تقرير منظمة العمل الدولية بخصوص عمالة الأطفال في العالم ، يزف لنا بُشرى هامة، وهي أنه ولأول مرة منذ تأسيسه يعالج قضية مواجهة عمالة الأطفال في العالم ويباشر بإصدار تقارير دولية عن هذه الظاهرة، حيث سجل انخفاضا في عدد الأطفال في سوق العمل العالمي ، من 250 مليون طفل الى 218 مليون خلال الأربع سنوات الأخيرة. هذا الهبوط اعتبره خبراء المنظمة مؤشرا إيجابيا هاما في الجهود التي تبذلها المنظمات الدولية المعنية بالأمر خاصة النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والحكومات التي أخذت على عاتقها مواجهة هذا الخطر الاجتماعي الذي يضطر أطفالا في سن خمس سنوات وأقل، الى الخروج الى سوق العمل، والسبب هو الفقر المدقع الذي تعيشه عائلاتهم، وربما تكون أسباب أخرى. ولن ننسى أولئك الأطفال من الدول الأفريقية وغيرها الذين يجري بيعهم من قبل سماسرة الى أصحاب مزارع أو أصحاب شركات خدمات بيتية، حيث يجري استغلالهم بشكل بشع. لكن القضية الأكثر إيلاماً في عمالة الأطفال، هي تشغيلهم في الدعارة أو في صناعة سينما الجنس، حيث يشتغل سماسرة هذه ''المهن'' ضائقة عائلات الأطفال، وأحيانا يجري تضليلهم، ويتحولون الى عبيد للدعارة في أيدي هؤلاء السماسرة البشعين. وذاكرتنا ما زالت تحتفظ بما قام به البعض من منتجي أفلام الجنس، في المغرب مؤخراً، حيث تم إنتاج أفلام ''أبطالها'' من الأولاد والفتيات صغار السن. وملف التحقيق مازال مفتوحاً ضد مرتكبي هذه الجريمة النكراء. وفي حالتنا هذه تم الكشف عن المجرمين، لكن السؤال هو كم من الجرائم المثيلة التي أارتكبها أمثال هؤلاء ولم يُكشف عنها ؟؟ . 218 مليون طفل في سوق العمالة العالمي... يعني 218 مليون مأساة شخصية وعائلية، لأولاد ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا لعائلات فقيرة أو عائلات محطمة اجتماعيا، وبذلك يتحول هؤلاء الأولاد الأبرياء الى سلعه يتناقلها أُناس فقدوا إنسانيتهم، وهمهم الوحيد جني الأرباح من خلال عمليات استغلال ''تشغيل'' بشعة لهؤلاء الأولاد. ومنهم أطفال فلسطين الذين تحولوا الى سلع يجري استغلالها من قبل البعض من تجار الرقيق يوميا، وهم يستغلون البؤس الذي يعيشه هؤلاء الأولاد وعائلاتهم جراء الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم وإحكام الحصار على أهاليهم ومنعهم من الوصول الى أماكن عمل يعملون بها. مأساة هؤلاء الأطفال لا يمكن نقل آلامها كاملة، حيث تتم التجارة هنا بشكل خاص، ربما لا مثيل له في العالم، سماسرة من الذكور والإناث وهم من الفلسطينيين أيضا يقومون بعمليات ''استئجار''، بل رق من نوع جديد، لأولاد من عائلات تعيش في فقر وجوع، وتتم عملية تشغيل هؤلاء الأولاد في التسول على قارعة الطريق، وفي الأماكن المزدحمة بالسيارات، في الحر والبرد من الساعة الخامسة صباحاً وحتى الحادية عشرة ليلاً، وعليهم دفع ما جمعوه من التسول. ومقابل عملهم المضني هذا يدفع السماسرة لعائلاتهم مبلغا شحيحا. وبذلك تتم عملية تربية هؤلاء الأبرياء، ليس على مقاعد الدراسة وعلى العزة والكرامة، بل على الذل والمهانة وينضمون الى جيش الأميين العرب وهو كبير العدد. كنا نتوقع من تقرير منظمة العمل الدولية هذا أن يتناول هذا الموضوع، ويضع المجتمع الفلسطيني بل والعربي والدولي أمام الحقيقة المرة جداً، وهي ان أجيالا عديدة من الأطفال الفلسطينيين، تفقد حاضرها ومستقبلها في ظل هذا الاستغلال البشع لهم، وهناك عدد كبير من الأولاد يجري استغلالهم في العمل في مهن مختلفة مثل الصناعات اليدوية والتجارة والمطاعم والكراجات وغيرها. وهذا في الوقت الذي يجدر بهم أن يكونوا في مقاعد الدراسة، يستغلون أوقاتهم في التحصيل العلمي ووقت فراغهم في اللعب، لكن على ما يبدو أن المجتمع حرمهم من أدنى حقوقهم وجعل منهم رجالا وآباء صغارا قبل أن تبزغ شمس رجولتهم.