ضبط مقترحات توافقية حول القانون الأساسي للتربية    لا قوة يمكنها اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم    وفاة شخص وستة مصابين في حادثي مرور    هلاك شخص في اصطدام سيارة بشاحنة    " الجمعاوة " أمام محكّ النزاهة    شباب بلوزداد في مهمة اللحاق بالرائد    الفرنسيون يواصلون حقدهم على عطال بسبب دعمه لغزة    القانون الأساسي والنظام التعويضي: استئناف النقاش الثلاثاء القادم    المجلس الشعبي الوطني يفتح أبوابه لتلاميذ باتنة وتلمسان    إبراز جهود الجزائر في مجال الذكاء الاصطناعي    برمجة فتح الرحلات عبر "بوابة الحج" و تطبيق "ركب الحجيج"    التأكيد على التزام الدولة الجزائرية بتلبية المتطلبات التي يفرضها التطور المتواصل في مجال الصحة    كلثوم, رائدة السينما والمسرح في الجزائر    حضور عالمي وفنزويلا ضيف شرف    فتاوى : الجمع بين نية القضاء وصيام ست من شوال    اللهم نسألك الثبات بعد رمضان    لقد كان وما زال لكل زمان عادُها..    أعيادنا بين العادة والعبادة    عيد الفطر: ليلة ترقب هلال شهر شوال غدا السبت (وزارة)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«فِيدْنَا وْزِيدْنَا».. أو حين يتواضع الكبار
نشر في الجمهورية يوم 15 - 05 - 2017

حينما نصادف في عمق حياتنا ويومياتنا الأليمة مبادرات تنبعث من مساحات الفرح الإنساني الذي يستهدف فقط القلب النّابض بالمعرفة والمحبّة، هم مجموعة من القابضين على قلب الوطن، لكن بأشواق العشّاق، وحرائق المتصوّفة، لا يجمعهم إلى بعضهم سوى حنين «الكلمة» ومحبّة المعنى، مثقّفون، يمتلكون الحس السّوسيولوجي المكين، يشربون الشاي ولا يلتفتون إلى ما يخلّفه من نشوة، إنّهم غارقون في نشوة القبض السّحري على لحظة الاستزادة من المعرفة، «فيدنا وزيدنا»، رواق البسطاء حين ينسجون من أيّامهم ولحظات عيشهم سماعا مستمرا لأنين الحرف والمعنى في حرائق الآخرين، إنّهم يجيدون الإنصات، لذلك فهم متواضعون وإنسانيون، يهيّئون لكل جلسة «قعده»، ولكل سماع «أمسية»، ولكلّ متعة في ضفاف الكلام «رشفة شاي» من كأس تتلألأ كلّما اخترقت زجاجها أشعّة شمس الغروب.
«فيدنا وزيدنا»، مجلس، أو «قَعْدَه» كما يروم لعبد الكريم بركة تسميتها، أو «حلقة» كما يحبّذ لحسن تركي تسميتها، هي كل هذا، هي فرح الحاج مصطفى والأستاذ عبد الله العوفي وهما يحتفيان بالمعرفة ويمنحانها من تواضعهما الجم، أخجل حينما أرى ذاتي أمام مرآة حراكهم وهم يؤسّسون لأفق الوطن القادم فوق شموس الثقافة، إنّهم فقط يشعلون شمعة في طريق الظلام الدامس.
لمّا أنهيت كلمتي، أكرموني بهدية، مصحف شريف، اقترب منّي رشيد جامعي، مثقف من طينة الكبار المتواضعين، دسّ في يدي علبة بها قلمين، قلم حبر وقلم جاف، «هذه هديّتي الخاصّة»، كبير أنت يا رشيد، أدركت حينها أنّ الأمل مستمرّ لأنّ جمهرة المحبّين هؤلاء، يدركون أنّ الفعل الثّقافي يكون جميلا بتواضعهم، والمعرفة سليلة التّواضع، لهذا تجد كل العارفين منارات على درب الملء السّنبليُّ:
(ملء السّنابل تنحني تواضعا... والفارغات رؤوسهن شوامخ)
أدركت جيّدا مع هؤلاء معنى قول مولانا جلال الدّين الرّومي: «كن في تواضعك كالتّراب».
الموعد مساءً، بعيد العصر بقليل، المكان بين القنادسة وبشار، بستان تحفّه أشجار الزّيتون، ويتوسطه بيت صغير بين الأنفاس الدّافئة وأصوات الدّواجن وشرشرة الشّاي، واجِهَتُه فناء مظلّل، تتوزّع أجسادنا تحت ظلّه لنستمع إلى حرائق الكلمة وهي تخترق جدار التجربة ووجهة النّظر، هكذا تكلم علي باشا بحرقة ومعرفة ولقاء عن الراحل محمد أركون، حضر إحدى لقاءاته، قال: كان يتكلم وفي أعماقه النّفسية شيء من المرارة.
مازال الوطن جميلا، لن يتوارى وجه حبيبتي حتى أكلّله بألف مرآة، الغد الطّالع في أوقاتنا القادمة، يشرب من ملوحة بحرنا القديم، من وجعنا ونحن نغرس فسيلة كي نسامر نخلة بقامة كثبان الصّحراء، كان الشّاعر «عبد الرّشيد» متكئا على عمود الفناء، يستمع بشوق الكلمات، لكنّه استدرك في تأمّلاته: «رغم التصحّر الجغرافي والثّقافي، فنحن نكتب..»، صدرت روايته «هؤلاء الأطفال بأقدام حافية»، يستدعي الطفل البعيد في أعماقه، يأتي مهرولا، مجلّلا بفرح الخروج ثانية من شرنقة الطفولة، كي يغنّي أفراح ذات حين وذات وقت مضى، كي يقول أيضا أحزان الأطفال الجائعين والعراة والماشين بأقدام حافية.
من قال إنّ الأوطان تموت، وفيها من يتواضعون ويصرخون في أجسادنا الصّامتة، ينفخون الأمل كلما تداولت الأفواه «فيدنا وزيدنا». الشّعر والكلمات والمعنى، تلك هي مفردات المائدة المعرفية المنزّلة من سماء الجوع الإنساني الرّفيع للتواضع والقراءة المريرة في تاريخ الأشياء، وهذا العالم الغابر في المأساة ودراما الإنسان الحالم بكسرة خبز وشيء من حليب الأغنيات، لا تموت الأشياء من سكونها، إنّها تفقد قيمتها حين تغادر أمكنتها، كل الذين غادروا تركوا وردة على جبين الوطن، وكل الذين مكثوا غنّوْا للوردة النّاهضة على جبين الوطن، «فيدنا وزيدنا»، وردة زرعت أمام بيوتنا الصّحراوية، غبرت في رمل الكثبان، وعادت كما الأشياء الثّمينة تناغي في أصواتنا صحوة الوطن وجرأة الصّحراء في مقارعة الرّيح، هي الكلمة إذا، تلك التي «ليست فعلا» كما قدّم لحكايتها ذات وقت المسرحي الرّاحل سعد الله ونّوس، لكن للكلمة أنين يشرق في دواخلنا، بادٍ على وجوهنا، مسطّر في أرواحنا، كلّما نزل دفقٌ من الحياة على صباح الوطن، خرجت «فيدنا وزيدنا» كلمة من عطش الرّمل وسكون المساءات، نقيقا جميلا على ضفاف الوادي العابر للطفولة ومساكن الجن في قيلولة صحرائي المهووسة «بحمّوا قيّو» والأطفال الذين لم يعودوا لنا، لكنّهم عادوا في خيال من كتبوا على جدران الزّمن «فيدنا وزيدنا».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.