هذه وقفات وقفتها مع الإسلام السياسي ممارسة ومخالطة ومطالعة، حاولت تلخيصها في هذه المقالات وإن كان فيها بعض التكرار فلتأكيد الأفكار والنظر لها في كل مرة من زاوية مختلفة، حسب ما يقتضيه المقال. الوقفة الثانية: الدين والدولة يرى تيار الإسلام السياسي أن الدولة جزء لا يتجزأ من الدين، وبالتالي فالعمل على قيامها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقي، وقد قيّض الله للأمة قادة الأحزاب الإسلامية ليقوموا بهذه المهمة الشاقة. أما بالنسبة للأتباع والأنصار، فيجب على عموم المواطنين انتخابهم والالتفاف حول برنامجهم لأجل إيصالهم لسدة الحكم، وهذا فرض عين، لا يسقط على أي ناخب مسلم، ويؤثم شرعا من لم ينتخب قوائمهم أو امتنع عن الانتخابات أصلا، لأن إسلام المرء لا يكتمل إلا بقيام دولة إسلامية تطبقه وتلوذ عنه وتكون تجسيدا له. وكما كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قرآنا يمشي، تصبح مؤسسات الدولة قرآنا راسيا، تتلاشى المحسوبية والرشوة والبيروقراطية... كلام جميل له تأثير كبير يدغدغ العواطف ويسحر النفوس، لكن الكلام شيء والحقيقة شيء آخر، فما أسهل أن تشيّد قصرا في خيالك على الرمال المتحركة أو حتى على الماء وربما مرتفعا في الهواء، إنه قصرك الطائر المضاد للجاذبية، لكن ما قيمة فكرتك على أرض الواقع وكيفية تجسيدها وتنفيذها. هل يحتاج الإسلام إلى دولة؟ وهل الدولة ركن من أركان الإسلام إذا سقطت سقط الإسلام وإن ضاعت ضاع؟ لقد اُحتلت معظم الدول الإسلامية وتعرّضت لحملات تبشيرية وحورب الإسلام في عقر داره، فشوّه وحرّف في طقوس وممارسات، منع العلماء من الإمامة واعتلاء المنابر والتدريس في حلقات العلم، كما تم نشر الأمية ومحاربة التعليم الديني الحر، لكن الإسلام لم يندثر ولم يتحلل، سقطت الخلافة الإسلامية، بل ازداد انتشار الإسلام حتى في عقر دار أشد الدول المحاربة والمعادية للإسلام... هذا يؤكد على أن الإسلام لا يزول بزوال دولة تتبناه منهجا وتختاره نظاما للحكم، وإن الإسلام كدين لا يحتاج لقيام دولة تحميه وتبقيه، لأن الذي أنزل الذِكر هو الذي تعهد بحفظه، حفظه من التحريف وحفظه من الاندثار والانقراض والزوال، والدولة ليست من طرق ووسائل حفظ الإسلام، فالدين كان ولا يزال محفوظا رغم عدم وجود دولة تحكم باسمه. المتأمل في السيرة النبوية يجد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) استمر لمدة ثلاث عشرة سنة، يدعو للإسلام، فيما يعرف بالعهد المكي، دون أن تقوم دولة للإسلام، فدولة الإسلام لم تنزل بنزول الوحي ولم تتنزل مع الوحي ولم يقل أحد إنها نزلت بعد انقطاع الوحي بوفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). قد يقول قائل إن الدولة في الإسلام ليست من شروط الأركان، لكنها من شروط التمام والكمال، فلم يكتمل الإسلام إلا بقيام دولة المدينة، ولم تتم نعمة الله إلا برفرفة رايتها، ولم يتم الرضا الرباني إلا بعد قيام دولة تدافع عن الدين وتغزو باسمه. إن الإسلام يحتاج لقاعدة صلبة للانطلاق، لكنه لا يحتاجها للبقاء، فالصاروخ يحتاج لدعائم تثبته وتوجهه وتبقيه منتصبا قبل الانطلاق، لكن عند الانطلاق تتهاوى أرضا لينطلق هو إلى الفضاء. إن الدولة ضرورة مدنية، مرحلة من مراحل العمران البشري في تطوره المستمر، بعد نظام الفردانية والعائلة والقبيلة، لكنها لم تكن أبدا ضرورة دينية، الإسلام يعيش ويتكيف مع أكبر العوالم تمدنا، كما أنه يعيش ويتكيف في الصحراء القاحلة وفي المناطق النائية وفي القطب المتجمد، إن الدين ضرورة إنسانية، تجده بوجود الإنسان في الحل والترحال سواء كان هذا الإنسان في تجمع مدني أو منعزل بدائي. وقد تتقاطع الضرورة الإنسانية مع الضرورة المدنية، وتكون هناك دائرة مشتركة بينهما، وهذا ما التبس على البعض من أن قيام دولة واجب ديني، سواء بحسن نية أو لأجل الاستثمار السياسي، لأنه آخر ما ينزع من النفس حب الرياسة. للموضوع إحالة