أكدت بعض التوقعات أن قرابة الأربعين بالمائة من تجار الجزائر مزمعون الرحيل والحرقة من مهنهم الأصلية إلى مهنة أخرى موسمية، يرومون من ورائها الربح الوفير، والمال الكثير على غرار ما يؤرق الشباب الحراقة من أحلام وهم يبنون مستقبلا ورديا بعد الاستقرار في بلاد الفرنجة والعودة بعدها إلى الوطن الأم، حالهم كحال الطير تغدو بطانا وتروح سمانا. ويبدو أن الجزائريين مهووسون بالهجرة، فمن النزوح الريفي وحكاية شويطر وبوبقرة، إلى النزوح الصحراوي إلى النزوح البحري، الذي جعل بعض الشباب يفكر في بناء مستقبل في أرضه بالمرور على أرض غيره. كما أن الهجرة كمفهوم لم تقتصر على حل وترحال الإنسان بل تعداه إلى المهن والأفكار، فتجد الشخص يساريا شيوعيا في الصباح، إسلاميا ملتحيا في المساء، ليبراليا منحلا في الليل. وتجد صنفا آخر من الناس ''فرمليا'' في المستشفى أو ميكانيكيا في ''كاراج'' بدون وثائق في الدوام الصباحي، ليتحول في الدوام المسائي إلى إمام ومفتي للجمهورية، وشيخا للدعاة، فضلا عن خيار إضافي متمثل في حيازة دكتوراه من الشارع في ترقب هلال رمضان والعيد والطعن في الهيئات الرسمية هنا وهناك في متاجرة فاضحة بعقائد وأفكار وضمائر الناس. ونحن على بُعْد سويعات من مقدم شهر الصيام، وبَعْد ساعات من هبوب رياح حلوله وفقا لتقارير الأرصاد الجوية، جمع بعض التجار عدته، وتخلى عن عتاده إلى عتاد جديد، وهو يتهيأ لركوب قارب ''الحرقة'' من مهنته الأصلية إلى مهنة صناعة الزلابية والحلويات الرمضانية، وقد تكون رحلات البعض منهم ك'القهاوجية'' و''الطبابخة'' مبررة بحكم قرب المهنة الأصلية من المهنة الموسمية، لكن الأغرب أن يتحول ''الكياس'' في الحمام، أو الميكانيكي، أو حتى الإسكافي والحلاق عن مهنته في سبيل دراهم معدودات، يجنيها هؤلاء، ليغرقوا مصالح الاستعجالات في المستشفيات بالهلكى والصرعى، ولو عاش معنا المرحوم طيب صالح الروائي السوداني ''رمضانا'' واحدا من حياته لأسمى روايته ''موسم الهجرة نحو الزلابية'' بدلا عن ''موسم الهجرة إلى الشمال''. وعلى الباحثين والعلماء دراسة ظاهرة ''الحرقة'' بشمولية بعيدا عن حصرها على ظاهرة قطع البحر ب''الفلايك''.