تعيش الجزائر حالة من “الاختناق” السياسي جراء وصول الانسداد بين السلطة والمعارضة إلى سقف لا يمكن للمشهد السياسي أن يستوعبه لمدة أطول. وأظهرت الرسالة التي بعث بها الرئيس بوتفليقة إلى الجزائريين، بمناسبة عيد النصر 19 مارس، معالم مرحلة سياسية مقبلة مغلقة، من حيث المواقف ومن حيث إحراق الطرفين أوراقهما بالكامل، ولم يبق بأيديهما مساحات لعب تسمح باستتباب الهدوء الذي دعت إليه السلطة، لكنها مرحلة تظل مفتوحة من حيث بقاء احتمال الاندفاع نحو صدام أعنف واردا، مع توفر “وقوده” المتمثل في ملفات خلاف مطروحة في هذه المرحلة بالذات وعلى رأسها الدستور والغاز الصخري. فهل تمكنت السلطة، فعلا، من رفع متاريس المعارضة لتمرر الملفين في ظروف هادئة؟ وأي مستقبل للمعارضة في ظل وضع جديد فرض عليها؟ تتخذ من رسالة “عيد النصر” وثيقة مرجعية في إدارة المرحلة المقبلة السلطة تنتقل من الدفاع إلى الهجوم دخلت السلطة مرحلة “الحزم” مع المعارضة، على مقربة من تنفيذها “تحديات” لا يروق لها أن تعترضها عوائق لا سياسية ولا اجتماعية ولا اقتصادية، لذلك لم تر حرجا من تصعيد النبرة تجاه خصوم عارضوا العهدة الرابعة مرة، وأداروا ظهرهم للدستور مرة، ورفضوا الغاز الصخري مرة ثالثة، ورسموا لأنفسهم خارطة تعليق كل ما يتأتى من السلطة، على مشجب الثقة الغائبة والمغيبة، على مدار سنوات قليلة مضت، ومعها ولت، بالنسبة للسلطة، سياسة المهادنة التي فرضتها متغيرات إقليمية خطيرة حتمت عليها لاحقا إحكام قبضتها على الجبهة الداخلية، من خلال اتباع سياسة الهجوم. أفرغ الرئيس بوتفليقة ما كان ينغص يومياته السياسية، في رسالة أرادها خارطة طريق لأسلوب تعامل مستقبلي مع خصوم رأى أنهم رفعوا سقف تصعيدهم حيال وضع يراهم فيه سببا (اتهامه إياهم بتيئيس الشعب وزعزعة ثقته بمستقبله)، بينما يرونه هم وضعا مترديا نتاج حكمه منذ عام 1999. ومنذ وصوله إلى سدة الحكم، لم يكن الرئيس بوتفليقة مقتنعا بمستوى المعارضة القادرة على إشراك النظام في رسم سياسة البلاد، منذ تصدع الائتلاف الرئاسي الأول، بعد ترسيم الطلاق بين الأرسيدي والسلطة غداة أحداث القبائل أفريل 2001، وما تلا تلك المرحلة من مسار “أعرج” ومتقلب للطبقة السياسية، بين الموالاة والممانعة، بينما ارتسمت صورة للمعارضة لدى النظام أن رياح التغيير التي هبت بعد أحداث أكتوبر 88 أنتجت أحزابا سارت بسفينة التعددية على اليابسة، وحاليا تعتبر أن من يرى نفسه في موقع يكفل له، شرعا وقانونا ودستورا، أحقية إشراك النظام في الحكم، عبر السلطة المضادة (المعارضة)، صار يمثل خطرا على الأمن الوطني، وزج بهذا الموقف في عرض رسالة رئيس حملت تحذيرا غير معهود، حتى وإن كان الرئيس بوتفليقة استبق إلى تحذيرات مبطنة تجاه خصومه، في خطابه قبيل رئاسيات 17 أفريل الماضي، وهو يعزي ضحايا الطائرة العسكرية التي سقطت بجبل الفرطاس بأم البواقي، حينما دعا المعارضة إلى النأي بالجيش والمخابرات عن حلبة الصراع السياسي، في أوج الجدل حول “صراع الرئاسة والمخابرات” على مقربة من الرئاسيات. ويشير توجه السلطة التي تعتمد رسالة الرئيس بمناسبة عيد النصر 19 مارس، وثيقة مرجعية في إدارة المرحلة السياسية المقبلة والحاسمة بالنسبة لها، إلى رغبة في إخلاء الطريق من متاريس المعارضة، تحسبا لإنزال وثيقة تعديل الدستور للبرلمان، بما يتناقله برلمانيون من أن رئيس المجلس الشعبي الوطني دعا نوابه بمكتبه إلى التحضر لاستقبال الوثيقة، على مقربة من استدعاء الرئيس لاجتماع الغرفتين، بهدف تمرير الدستور الجديد وبه 47 تعديلا، مثلما ورد في الوثيقة الأولية التي دعا فيها بوتفليقة المعارضة إلى إثرائها ولم تفعل، لاعتبارها أن “الدستور لم يعد أولوية”. ومع أنه من الناحية الإجرائية لا حاجة لكسب ود نواب المعارضة (الأقلية)، لضمان تمرير الدستور الجديد، طالما أن المتحكم بزمام البرلمان بيده الأغلبية، إلا أن ارتباط المرحلة بملفات أخرى تبدو أكثر أهمية قياسا باللغط السياسي والإعلامي الذي رافقها، يجعل من التحكم بزمام الأمور بمثابة حتمية، ويتعلق الأمر بملف الغاز الصخري الذي أشعل عين صالح ومناطق عدة من الجنوب، ومن حيث رادف تحذيرات السلطة في رسالة “النصر” إقرار بعدم الرجوع عن استغلال الغاز الصخري، وبصم على ذلك، قبلا، الوزير الأول عبد المالك سلال، وزادت عليه، أول أمس، وزيرة البيئة، دليلة بوجمعة من بومرداس. الجزائر: محمد شراق
حوار القيادي في الأفالان، عبد الرحمن بلعياط، ل”الخبر” “ليس مطلوبا من بوتفليقة أن يقدم عطرا للمعارضة” هل توافقون القراءات التي رأت في رسالة الرئيس تهديدا للمعارضة؟ استغربنا من ردود فعل المعارضة حول مضمون رسالة الرئيس في عيد النصر، لأن قراءتنا المتأنية لها لم تتبين أي تهديد أو تخويف، وهذا دليل ضعف في المعارضة لأن الواثق من نفسه والجاد في عمله لا يرعبه مجرد حديث الرئيس عنه. الرئيس له كل الحق أن يقيم ما يجري في الحياة السياسية كما لمعارضيه الحق في تقييمه وانتقاده بما يتجاوز الحدود أحيانا، وهو بذلك يقوم بدوره وصلاحياته وفق القانون والدستور والإرادة الشعبية التي انتخبته. الرئيس لم يأمر بتكميم الأفواه أو تجريد المعارضة من حقها في العمل السياسي أو غلق الصحف، بل على عكس ذلك، ازدادت المعارضة شراسة وعنفا كلاميا بعد رسالة الرئيس. في النهاية ما تقوم به المعارضة من تهويل هو زوبعة عابرة في فنجان، لا ينبغي أن يأخذ أكثر من حجمه، في وقت ينتظر أن يقدم الرئيس الدستور للبرلمان من أجل المناقشة. أعتقد أن لغة الحسم في رسالة الرئيس كانت واضحة وتتعلق بالناحية الأمنية في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها دول الجوار. أما الجبهة الداخلية، فتعرف قطاعات منها توترا مثل التعليم وغير ذلك، والرئيس، من خلال التحذير الذي أطلقه، يريد التنبيه إلى أن الوضع لا يحتمل مزيدا من صب الزيت على النار ويتطلب هدوءا من أجل التفرغ لحل هذه المشاكل. لكن هناك إشارات في الخطاب رآها البعض لا تناسب مقام الرئيس الذي يفترض أن يكون جامعا؟ هناك تعريف كنت أدرسه لما كنت أستاذا للقانون الدستوري في المدرسة الوطنية للإدارة، يقول إن الدستور هو تعبير قانوني لموازين القوى بين الأطراف السياسية. والرئيس بكل صلاحياته ومساره السياسي هو واحد من الفاعلين السياسيين الأساسيين، إذن لا ينتظر منه دائما أن يقول كلاما يرضي الجميع، وهذا حال الرؤساء قبله، فالرئيس زروال مثلا كان يهاجم صراحة من لا يتفق مع مقاربته في محاربة الإرهاب، وكذلك بومدين كان لا يتردد في انتقاد معارضيه في زمن الحزب الواحد. المعارضة لا ينبغي أن تنتظر من الرئيس أن يأتي لها بالعطور ويحدثها بكلام المسجد، فالسياسة تقتضي أحيانا المواجهة وهذه طبيعتها. تحاليل رأت في الخطاب تكريسا لقطيعة نهائية بين السلطة والمعارضة، ما رأيك؟ لا أعتقد أن الرئيس بتجربته وفي ظل الوضع الحالي يريد أن يغلق باب الحوار. وفي الواقع، الحوار قائم بين كل من يتعاطى السياسة في البلد، بين السلطة التي يمثلها الرئيس والحكومة، وبين الأحزاب التي يعتبر الأفالان أكبرها تمثيلا في المجالس المنتخبة، وهو ليس حزب موالاة كما يصوره البعض، بل حزب الأغلبية الشعبية. كما لا أظن أن المعارضة بأطيافها المختلفة قد فهمت في رسالة الرئيس إقفالا للحوار، فالأفافاس وحمس مثلا يطلبان الحوار. الجزائر: حاوره محمد سيدمو رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، ل”الخبر” “إذا أراد الرئيس المواجهة مع المعارضة فسيعمق من أزمته” هل بلغت القطيعة بين السلطة والمعارضة خط اللارجعة برسالة الرئيس الأخيرة؟ لا يمكن الحديث عن الرجعة أو اللارجعة، يتعلق الأمر في السياسة إما برشد السياسيين أو بموازين القوى. فإن توفر في بلد ما سياسيون راشدون في السلطة وفي المعارضة، فإنه مهما بلغ التباعد يعود الطرفان للحوار الجاد والفعلي والمسؤول حينما يتعلق الأمر بمصلحة البلد وخاصة حينما تتعاظم المخاطر، أما إذا ابتلي البلد بسياسيين غير راشدين بسبب خفة العقل والغباء وانعدام الكفاءة بما لا يساعد علي فهم المخاطر التي تحيط بالبلد، أو بسبب فساد الضمير الذي يؤدي للفساد أو للعمالة، فإن اللقاء يصبح غير ممكن، وأتصور أن المعارضة أعطت كل الإشارات الإيجابية وبقي المشكل عند السلطة التي تتمسك بنظرتها الفوقية للحل. في حال غياب الرشد السياسي الذي تتحدثون عنه، كيف يتوقع أن تتطور الأمور؟ حين يغيب الرشد يصبح التعويل علىي تطور ميزان القوى للوصول إلى التوافق، وأعتقد أن المعارضة تتقدم وتحقق نقاطا تلو النقاط، لاسيما أن ثمة تطورات اقتصادية واجتماعية وداخل نظام الحكم ذاته تدفع لتطور ميزان القوى لصالح المعارضة. أرجو أن نصل إلىي التوازن المفيد قبل أن يقع الانكسار وينحرف البلد كله لما لا تحمد عقباه، وفق ما يتوقعه كثير من الخبراء، إن لم يقع الإصلاح والتغيير. كيف تتوقعون أن تترجم تهديدات رسالة الرئيس الأخيرة على الميدان؟ لا أريى كيف تترجم هذه التهديدات علي أرض الواقع، فالمعارضة لم تتصرف خارج الإطار السياسي المعمول به في العالم، وعلىي عكس ذلك خطابها يدعو للمحافظة علىي البلد ومصالحه واستقراره، وهي لا تتوقف عن التحذير بأن سياسات وتصرفات النظام السياسي هي التي تهدد البلد. وقد سعت المعارضة منذ تكتلها في إطار تنسيقية الانتقال الديمقراطي ثم هيئة التشاور والمتابعة إلى بلورة رؤية سياسية تدعو إلى الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه بين السلطة والمعارضة، وفق ضوابط وآليات متعارف عليها، بما يجنب البلاد أي مخاطر ناجمة عن بقية أنماط التغيير غير المتحكم فيها. أما إذا أراد الرئيس أو الذين يشتغلون باسمه المواجهة مع المعارضة خارج إطار القانون، فإنهم سيضيفون لأنفسهم أعباء أخريى تعمق أزمتهم، ونحن كجزء من المعارضة لنا كامل الاستعداد لتحمل كامل مسؤوليتنا لمصلحة بلدنا. ما هي تداعيات فتح السلطة جبهة داخلية مع المعارضة في ظل التحديات الخارجية الموجودة؟ أعتقد أن الأوضاع المتأزمة في محيطنا الخارجي، خاصة في بعض الدول المجاورة التي تعاني من الاضطرابات السياسية والأمنية، تتطلب رص الجبهة الداخلية. ولا شك أن هذا التهديد يعطي رسائل سلبية للخارج ليست في مصلحة البلد، ويعطي إيحاءات داخلية تؤثر سلبا علىي الاقتصاد وعلىي منسوب الثقة وعلىي الاستقرار الاجتماعي. الجزائر: حاوره محمد سيدمو