جاء في بيان لمنظمة الصحة العالمية بمناسبة اليوم العالمي لمنع الانتحار(10 سبتمبر2007) أن ثمة أكثر من 3000 شخص يقدمون على الانتحار يوميا، بمعدل شخص كل نصف ساعة. ومقابل كل حالة انتحار هناك أكثر من 20 شخصا يحاولون الانتحار بطرق شتى. وقد شهدت معدلات الانتحار في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الدول النامية ارتفاعا مخيفا تجاوز نسبة 60 في المائة. وإذا كانت الأرقام التي تصدرها الجهات المختصة حول حالات الانتحار في الجزائر تحبس الأنفاس وتؤكد أن وضع الجزائريين لا يبعث على الارتياح، فإن الحقيقة أدهى وأمر. ذلك لأن تلك الأرقام وإن كانت مهولة فإنها مجتزءة تقتصر على الحالات التي يعمد فيها الشخص إلى وضع حد لحياته مباشرة، ولا تأخذ بعين الاعتبار كافة أنواع الانتحار خاصة تلك التي قد نسميها حالات غير مباشرة للانتحار لأنها تؤدي في آخر المطاف إلى نفس المآل. *الشباب وفلسفة الموت بمعدل 130 حالة انتحار مباشر، ومثلها من المحاولات في السنة يكون الجزائريون من بين أكثر الشعوب رغبة في الموت. والأخطر من ذلك أن نسبة كبيرة من المنتحرين والراغبين في ذلك من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 سنة. صحيح أن أكبر نسبة في ذلك متفشية في أوساط البطالين (أكثر من ستين في المائة)، لكن ثمة من المنتحرين من هم أطباء ومهندسون وطلبة ومنهم من الإناث أيضا. إلا أن هذه التفاصيل لا تهم كثيرا بمعزل عن البقية الباقية من أصناف المنتحرين. وإذا جمعنا مع هذه الأرقام الأعداد الهائلة من المنتحرين بطريقة غير مباشرة من "الحراقة" الذين يشقون عباب البحر على متن زوارق خشبية أو مطاطية تلقي بهم في أعالي البحار، والذين يفجرون أنفسهم بالأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة، أو المنتحرين انتحارا مؤجلا أو مع وقف التنفيذ من الملتحقين بالجماعات الإجرامية. عندها سنكون أمام وضع لا يمكن تقدير خطورته لأن التأمل فيه يحيلنا على استنتاج لا يبدو أن أحدا يريد أن يفكر فيه وهو أن الجزائر كمجتمع أصبح مهدد فعليا بهذه الظاهرة وأن معظم شبابه أصبح سجين فلسفة الموت. *عُرف السبب ولم يبطل العجب ما الذي يدفع الجزائريين إلى اختيار هذا المخرج الدامي، أو البحث عن مخرج بهذه الطريقة المميتة؟ سؤال من هذا القبيل لم يعد غريبا ولا مستعصيا فالجميع يعرف لماذا يهرب الجزائريون من الجزائر ومن الحياة برمتها، سواء باتجاه بطن الحوت أو حبل المشنقة أو بالقفز من على جسر أو بتفجير أنفسهم. السؤال الجدير بالطرح والذي لا يزال ينتظر الإجابة العملية ما السبيل إلى وقف هذه المأساة، ومتى التكفل بها كأولوية وطنية لأن الأمر يتعلق بالنفس التي حرم الله. كل التقارير والدراسات والبحوث تشير إلى جملة من الأمراض والآفات الاجتماعية التي تدفع الجزائريين إلى تنفيذ حكم الإعدام في أنفسهم. وقد بلغت تلك التقارير درجات متقدمة من الدقة والعلمية ما يتيح سهولة التكفل بهذه الظاهرة، ومعالجة هذا الوباء المستشري، بمجرد توفر الإرادة العملية والصادقة في تمكين الجزائريين من خيار آخر غير الموت. *استمرار الانتحار جريمة أخرى وكما أن دواء الأوبئة والأمراض المعدية والأمراض العتيقة هو التلقيح والعقاقير وغيرها من المستحضرات والوقاية أيضا، فإن دواء البطالة التي تفتك بأرواح الجزائريين هو توفير مناصب الشغل. وسوء الأوضاع المعيشية دواؤها تحسينها. والرسوب في الدراسة علاجه توفير آفاق جديدة أخرى. والانهيار العصبي الذي عادة ما يكون مرحلة انتقالية نحو الانتحار دواؤه إلى جانب ما سلف الوقاية أيضا بمحاولة مكافحة مسبباته التي لا تختلف عن مسببات الانتحار في معظم الأحيان. والحرقة دواؤها إيجاد بدائل وطنية تثني الشباب عن خيار الموت. إن الانتحار بمختلف صنوفه المشار إليها، وسواء اعتبر مرضا، أو جنونا، أو حكم عليه أنه جريمة يعاقب عليها القانون، أو كبيرة من الكبائر، فإنه في آخر المطاف موت "طوعي" له أسبابه، أو قتل بغير حق يفرض على المجتمع بكل فئاته والدولة بكل مؤسساتها إنقاذ المقدم عليه بكل السبل والوسائل. وكل استمرار أو تفاقم لهذه الظاهرة فهو جريمة أخرى يرتكبها كل هؤلاء القادرين على إنقاذ المنتحر ولم يفعلوا، فهي كما يسمى في القانون عدم نجدة شخص في خطر، وهذا لعمرك فعل تجرمه كل القوانين والأعراف الدولية والإنسانية. *الانتحار قضية وطنية وإلى أن يصبح قضية وطنية ومسألة حياة أو موت تتحكم في مستقبل البلاد القريب يناقش على كل المستويات وتتكفل به مؤسسات الدولة تماما كما تتكفل بحملات التطعيم ومحاربة الأوبئة، يبقى الانتحار وقد أصبح أحد أخطر الأوبئة التي تهدد المجتمع بالزوال هو الحل في غياب الحلول، في نظر كل هؤلاء الشباب الذين يئسوا من رحمة الله ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم، ويشعرون بالتهميش والإقصاء والظلم وانسداد الآفاق أمامهم، وفشل السياسات في الاضطلاع بهمومهم ومعاناتهم أحيانا وغياب الاهتمام في أحايين كثيرة أخرى. الكثير من الأمم تطورت بفكرها رغم تفشي ظاهرة الانتحار عندها في الأوساط المسنين إلا أنها وضعت استراتيجيات وسياسات للتعامل مع ظاهرة الانتحار مثل التعامل مع الأمراض الفتاكة تماما. في الجزائر الانتحار يهدد الحاضر والمستقبل، ويدخل أجيالا في أنفاق مظلمة باتجاه وحيدن ليكون نهاية مطاف ومآل مسار مفعم بالألم والقنوط.