تعد السباحة والألعاب المائية متعة حقيقية في فصل الصيف ، يجد فيها الصغار ملاذا للترويح عن أنفسهم والابتعاد عن اختناق المدينة و متاعب الدراسة التي صاحبتهم طوال السنة، و الهروب من الحرارة في فصل تعرف فيه درجاتها ارتفاعا كبيرا، إذ نراهم ما إن تبعث الشمس بأشعتها اللافحة حتى يحملوا زاد رحلتهم وقبلتهم الشواطئ الموجودة في العاصمة المحروسة منها وغير المحروسة والتي تعج بهؤلاء الأطفال المشتاقين لمعانقة أمواج البحر رغم الخطر الذي تشكله عليهم إذا أساءوا استعمالها. يرتاد الشواطئ الجزائرية خلال فترة الصيف عدد كبير من الزوار من مختلف ربوع الوطن القادمين من الولايات الأخرى، وكذا من خارج البلد ليمضوا أوقاتا مريحة وآمنة في أجواء ساحرة يصنعها جمال البحر وسحر الطبيعة الجزائرية، بحثا عن كسر الروتين ونيل قسط وافر من الراحة النفسية، إلا أنه وفي بعض الأحيان ينتهي الأمر بالمصطاف إلى الموت غرقا لأسباب تتعدد وتختلف، أكثرها يتحدد في الأطفال الصغار الذين يترددون على هذه الشواطئ دون مرافقة الأهل ليجدوا حرية أكبر للمخاطرة والمجازفة بحياتهم من باب المنافسة مع الأصدقاء، وإظهار الشجاعة حسب اعتقادهم، مما يدفع بهم إلى عدم الامتثال للتعليمات والإرشادات لسباحة آمنة في الشواطئ المسموحة. فيختارون الشواطئ الممنوعة رغم ما تشكله على حياتهم من خطر، بحيث أصبح البحر وألعابه موعدا لحصد الأرواح العاشقة لبرودة المياه والمخاطرة التي يجهل الكثير من قاصديها أخطارها بسبب ما توفره لهم من متعة . تتعدد أسباب الغرق في الشواطئ الجزائرية وتختلف إلا أن أغلبها يرجع إلى عدم الامتثال إلى التعليمات والإرشادات التي تضعها الحماية المدنية، والتي تذكر بها مع بداية كل موسم اصطياف . لكن الكثير من المصطافين يتلقون هذه النصائح، وللأسف لا يعملون بها، بل يقابلونها بعدم مبالاة واستهزاء وهو ما يعد أحد أهم أسباب حدوث غرق الأطفال وموتهم غرقا باعتبارهم الفئة الأكثرعرضة للغرق خاصة القصر الذين لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة والذين يقصدون الشواطئ بمفردهم أو رفقة أصدقائهم ليجدوا حريتهم الكاملة في السباحة والتباهي بالتعالي على الأمواج ، دون الانتباه إلى المخاطر التي يتعرضون إليها أثناء التنافس على ألعاب البحر بعيدا عن رقابة الأولياء الذين يغفلون عنهم ويتركونهم يدخلون البحر دون متابعتهم و تقديم توجيهات لهم . إذ باتت شواطئ العاصمة تعرف توافدا كبيرا من الأطفال الصغار والمراهقين القادمين من مناطق عدة وحتى من الولايات المجاورة . ------------------------------------------------------------------------ ''أفواج الأطفال تغزو شواطئ العاصمة باكرا '' ------------------------------------------------------------------------ ''نحن إخوة، جيران و أصدقاء نأتي كل يوم للسباحة في الشاطئ مند الصباح الباكر'' عبارة واحدة نطق بها لسان أغلب الأطفال الذين التقينا بهم في معظم الشواطئ التي زرناها. ومن شاطئ '' الصخرة الكبرى'' و ''الشباب '' و ''لاسيكا'' و''البحر المتوسط '' بعين البنيان مرور بشاطئ ''الكيتاني'' بباب الوادي و وصولا إلى شاطئ''تمنفوست'' ببلدية المرسى و ''سركوف'' بعين طاية كلها شواطئ تختلف في المكان و في عدد المصطافين. إلا أنها تشترك في الصورة التي تتمثل أساسا في الكم الهائل للأطفال الصغار والمراهقين الذين اعتادوا الذهاب إلى الشواطئ دون الأهل ليعرضوا بذلك أنفسهم إلى كل أنواع المخاطر التي تحدق بهم مقابل نزهة بحرية قد يدفعون حياتهم ثمنا لها خاصة إذا اختاروا الشواطئ غير المحروسة . وأمام التهور الذي يميز فئة الشباب ويطبع تصرفاتهم وسط المنافسات الحادة التي يخاطرون بها، تلك هي الصورة التي تكررت كلما وطئت أرجلنا الشاطئ لنجد عددا هائلا منهم يسبحون في كل مكان، بل وسط الصخور العالية التي يتكبدون نتيجتها جروحا تنزف من أرجلهم الصغيرة مع كل محاولة للرمي بأنفسهم في الماء. اقتربنا من مجموعة من هؤلاء الأطفال الذين كانوا يتنافسون على المكان، وتكلمنا مع عبدالحميد 14 سنة ، خير الدين 15 سنة عبد الحق 12 سنة وهم من الأطفال الذين اعتادوا السباحة في شاطئ الصخرة الكبرى بحكم أنه الشاطئ القريب من منزلهم. وبذلك لا يتحملون عبئ المصروف من مأكل ومشرب حتى يتفرغوا للسباحة والاستمتاع بالمخاطرة على حد قولهم ، وغير بعيد عن هذه المجموعة أثار انتباهنا عدد كبير من الأطفال الذين كانوا مجتمعين أمام الميناء''لاسيكا'' ليتسابقوا على السباحة وسط زيوت زوارق الصيد . اقتربنا من المكان و ألقينا نظرة على تلك المياه التي يغطس فيها هؤلاء الأطفال . إذ وجدنا الزيوت تطفو عليها وقد غيرت لون المياه إلى الأسود الداكن والأحجار الكبيرة مغروسة تحتها. سألنا الأطفال عن سبب تفضيلهم الغطس في هذا المكان فأجابوا أنه المكان المفضل لديهم، وهو المكان الذي لا يكثر فيه الناس . أما عن تلك الزيوت فكان ردهم أنها توجد على حواف الماء أين ترسو السفن. مضيفين أنهم يتفادون السباحة بالقرب من السفن خوفا من إقلاعها المفاجئ، بل يحاولون السباحة بالتراجع لمسافة معينة للخلف ثم يتقدمون بالركض ليلقوا بأنفسهم في البحر وبذلك يكونوا قد ابتعدوا عن أماكن تلك الزيوت. أما الأطفال الذين لا يجيدون السباحة جيدا . فهناك تقنية يتخذونها لتعليمهم وذلك بإفراغ قارورتين من المياه المعدنية وإدخالها تحت سروال السباحة حتى تساعدهم بأن يطفوا على السطح بدل الغرق، وهي تجربة تعلموها من دروس الفيزياء . ------------------------------------------------------------------------ قفة البحر غير مكلفة .. لكنها غير صحية ------------------------------------------------------------------------ ككل صباح تمتلئ محطات نقل المسافرين على آخرها بأطفال يغزون الشواطئ بعد انقضاء مسافة الطريق لينتشروا بعدها زرافات ووحدانا في مكان يمنحهم الانتعاش لكنه محفوف بالأخطار وسط غياب رقابة الأهل. إذ تجدهم على أهبة الاستعداد ومن الساعات الأولى لطلوع الشمس محملين بكل ما يلزمهم لقضاء يومهم رفقة أصدقائهم، عازمين أن لا يرجعوا إلى بيوتهم إلا مع غروب الشمس، برنامج يدوم طيلة أيام الأسبوع. رغم أنه برنامج واحد ووجهة واحدة نحو شاطئ البحر. محملين بالقفة التي تتوفر في العديد من الأحيان على ''الكشير ،الباتي ، الخبز ، الماء البارد ، الجبن ، العصير ''، وغيرها من المأكولات التي يعزم هؤلاء الأطفال على تحضيرها في البيت حتى تمنحهم قوة مواصلة السباحة طول اليوم . وبذلك يخففون على أنفسهم أعباء المصروف، وليد، سمير عبد الرحمان وغيرهم من الأطفال الدين اعتادوا على السباحة في'' شاطئ الكبير'' بعين البنيان وفق برنامج خاص يبدأ على الساعة السابعة صباحا إلى غاية السابعة مساء ذلك هو برنامجهم اليومي بحكم أن الشاطئ قريب من منزلهم الذي لا يبعد إلا بضعة أمتار غير أن أولياءهم لا يرافقونهم بتاتا . بل يتركونهم لوحدهم يتصارعون مع الأمواج، وعن كيفية التحضير لمثل هذه الخرجات أجاب وليد : ''استيقظ باكراً أنا و إخوتي الأربعة عندما نقرر الذهاب إلى الشاطئ وتحضر لنا أمنا الأكل ثم نمشي مسافة 30 دقيقة للوصول إلى الشاطئ ثم نسبح ونحن نفضل الصخور والميناء . لأننا نسبح فيه بحرية بحيث لا تكون فيه زحمة الناس كما نتناوب عن السباحة لأن أحد إخوتي يبقى ليحرص الملابس . وبهذا نسبح كلنا بالدور . أما رشيد فهو طفل أتى من بلدية الشراقة رفقة أصدقائه ليلتقوا في الشاطئ الذي يحددون الذهاب إليه مسبقا ليمضوا كل النهار في البحر في اللعب والمرح ضاربين عرض الحائط بكل المخاطر، وأضاف رشيد أنهم يزورون كل الشواطئ المسموحة للسباحة وغير المسموحة ، لأنهم يعرفون السباحة جيدا ، وكيف يمكن إنقاذ أنفسهم من الغرق، وبهذا يبقى الأطفال عرضة لكل الأخطار.