لم تعد قصبة الجزائر التي نتباهى بها بين الأمم آمنة اليوم، ولا حتى محمية بالشكل الذي يروي لأجيالنا مآثر وتاريخ الوجود العثماني، في فترة تعتبر من أخصب العهود التي مرت بها الجزائر، بالنظر إلى النمو الاقتصادي والاجتماعي الهام الذي اقترن بتلك الفترة، والدليل هو الهندسة المعمارية التي لا تزال صامدة وشهادة على ذلك منذ مئات السنين، تبرز رقي أفكار وإبداع أصحابها، والتي بدأت في الاندثار نتيجة عوامل طبيعية أضحت اليوم أكثر ما يهدد تواجدها، لانعدام استراتيجية فعالة ومستعجلة علها تسابق الزمن وتحمي القصبة من الاندثار. لعل الزائر للمدينة العتيقة القصبة، يلاحظ أنها تصارع البقاء وتتشبث اليوم قبل الغد بجذورها، لعلها تقاوم الزمن والطبيعة للحفاظ على تواجدها من مرض الشيخوخة الذي أصابها، الترميمات العشوائية لم تجد نفعا لإزالة آثار الكبر . كما أن للقصور الشامخة المترابطة وسط أزقتها الجميلة حكاية وحكاية مع القصبة التي تقول أغلب الروايات إن عددها تقلص بسبب غدر أيدي المستعمر، الذي حاول طمس معالم الأمة عبر هدم قصورها، في وقت تعتبر الكوارث التي حلت بالجزائر في الفترة الأخيرة من فيضانات وزلازل أهم داء ينخر جسدها المقاوم، في ظل تقاعس السلطات لإيجاد مخرج سريع لها قبل فوات الأوان، وبالتالي انهيار أهم معلم اندلعت منه شرارة الثورة بقيادة الشهيد علي لابوانت الذي دوخ المستعمر لا سيما بالأزقة التي تدعى"زنقة الشيطان" لصعوبة إيجاد مخرج لها.. وقد أدرجت القصبة ضمن سجل التراث العالمي من طرف منظمة اليونيسكو، بناها العثمانيون في القرن 16 ميلادي، وهي مقر السلطان، اختير مقر تواجدها لتطل على البحر الأبيض المتوسط، لتكون قاعدة عسكرية مهمتها الدفاع عن القطر الجزائري كله، بنيت على طراز تركي عثماني تشبه المتاهة في تداخل أزقتها، بحيث لا يستطيع الغريب الخروج منها لوحده لوجود أزقة كثيرة مقطوعة تنتهي بأبواب المنازل، أشهرها "زنيقة العرايس" و"زنيقة مراد نزيم بك "، وفيها عدة عيون مشهورة كالعين المالحة في باب جديد وبئر جباح في قلب القصبة وزوج عيون في أسفلها، وقد تم هدم جزء منها بعد الاحتلال الفرنسي عام 1830، أرادها الداي حسين أن تكون قلعة حقيقية.
ركائز خشبية لحماية تراث فقد السياح القصبة التي تعتبر من أهم المناطق الأثرية في الجزائر لضمها العديد من القصور، مثل قصر خداوج العمياء، الرياس، وقصر الداي، بالإضافة إلى الجامع الكبير، والجامع الصغير وجامع كتشاوة، فقدت الكثير من السياح الذين هجروها لأسباب متعددة، أهمها غياب التأطير في هذا المجال والانهيارات التي لحقت بها، بالإضافة إلى الأوساخ التي باتت تطبع أزقتها ومداخلها.. ولعل أهم ما يلحظه الزائر للمدينة هي الركائز الخشبية التي أضيفت على أسقفها وأساساتها كبديل لحمايتها، وهو ما وصف من طرف السكان وبعض المهتمين بالمجال ب"البريكولاج" الذي لا يمكن له أن يقاوم قساوة الطبيعة التي تركت آثارا ظاهرة على قصبة العاصمة، التي ظلت تنتظر التفاتة السلطات، غير أن توقف المبادرات عند أول نقطة لها حال دون تطبيق مخطط حماية أهم معلم بالوطن.
561 بناية في الخانة الحمراء.. وأكثر من 100 دويرة متضررة تعيش المئات من العائلات القاطنة بأعالي القصبة ذعرا وهلعا كبيرين، في وقت تنتظر إشارة ترحيلها في أقرب وقت ممكن، وقد أكد جمال شرفي، رئيس المجلس الوطني للمهندسين المعماريين الجزائريين في تصريح سابق ل"الشروق"، على وجود 561 بناية مصنفة في الخانة الحمراء، جلها ببلدية القصبة العتيقة، تقتضي التهديم الفوري حسب ما أوردته المعاينة الأخيرة للخبرة التقنية بعد زلزال الفاتح من أوت الماضي الذي هز منطقة بولوغين بالعاصمة وما جاورها، بعدما أحدثت الهزة متوسطة الشدة ارتباكا وسط السكان، أضاف الإطار.. في حين يؤكد رشيد ايباديون "مير" القصبة، أن مصالحه تحصي حوالي 110 دويرة متضررة، منهم من تم ترحيلهم ويمكن للعدد أن يرتفع، ما يتطلب حسبه الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.
وزارة الثقافة تتحرك أخيرا كشفت وزيرة الثقافة نادية لعبيدي مؤخرا، عن تنصيب "لجنة مشتركة" بين الجزائروتركيا بداية 2015، تضم خبراء وأكاديميين، للشروع في "الخطة العملية لترميم القصبة" التي تدخل ضمن المخطط الدائم لحفظ واستصلاح القطاع المحفوظ للقصبة. وتحدثت لعبيدي في لقاء جمعها مؤخرا بالسفير التركي لدى الجزائر عدنان كتشيتشي ووالي العاصمة، تمحور حول "آليات التنفيذ المشترك" للترميم- وأكدت أن هذه اللجنة ذات الصفة "الأكاديمية والنظرية" ستجمع "وزارة الثقافة وولاية الجزائر عن الطرف الجزائري ووزارة الثقافة وربما ممثل عن ولاية اسطنبول عن الطرف التركي" لينطلق بعدها تنفيذ عمليات الترميم عن طريق وضع ورقة عمل فيما يخص ترميم القصبة، تنفيذا للمخطط الدائم لحفظ واستصلاح القطاع المحفوظ للقصبة الذي صادقت عليه الحكومة في 2012، باعتباره "المرجع"، مضيفة أن عمليات الترميم "معني بها السلطات العمومية والمجتمع المدني والشركات الخاصة والسكان، بالإضافة للخبرات الأجنبية، ما سيسمح بتبادل التجارب والمهارات، لا سيما وأن الحكومة كانت قد خصصت مبلغ 92 مليار دج ستدفع على مراحل على مدار عشر سنوات وقد استلمت وزارة الثقافة دفعة أولية بقيمة 24 مليار دج".
سفارة تركيا لا ترد أردنا معرفة آخر الإجراءات التي انطلقت فيها سفارة تركيا، بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس التركي اردوغان خلال زيارته الأخيرة للجزائر بخصوص تولي دولته العناية بمعلم يعود إلى تاريخ أجداده من حيث أشغال الترميم، غير أننا لم نتمكن من ذلك، كون مصالح السفارة لم ترد على استفساراتنا بعد توجيهنا من جهة لأخرى.