لم يعد عمل المرأة الآن مشكلة في المجتمع الجزائري، حيث أن الظروف الصعبة حررت الذهنيات وخلصتها من المعتقدات التقليدية التي كانت تمانع انضمام الجنس اللطيف إلى عالم الشغل.. إنما الأسئلة المطروحة حاليا مفادها: ما الدافع الحقيقي لخروج النساء للعمل؟ وهل يعملن في أجواء ملائمة؟ فهناك من يتحدث عن قناعات لدى النساء بضرورة العمل من أجل تحقيق الذات، وهناك من يعتقد أن خروج النساء بنسبة جد ملحوظة للعمل هذه الأيام يعود لظروف اقتصادية بالدرجة الأولى لا علاقة له بما يتحدث عنه دعاة تشجيع المرأة على المساهمة في التنمية الاقتصادية.''المساء'' استطلعت آراء مجموعة من النساء العاملات وغير العاملات. رغم أن الظاهر العام يوحي بأن عمل المرأة فرضته زيادة المتطلبات الأسرية في ظل ارتفاع نفقات المعيشة؛ إلا أن الهدف بحسب ما أظهره الاستطلاع يختلف من امرأة لأخرى، فبعضهن يسعين للحصول على وظيفة بشق الأنفس ويبحثن عن الواسطة للإلتحاق بسوق العمل، وبعض الطالبات يؤرقهن التفكير في شبح البطالة، لأنهن لا يتقبلن فكرة المكوث في البيت. الزوج المقتدر يسقط رغبة العمل كان لنا حديث مع بعض النسوة اللواتي لم يلجن عالم الشغل، وممن انسحبن منه بعد تجربة دامت سنوات، البداية كانت مع الطالبة ''إيمان'' التي تدرس تخصص المحاسبة والتسيير: ''لا تستهويني فكرة العمل إطلاقا، أنا أطمح أن أتزوج برجل مقتدر ماليا كي لا تضطرني الظروف للعمل لأتمكن من أداء واجبي كزوجة وكأم على أتم وجه، فمعاناة المرأة العاملة لا تخفى على أحد منا وتأثير ذلك على تربية النشء تجعلني أفكر بمنطق التقسيم التقليدي للعمل الرجل في الخارج والمرأة في البيت." الآنسة ''دليلة. أ'' أيضا من أنصار فكرة أن مكوث المرأة في البيت أفضل خاصة بعد الزواج نظرا للضغوطات الخارجية الكثيرة التي تعترضها في الخارج، بدءا بمشكل وسائل النقل وانتهاء بتشتت ذهنها بين الواجبات المنزلية والالتزامات المهنية.. صحيح أن البطالة على المدى الطويل مرهقة، وأنا شخصيا آمل أن أجد عملا ألبي بواسطته احتياجاتي حتى لا أكون عبئا على والدي المتقاعد، لكن لو يرزقني الله بزوج صالح قوام لن أفكر إطلاقا في البحث عن وظيفة لن أجني منها سوى النكد وتضاعف المسؤوليات''. السيدة ''ربيعة.س'' (أم لطفلين) تقول قبل الزواج كنت أعمل في إحدى السفارات لأعيل نفسي وأساعد والدتي التي عانت كثيرا من أجلنا بعد وفاة والدي، لكن بمجرد أن تمت خطبتي توقفت عن العمل لأتفرغ بعد الزواج لمسؤولية إدارة شؤون بيت زوجي وتربية الأبناء طالما أن المال الذي كنت أعمل من أجل جنيه أصبح متوفرا والحمد لله.. لقد تخلصت من نكد مزاحمة الرجال في وسائل النقل." ومن ناحية أخرى تشارك في الموضوع السيدة ''حسيبة.ك'' تعمل في الحقل الإعلامي: ''أنا أعمل نتيجة ارتفاع نفقات المعيشة، وهو برأيي حال السواد الأعظم من النساء العاملات.. فلو كنت أملك سكنا لما خرجت لميدان العمل، لأن هذا الأخير حرم صغاري من متطلبات الرعاية النفسية والعاطفية والغذائية اللازمة، وأدخلني في دوامة من الضغط، لاسيما وأننا لا ننعم بالظروف الملائمة في العمل على غرار بعض الدول المتقدمة." وتتابع ''الحقيقة أن قانون العمل الجزائري منح للمرأة عدة حقوق للحفاظ على منصب عملها، ولهذا يمكن القول إننا في الجزائر محظوظات كوننا نتقاضى نفس الراتب والرجال، خلافا لما هو سائد في بعض الدول الاخرى، لكن المشكلة تكمن في النظرة القاصرة لبعض أرباب العمل - خاصة على مستوى القطاع الخاص - والتي تعتبر المرأة عنصرا معرقلا لسير عمل المؤسسات يجب تحاشي توظيفه، وأنا شخصيا أعرف حالات تم فسخ عقد عملهن بمجرد الحمل.. وهذا إجحاف في حق المرأة مربية أجيال المستقبل." ويتجلى من خلال هذه التصريحات أن انعكاسات تجربة المرأة العاملة أثرت سلبا على وجهة نظر بعض النساء بخصوص العمل، حيث ينظرن إلى آثاره السلبية على الأسرة وتربية الأبناء، خاصة وأن التقسيم التقليدي للعمل يسمح للرجل بالتفرغ لأعماله الخاصة أو أصدقائه بحرية دون المساهمة في تسيير شؤون المنزل، مما يثقل كاهل العديد من النساء العاملات، حيث أصبحت حياتهن تفتقر إلى الهدوء وروح التفاعل الأسري الضرورية لتوطيد التماسك، وذلك لكثرة الأعباء الواقعة على عاتقهن على الصعيدين. بين إثبات الذات والاستقلالية المالية وخلافا للنسوة اللواتي ينظرن إلى العمل على أنه وسيلة لجني المال فحسب، تنتفي حجتها بمجرد أن يرسل القدر فارس الأحلام المقتدر ماليا إلى المرأة، تعتنق نساء أخريات فكرة أن العمل وسيلة لإثبات الذات من خلال تفجير القدرات الكامنة استثمار القدرات العلمية. وفي هذا الشأن تقول الطالبة ''سهيلة'' (تدرس تخصص المحاسبة): ''اخترت هذا التخصص بمحض إرادتي ولن أتوانى عن العمل في هذا المجال بمجرد أن تتاح لي الفرصة بعد التخرج.. صراحة أنا بحاجة لعمل يوفر مصروف حياتي اليومية، لكن ليست الحاجة المادية الدافع الوحيد لأنه حتى ولو كنت أعيش في وسط عائلي قادر على تأمين متطلباتي كافة لن أتخلى عن فكرة الانضمام إلى سوق العمل "..وتشاطرها الرأي صديقتها ''موني'' - تدرس تخصص الإعلام الآلي - التي تتمنى أن تجد منصب عمل في سلك التعليم. السيدة ''هناء''، موظفة في مؤسسة عمومية، تقر بأن طرد الاكتئاب الذي يتولد من الفراغ ورفع المعنويات والتخلص من التبعية المالية للرجل أهداف تسبق الحاجة لجني المال.. وتوضح: ''العمل بالنسبة لي تحد رفعته حتى لا يذهب مشواري الدراسي هباء منثورا رغم أنه صعب في وجود أبناء يحتاجون إلى رعاية، خاصة وأننا لا نجد نحن الأمهات العاملات من يراعي ظروفنا فبمجرد أن نتأخر قليلا بسبب مرض أحد الأبناء يخصم منا أجر اليوم وقس على ذلك في أمور أخرى.. ولحسن الحظ مقر عملي لا يبعد كثيرا عن مقر سكني وإلا أصبح العمل مستحيلا، غير أن الأسوأ يكمن في أن كثيرين يتعاملون مع الأمهات العاملات على أنهن عبء على مؤسسات العمل رغم أن القوانين تنصفهن وتمنحهن حقوقهن التي تخول لهن الحفاظ على منصب شغلهن، لكن للأسف شتان مابين النصوص القانونية والواقع. فأنا شخصيا تم انزال رتبة عملي مباشرة بعد أن استأنفت العمل بعد عطلة الأمومة، حاولت بشتى الطرق استرجاع منصبي لكن دون جدوى، ورغم كل شيء لم أتخل عن العمل" . ويبدو من خلال بعض الآراء المسجلة أن عمل المرأة لم يعد اختياريا في كثير من الأحيان بسبب الأوضاع الاقتصادية الضاغطة لتحقيق الاستقلال الاقتصادي، وهو أمر ينطبق حتى على العديد من النساء الراغبات في استثمار قدراتهن وطاقاتهن العلمية، لكنهن في المقابل عرضة لفقدان الوظيفة أكثر من الرجل رغم أنه لاشك في أن المرأة تختلف بيولوجيا عن الرجل، وبالتالي لها وضعها الخاص، إذ تمر بها العادة الشهرية وتحمل الجنين لمدة تسعة أشهر، لذا تجب مراعاة ظروفها الصحية، لاسيما وأنها تقوم بدور كبير في المنزل لتأمين الاستقرار والنمو السليم لأجيال المستقبل. المرأة العاملة أكثر عرضة للطرد التعسفي وتبدي المحامية ''س.ك'' رأيها في الموضوع بالقول ''عدة قضايا تعالجها العدالة تتعلق بالطرد التعسفي الذي كثيرا ما تكون ضحيته الأمهات، لاسيما في القطاع الخاص، حيث يصطنع أرباب العمل الأعذار كعدم أداء الواجب المهني بكفاءة، وهو واقع تعاني منه العديد من النساء بمجرد ممارسة حقهن في الأمومة'' وتضيف: ''برأيي فإن هذا الأمر يعتبره بعض أرباب العمل خسارة لعنصر تطلب تكوينه وتأهيله عدة سنوات فعندما تلجأ المرأة إلى الحصول على حقها في التفرغ لتربية الأطفال اعتمادا على الحق القانوني الذي يخول لها التوقف لمدة خمس سنوات، فالمنصب الشاغر الذي تخلفه يعد بمثابة مشكلة بالنسبة لبعض أرباب العمل يجدون أنفسهم أمام إشكال العثور على موظف بديل يحمل نفس الدرجة من الكفاءة والمؤهلات، ولهذا يميل بعضهم إلى الأعذار للحيلولة دون توظيف العنصر النسوي، وبالتالي تجنب خسارة الاستثمار في تكوينه." وعن وجهة نظرها الشخصية بخصوص العمل تقر أنه لا يمكنها أن تفرط في عملها حتى ولو كانت مؤمنة ماديا من منطلق أن المرأة المتعلمة لا ينحصر اهتماماتها في المجال المادي فحسب، إنما تضع نصب عينيها هدف خدمة المجتمع قبل أي شيء. انسحاب المرأة من عالم الشغل خسارة للاقتصاد وتقول رئيسة المرصد الجزائري للمرأة السيدة جادى الشائعة جعفري: ''إن المرأة شريك حيوي في المجال الاقتصادي تمثل مابين 9 و11 بالمائة من اقتصاد الوطن، خاصة وأنها اقتحمت مختلف الميادين التي كانت فيما مضى حكرا على الرجل، وإن انسحاب المرأة من ميدان العمل بعد سنوات من التكوين واكتساب الخبرات خسارة للتنمية الاقتصادية وإذا كانت بعض العاملات ينسحبن من الحياة المهنية عن قناعة شخصية للتفرغ لتربية الأبناء، فإن بعضهن يضطررن لذلك تحت ضغط ظروف العمل غير الملائمة. وترى رئيسة المرصد الجزائري للمرأة أنه لابد من توفير الوسائل والأرضية الملائمة لتحافظ المرأة على منصبها وتنجح على الصعيدين الداخلي والخارجي.. والأهم القضاء على الذهنية التي تنظر إلى المرأة كعامل معرقل في ميدان العمل، لأن التجربة الواقعية أظهرت أن المرأة أكثر مرودية وأكثر انضباطا وأقل فسادا من الرجل. وتضيف محدثة ''المساء'': ''لو توفرت للمرأة العاملة الشروط اللازمة لتمكنت من الحفاظ على منصبها على غرار ما هو جار في الدول المتقدمة، حيث تشغل بعض النساء مناصب عليا بارتياح بسبب توفير الظروف الملائمة لأداء واجبهن على غرار إنشاء دور للحضانة في مقرات العمل، الأمر الذي يحول دون تشتت ذهن المرأة، وبالتالي تحقيق مردود كبير." الظروف غير الملائمة عندنا تؤثر كثيرا على حياة المرأة العاملة، ومن نتائج ذلك تخلي نسبة كبيرة من الأمهات عن الرضاعة الطبيعية، والواقع أن القانون يحمي المرأة من ضياع عملها بسبب تربية الأبناء، حيث يخول لها الحصول على عطلة لمدة خمس سنوات، لكن كثيرات يجهلن هذه الحقوق التي يخولها لهن القانون. بحسب المصدر. وجاء في معرض حديث السيدة جادى الشائعة جعفري أنه يجب تطبيق أنظمة عمل تتناسب مع طبيعة المرأة. وبهذا الخصوص يذكر أن المرصد الجزائري للمرأة طالب وزارة العمل والضمان الاجتماعي بتمديد فترة الرضاعة من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وهو مشروع قانون قيد الدراسة. وعلى صعيد آخر فإن أهم تحد يجب أن ترفعه المرأة العاملة هو التعرف على حقوقها لتطالب بها، ونحن كهيئة وطنية نطالب بحماية المرأة العاملة في العمل وتوفير الأجواء اللازمة لتتمكن من أداء عملها بارتياح تؤكد رئيسة المرصد.