·· في الصراع بين التاريخ والذاكرة والذات، نقول بأن التغيير لم يكن طفرة تاريخية، بل تتويجا لشروط اجتماعية واقتصادية ساهمت وسائل الاتصال المعاصرة بوفرتها من خلال مقاهي الأنترنت التي انتشرت على طريقة مطاعم الفصول الأربعة، فساهمت في تحطيم ثقافة الرخصة من أجل التجمع وكسر جدار الخوف من اللقاءات السرية وغيرها من أشكال التواصل التقليدية التي انهارت ·· في تاريخ الفكر الفلسفي كتب عبد الرحمن بدوي ''ربيع الفكر اليوناني''، ولكنه ألف أيضا الخريف والشتاء معتمدا على فلسفة التاريخ الألماني شبنغلر صاحب كتاب ''تدهور الحضارة الغربية''، ولكن بمراجعة تاريخ الفلسفة، وجدنا صراعا بين فلسفة الكائن ''بارنميدس'' وفلسفة الصيرورة ''هيراقليطس'' الذي اشتهر بعبارته: ''لا ينبغي أن نستحم في النهر مرتين''، وبلغتنا المعاصرة بين المحافظين والقائلين بالتجديد، ولعل ربط هذا الوصف بالعروبة يذكرنا بربيع براغ في تشيكو سلوفاكيا عام ,1968 وهذا ما يثير تساؤلات: هل أثمر التغيير السياسي هناك أزهارا أم أشواكا؟ وهل سينتج هنا ثقافة الماضي أم فكر المستقبل أو على الأقل عالم الغد؟ لقد أحدث هذا الحراك الاجتماعي جدلا في منظومة المفاهيم التي حاولت تفسير الظاهرة في إطارها الكلي، فمنهم من نعتها بالثورة ومنهم من عرفها بالانتفاضة، ومنهم من وصفها كحالة جزئية بالانقلاب والمؤامرة على الشرعية، وبين هذا وذاك من تعلّم فلسفة الإصغاء فعجّل بالإصلاح أو استجاب للمطالب الاجتماعية التي احتضنها الشارع لانعدام ثقافة التواصل بين المؤسسات، بل تجاوزت تلك المطالب أوهام وجودية تسمى جمعيات وأحزاب ومجتمع مدني، فحاورت صاحب القرار الذي انتصر لبرنامجها بصفة فورية أجهضت الطبيعة بفصولها الأربعة في زمن الإنجاب والتلاقح الاصطناعي، لأن الحصاد لم يعد مقرونا باليناير جدتي فاطنة البوزيدية -رحمها الله- كانت تحضر لنا الفواكه الجافة والحلوى في الطبق المصنوع من الحلفاء دون أن تعلم أنها تحتفل برزنامة الأمازيغية وتذكرنا بقريتها تماكسالت التي مجدت الأمن الغذائي بالاكتفاء الذاتي بالمقارنة بالمدينة الكولونيالية ''صبرة'' التي جعلت السوق مركزا في البيت بعدما كان في هامشه بل بما توفره البواخر والسفن من خيرات جعلت يوميات ابنتي وهي في مرحلتها الابتدائية تتقن صناعة خليط سلاطة الفواكه التي كنّا نسمع عنها بعودة المغتربين.. عندما عاد أبي بصفة نهائية من المهجر في نهاية السبعينيات وجدني في إحدى الأيام أراجع درسا في الجغرافيا أو التاريخ يتناول اقتصاد المغرب العربي، فقال: ''صدق الباترون صاحب العمل عندما نصحني بعدم العودة بحجة أن ميناء مرسيليا لا يستقبل سلع جزائرية''. وفي هذا الصراع بين التاريخ والذاكرة والذات، نقول بأن التغيير لم يكن طفرة تاريخية، بل تتويجا لشروط اجتماعية واقتصادية ساهمت وسائل الاتصال المعاصرة بوفرتها من خلال مقاهي الأنترنت التي انتشرت على طريقة مطاعم الفصول الأربعة، فساهمت في تحطيم ثقافة الرخصة من أجل التجمع وكسر جدار الخوف من اللقاءات السرية وغيرها من أشكال التواصل التقليدية التي انهارت عندما فرض التحديث على مجتمعات مازال أفرادها منقسمون بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، بينما عالم الحداثة (الغرب) لم يتنكر للوسائل القديمة بالمقارنة مع العناصر الجديدة من الأدوات والتقنيات، لأنه يستثمر في الماضي ويوظفه لصالح الحاضر مازال عندنا الكاتب العمومي يتكفل بشيك لا يحسن القراءة والكتابة في زمن البطاقة المغناطيسية، ومازال ساعي البريد يشتغل بدراجته الهوائية في باريس، بينما تكاد تنقرض هذه المهنة في بلادنا، والأمر نفسه يصدق على كانون أو موقد جدتي الطيني أو ذلك المصنوع في زاوية المطبخ الذي اختفى من وجودنا وتمتعت بدفئه في بلجيكا عندما زرت أحد الأصدقاء الذي يشتري الخشب مع كل فصل شتاء ويطهي الغذاء مستعملا الطاقة الكهربائية وبعبارة أخرى إن ثقافة الأحادية لم تكن رؤية سياسية فقط، بل أسلوب حياة انعكس على كل مظاهر الوجود، وهذا ما قد يفسر عجلة التغيير السريعة في بعض الدول وحركتها البطيئة في دول أخرى، وقيمتها الحضارية عند البعض وهمجيتها عند البعض الآخر، في حين وجدنا التعددية ثقافة اجتماعية في عالم الغرب بالرغم من نقائصها، لأن التنوّع يقتضي التكامل وليس التطابق، والاختلاف يراهن على التسامح والغيرية والمواطنة وليس التسلط والحزبية والعشائرية. إن عدم الوعي بالزمن هو خطيئتنا العظمى، لأنه منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) مازال البعض يناقش الإمامة والخلافة، متجاهلا التاريخ الطويل للملوك والسلاطين والتأخر الحضاري بعد ابن خلدون، ولعل مثل هذه المرجعية هي التي ترتبط بالمظاهر الشكلية ولا تنفذ إلى جواهر الأمور، لأن ثقافة التغيير تحضر في جزء من التاريخ ولا تشمل التاريخ كلّه، وفي المقابل وجدنا من يناصر التقدم بعصر التنوير، وكأن الحربين العالميتين لم تكن كافية لإعلان إفلاسه، لأن الاغتراب الثقافي هو بالدرجة الأولى عدم إدراك اللحظة التاريخية التي نوجد فيها. وفي هذا السياق، مازال البعض يعيش قبل سقوط جدار برلين يمارس الستالينية في التسيير، ومازال البعض الآخر يحلم بعصر ذهبي ولّى وانتهى أو يتحدث عن (فجر الإسلام) على حد تعبير أحمد أمين دون أن يفكر في زمن الغروب، وبين هذا وذاك تبقى بعض الجهود على طريقة بومة مينرفا تخرج إلى العالم بعدما أرخى الليل سدوله لتقول بلغة الشاعر: ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل لأن الزمن كالسيف، الزمن نقد أو مال، التداول على السلطة يلزمنا بفترة مقيدة، التنمية تقرن بمخطط سنوي، الدخول الاجتماعي مرتبط بموسم الدراسة والتعليم، يولج الليل في النهار والنهار في الليل وكانت الصلاة كتابا موقوتا، ولكن ساعة محطة القطار في مدينتي لم تعد تشتغل وساعتي اليدوية استبدلت بتلك التي يعلنها الهاتف الجيبي أو الجوال أو النقال، وهكذا نتحدث عن الربيع في زمن التسونامي والإعصار ورؤية الهلال، ولا نذكر بأن كل طلب للمعرفة هو في حد ذاته صلاة، لعلها تطور تلك الذات لفهم زمن تجزئة الأوطان وعجزها عن إغاثة الجائع أو المحاصر، ونحلم في اليقظة بالتغيير كأصحاب السبت في زمن الإستسقاء والحج النقلي بعدما تخذلنا عن الحج العقلي والصوم عن ملّذات البرلمان أو برّ الأمان متغافلين بأن تغيير النفس هو أساس تغيير القوم، وأن الجهاد الأكبر هو تربية الذات لتجعل الشارع والمقهى والسوق ومكان العمل مصليات عملية تعمل بمنهج إقرأ، لأن الحضارة الغربية جعلت الكنائس قيم لصيقة بالوجود الإنساني وليس شعائر في مكان معين وفي لحظات محدودة، وبعبارة أخرى قد لا يتحقق التغيير برفاق الدين مثلما فشل إخوان الإيديولوجيا في نظرية الإلتزام، لأن التاريخ علمنا بأن نقل الأفكار ونقل الأشياء سيّان. ولهذا يكون من الأفضل مراجعة علاقتنا بالزمن الأمازيغي والهجري والغريغوري، لأن القانون المدني انتصر للعالمية بعدما تبيّن لنا بأن الخصوصية الثقافية قد تكون سببا للإقصاء والتهميش وعاملا للتطرف والعنصرية، وأثبت فعاليته في المعاملات أي الزمن الغريغوري لتصبح الأزمنة الثقافية أي الأمازيغية والهجرية عنوانا بالمعنى الأنثروبولوجي كثيرا ما اقتصر على عطلة رسمية أو مرضية مدفوعة الأجر، ومثل هذه الإزدواجية في الذات الثقافية لا تتجلى في مؤشرات الإحتفالية وحضورها البارز بالمقارنة مع ما تحمله ذاكرتنا التاريخية ولا تعمل أيدينا على تجسيدها في الواقع من خلال الحصيلة الإبداعية التي تثمن ثقافة الإنتصار بالمعنى الأمازيغي وهجرة الأثام والشرور وكل أشكال الرشوة والمحسوبية والفساد بالمعنى الإسلامي. فهل يحررنا الزمن العالمي من ثقافة الإستبداد؟ هل مفاهيم النهضة والعدالة والتنمية والنور والحرية لن تكرر مآسي الإستغلال والتفاوت في تكافؤ الفرص والإقصاء الجهوي في زمن العدالة الإجتماعية والإشتراكية؟ إن الواقع أغنى من كل نظرية، لأن فكرة الأحادية تؤطر الفرد قبل المؤسسة والتسيير المركزي يحاصر كل ذات، قد تفكر، في أنسنة زمنها الوجودي الذي بدا ميتا أو محنطا، بعدما لم يعد يفصل بين شخصيته في العمل وحضورها بعد انتهاء الخدمة، وفي كثير من الأحيان نجد ثقافة التوريث تهيمن في التوظيف والتكوين ويتجرأ بعض هؤلاء على نقد ممارسات بوليتكية ويكرسون ما هو أخطر منها عندما يتحايلون على القانون عملا بأن الغاية تبرر الوسيلة، وكأن قذارة الطريقة لا تلوث الهدف. فتراهم يستثمروا في خيرات الدولة باسم العائلة والجهة والعشيرة وفق اعتقاد يقوم على زمن ديني أزلي وقديم، جعله البعض مفتاحا لمناقشة بداية لا ندركها وثرثرة لخاتمة لا نعرفها حتى يتقمص خلود ذاك الزمن، فيجسده بالولاء والطاعة كالتأليه، فصاروا بذلك بورجوازيون دون ثروة الأمم وامتلكوا كليات النبلاء كالحقوق والطب وأصولهم التاريخية من الفلاحين وعمال الأرض، في حين وجدنا الزمن العالمي بحلقاته التاريخية القديمة والوسيطية والحديثة والمعاصرة ينتج صفة النسبية وبؤس الإطلاقية، فكان بهذه القيم عاملا لتطوير الإنسان ونهضته، لأن كرونوس أي إله الزمن محدث في الوجود فصار حافزا للابتكار كآلهة بلاس (دياس بلاس) وآلهة كليو اللتين اقترنتا بصناعة السيارة أو أسطورة أوديب، وهي تفسر صراعنا البسيكولوجي أو إزيريس أي آلهة القمح عنوانا لمجلة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.. وهكذا بدا الوعي بالزمن هو ما يمثل حقيقة الربيع الإنساني التي قد تتجلى في أي مرحلة تاريخية، لأن المراحل السابقة تساهم في ظهورها بكيفية أو أخرى، ولا نعتقد بأن الحدث العربي ظاهرة مستقلة عن هذا التاريخ الكلي أو العام، فهل بعد سنة يحق لنا الحديث عنه؟ أليس الربيع فصل من فصول السنة فقط؟ أليس بتمجيدنا له نلغي الفصول الأخرى ودورها الحيوي في الوجود؟