لا تفصلنا عن الدخول المدرسي سوى أيام معدودة، يعيش خلالها التلاميذ وأسرهم سباقا ماراطونيا لاستيفاء التحضيرات ومستلزمات الالتحاق بمقاعد الدراسة، تحضيرات رغم روتينيتها إلا أنها تكلف الجهد والمال وأيضا التعبئة النفسية التي يقوم بها الأولياء تجاه أبنائهم الذين يقتحمون سنة دراسية جديدة قد تكون فاصلة في مشوارهم الدراسي. لن ترتاح جيوب الأسر الجزائرية خلال هذه الفترة، فما أن انقضى شهر رمضان وعيد الفطر المبارك بكل ما تكبّدته من مصاريف، حتى جاء دور المدارس التي تستعد لفتح أبوابها خلال أيام معدودة يجري فيها الاستعداد على قدم وساق لاستيفاء احتياجات الأبناء الضرورية، ليس هذا فحسب فالتعليم لم يعد مجانيا في بلادنا كما قد يبدو للأغلبية بعد أن زحف فيروس الدروس الخصوصية على قطاع التعليم وأمسى ذهاب التلاميذ لتعلم أي مادة في مدارس القطاع العام شكليا لأن لا أحد منهم يخرج وهو يفقه شيئا مما تلقّنه، بل لابد له من فيتامين بات من الأساسيات لا الكماليات اسمه الدروس الخصوصية مما يتطلب ميزانية إضافية ومعتبرة تتصارع معها معظم الأسر في سبيل المستقبل الدراسي لأبنائها، بعد أن أصبحت هذه الأخيرة على رأس قائمة الأولويات التي تسعى الأسر الجزائرية إلى تسديد فاتورتها شهريا، والتزاما حتميا لا يمكن لتلميذ أن يستغني عنها خلال مرحلته التعليمية وخاصة بالنسبة لتلاميذ المراحل النهائية الذين يدرك أوليائهم أنهم سيدفعون فاتورة نجاحهم من جيوبهم دون أن يشتكوا أو يملوا.
تحايل على الظروف لا تتقنه سوى ربّات البيوت عمدت أغلب ربّات البيوت إلى شراء ذات الألبسة لعيد الفطر والدخول المدرسي ضاربة بذلك عصفورين بحجر، خاصة وأن الفاصل بين الموعدين ليس طويلا، مسألة أجمعت عليها أغلب ربّات البيوت من العائلات محدودة ومتوسطة الدخل للارتياح من همّ ملابس جديدة قد تقصم ظهر الأسر. "من الصعب إقناع الأطفال بالتخلي عن ملابسهم الجديدة من أول أو ثاني يوم، وأغلبهم يتذمر حينما تذكّره أمه بتجنب اتساخ ملابسه حتى لا تغسل وتبقى جديدة ليوم الدخول المدرسي، لكن للضرورة أحكام قالت نورة، أم لأربعة أطفال في مختلف الأطوار التعليمية، والتي أضافت:" أكثر ما يؤرقني أنا ووالدهم أنهم ذكور ويفضلون الأحذية الرياضية باهظة الثمن على أمل أنها تطول، لكن هذا لا يحدث في الغالب".
أما فوزية، وهي أم تستعد للدخول الاجتماعي الجديد، فتقول: "حاولت العام الماضي أن أشتري لولدي حقائب مدرسية رياضية من ماركة معروفة بجودتها على أساس أنها ستبقى صالحة للاستعمال هذا العام أيضا، وهو ما حدث فعلا، فقد اتفقت مع الولدين أن يحتفظا بالحقائب لهذا العام أيضا ولم يبديا اعتراضا على الأمر. ويتراوح سعر أغلب الحقائب المدرسية الرياضية التي يفضلها تلاميذ الطور المتوسط والثانوي، ما بين 2500 إلى 6000 دج، حسب الماركة والنوعية.
الأدوات المدرسية.. موضة حسب الماركة والسعر تحفل المكتبات اليوم، بمختلف ماركات الأدوات المدرسية والتي دخلت في سباق بينها ولقيت رواجا بين التلاميذ الذين يتنافس أغلبهم على اقتناء أدوات تحمل ماركة ك" مابيد" أو "تيكنو" أو غيرها من الماركات الشهيرة بأسواقنا.
وأثناء جولة استطلاعية إلى مكتبات العاصمة وبالمحلات المتخصصة المذكورة، لاحظنا أن الإقبال بدأ عليها قبل الدخول المدرسي، لأن بعض الأدوات المدرسية يعتبر شراءها من البديهيات، قال محمد الذي كان يرافق ابنه المقبل على اجتياز امتحان البكالوريا شعبة رياضيات تقني، والذي قال: "في القسم النهائي أفضل أن أشتري كل المستلزمات لابني على أكمل وجه ومن أفضل الماركات، وقد اختار ابني ماركة "مابيد" ورغم أن أسعارها باهظة لكنني وافقت على كل طلباته حتى لا ألوم نفسي على شيء، كما أنني أستعد لدفع أقساط الدروس الخصوصية، ويبقى أن عليه أن يقوم بكل ما يستطيع في سبيل النجاح.
وحين استفسارنا عن الأسعار في المحل المذكور، تأكدنا أن المواطن البسيط لا يمكنه أن يتكبد مثل هذه الأسعار رغم ما يشهد للأدوات المعروضة من جودة في النوعية، فسعر المدور لوحده يتجاوز ال250دج وسعر أقل الكراريس لا يقل عن 200 دج، أما سعر الآلة الحاسبة فيضاهي 1600 دج، فيما لاحظنا إقبالا أكثر نوعا ما على محلات "تيكنو" التي وجدت لها مكانا بين تلاميذ المدارس نظرا لجودة منتجاتها المدرسية وتعتبر أسعارها ألطف نوعا ما من أسعار"مابيد" فيما يلجأ أغلب أولياء الأسر إلى ماركة "أنيس" المتواضعة واللطيفة على الجيوب، لكن بعض التلاميذ سامحهم الله كما تقول أم مروة:" يتباهون حتى بماركات أدواتهم المدرسية ولا يفكرون في جيوب أوليائهم، أنا أوافق أن أشتري لأبنائي أدوات ذات جودة تفيدهم في تحصيلهم الدراسي، لكنني أرفض تماما أن أشتري أدوات فقط لأنها من ماركة معينة".
لكن، وبإجماع من أغلب أولياء التلاميذ يبقى الهم الأكبر الذي يواجهونه هو الاستنزاف الذي يتعرضون له بشكل منظم من سماسرة الدروس الخصوصية الذين شرعوا في تقديم خدماتهم مباشرة بعد عيد الفطر بتوزيع منشورات عن مدارس خاصة وعن عناوين وأرقام هواتف خاصة بمدرسين خصوصيين بعضهم في بيوتهم وآخرون في مستودعات أو حتى على أسطح العمارات، لذا باتت مستلزمات الدخول المدرسي نقطة في بحر مصاريف التمدرس الذي أبى أساتذة اليوم، إلا أن يخرجوه من مجانيته ليصير مقابل أموال وأموال باهظة لا يقدر عليها الجميع.