يبدو أن دق الباب الخطأ قد أضحى عادة لدى أحزاب المعارضة في الجزائر , حيث عاد أحد رؤساء هذه الأحزاب إلى دعوة قائد أركان الجيش , نائب وزير الدفاع, إلى المساهمة فيما وصفه ب*الانتقال الآمن و السلس إلى نظام ديمقراطي *, وهو المطلب الذي تقدم به من قبله أحد الشخصيات السياسية ممن تقلدوا سابقا مناصب سامية في النظام الذي يريدون تغييره بسلاسة وبمشاركة المؤسسة العسكرية ؟ بل أضحى أحد ثوابت أحزاب سياسية بعينها في ما تسميه * بتمدين النظام * في أدبياتها السياسية و تدرجه ضمن برامجها التكوينية و محاور جامعاتها الصيفية , رغم ما تتلقاه على الدوام من ردود ممن يعنيهم الأمر مباشرة و في مقدمتهم قيادة الجيش ممثلة في قائد أركان الجيش الوطني الشعبي نائب وزير الدفاع الذي اضطرته مثل هذه الدعوات إلى التأكيد مجددا بأن *المؤسسة العسكرية حريصة على النأي بنفسها عن التجاذبات السياسية في البلاد*، مضيفا في هذا الصدد *أن الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني، سيظل يحمي الجزائر، حافظاً لطابعها الجمهوري، ومتمسكاً بالمهام التي خولها له الدستور، ومهتدياً بالتعليمات والتوجيهات من قبل فخامة رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة, وزير الدفاع الوطني ,حريصا كل الحرص على النأي بنفسه عن كافة الحساسيات والحسابات السياسية* و أكد في هذا الشأن أن *قيادة الجيش الوطني الشعبي تؤمن أشد الإيمان، بأن قواتنا المسلحة قد بلغت مستوى من النضج والتمرس المهني يجعل منها مرتكزاً متيناً، لاستكمال مرحلة الاحترافية الكفيلة ببناء جيش عصري وقوي، واهباً نفسه للجزائر والجزائر فقط*. وأوضح بمناسبة ترأسه حفل تكريم أشبال الأمة المتفوقين في شهادة البكالوريا مؤخرا، مخاطبا أفراد الجيش الشعبي الوطني عبر كافة وحدات النواحي العسكرية السّت عن طريق تقنية التحاضر المرئي عن بعد، قائلا: *لقد أصبح من السنن غير الحميدة، بل أصبح من الغريب وغير المعقول، بل وحتى غير المقبول، أنه مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، سواء بالنسبة للمجلس الشعبي الوطني أو المجالس البلدية والولائية، أو فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، مع اقتراب مواعيد هذه الاستحقاقات الوطنية الهامة، وعوض أن يتم الاهتمام بالعمل على كسب ثقة الشعب الجزائري من خلال الاهتمام بانشغالاته الملحة، فعوض ذلك ترى بعض الأشخاص وبعض الأطراف يتعمدون الابتعاد عن صلب الحنكة السياسية، فالسياسة هي القدرة على التكيف مع مقتضيات الواقع، والقدرة هنا تعني حسن التعامل مع مقتضيات المصلحة الوطنية ومتطلبات تحقيقها، وهذا يستوجب بالضرورة مستوى راقيا من الأداء السياسي في جميع الأحوال والظروف*. وكان إعمال الحزم والصرامة، كل الحزم والصرامة، في الدفاع عن الجيش الوطني الشعبي واجبا دستوريا، واجبا قانونيا، واجبا شرعيا و أخلاقيا لا يجوز لا تأجيله، و لا التقاعس عنه بالرد على دعاة إقحامه في التجاذبات السياسية و المبادرات الحزبية. وهي خطوة فرضتها عوامل خارجية وداخلية, خارجية تتمثل فيما تعيشه دول الجوار من اضطرابات تبذل الجزائر قصارى جهدها لتسويتها بما يضمن عودة الأمن والاستقرار للمنطقة , ويبعد مخاطر الإرهاب عنها و عن حدودنا الجنوبية؛ وداخلية كالاحتجاجات الاجتماعية و المهنية التي تطمئن السلطات العمومية أنها تعمل للاستجابة للمطالب المعبر عنها خلالها قدر ما تتيحه الأوضاع الاقتصادية والمالية للبلاد, و معالجة المشاكل *الموضوعية* المطروحة بما تقتضيه المصالح العليا للبلاد و يصون وحدتها الترابية , ويقطع الطريق أمام من يحاول إثارة نزعات الفرقة والتعصب العنصري أو الديني أو الجهوي , أو التنموي من حيث أتى بين أبناء الجزائر. تقوية الجبهة الداخلية وتسوية كل هذه القضايا إنما تندرج في إطار تقوية الجبهة الداخلية التي تعنينا جميعا كشعب مستهدف في وحدته و أمنه و استقراره , وبالتالي من المفروض أن تنخرط الأحزاب السياسية في مسار تثبيت الأمن و تكريس الاستقرار الذي تمخض عبر عقود من جهود المصالحة الوطنية مع من كان لهم تصور سياسي مخالف لتدبير شؤون البلاد وبما يناقض ما هو قائم بمقتضى الدستور و مكرس بالإرادة الشعبية الصريحة . ويمكن اعتبار بعض مبادرات الأحزاب السياسية وما تدعو إليه استمرارا لذات التصور السياسي الذي طوته البلاد بعد عقد من المآسي والذي لا يكف أصحابه عن بث الخوف والإحباط في نفوس أبناء هذا الشعب وبناته، وإلى هد ثقتهم في الحاضر والمستقبل. غير أن ثقة الشعب كما تظهره مختلف التظاهرات الوطنية ستظل ثابتة في رجال الجيش الوطني الشعبي, في ضباطه وصف ضباطه و جنوده البواسل وكافة أسلاك الأمن الذين يدافعون عن حمى الجزائر رابضين على كل حدودها, وإلى الذين يجوبون منهم أوعار هذا الوطن وسهوله من أجل إجتثاث الإرهاب المقيت من جذوره وقطع شأفته. كما نوه رئيس الجمهورية بدور الجيش في إحدى رسائله إلى كافة القوى الوطنية التي تؤدي ما عليها من واجب تجاه الوطن والمواطن, خلافا لفئة من المواطنين فضلت التفرج على ما يجري رغم أن هذه الدولة جاءت لتخدم الشعب الجزائري برمته والذي يصبح مدينا لها، مقابل ذلك، بصونها والدفاع عنها لأن ديمومتها لا تتأتى بإخلاد مواطناتها ومواطنيها إلى الحياد أو إلى الوقوف وقفة المتفرج، في هذا الظرف الذي نرى فيه الكثيرين منا ينساقون، ويا للأسف، لأسباب مفتعلة باطلة، إلى سقوط أخلاقي، سقوط حضاري يتنافى و كل مقومات المواطنة الصادقة المسؤولة* كما جاء في ذات الرسالة. ولذا يصبح الحزم و الصرامة ضروريان لكبح جماح هذه التصرفات المهددة لمكتسبات المصالحة الوطنية, وللتماسك الاجتماعي, ولأمن واستقرار البلاد . بوابة المبادرات وموقف قيادة الجيش دعمه الوزير الأول بتصريحه للصحافة بأن * الجيش يكفيه فخراً أنه يسهر على حماية أمن البلاد والدفاع عن الحدود ومكافحة الإرهاب* و أن * المؤسسة العسكرية ليست في خدمة المناورات السياسية، وتطبيقُ الديمقراطية التعددية هي من مسؤولية السياسيين*. وهكذا تتواصل مبادرات الطرق على البوابات الخاطئة من طرف المعارضة منذ أربعة عقود طلبا لكرسي الرئاسة دون جدوى . ولا شك أن هذه الأحزاب تعرف جيدا أن أقوى المبادرات هي تلك التي تطرق بوابة الهيئة الناخبة ببرامج تقترح حلولا للمشاكل اليومية للمواطنين , اما المشاكل السياسية فقد أضحت مسؤومة لدى الجميع باستثناء أصحاب المبادرات المنساباتية .