انتشرت الدروس الخصوصية بين أوساط التلاميذ في جميع المراحل الدراسية كالحمى، وبات أولياؤهم يتنافسون على ضمهم إلى صفوف أقسام الدروس التدعيمية المتواجدة بالمراكز الثقافية والمؤسسات إلى جانب منازل بعض الأساتذة التي يخصصونها لهذا الشأن، في مقابل دفعهم لمبالغ باهظة اعتقادا منهم بأنها السبيل الأنجع والأصلح لاجتياز جميع العقبات التي يمكنها أن تعترض المسار الدراسي والعلمي لأبنائهم، فضلا عن بروزها كثقافة »برستيج« لدى العديد من المتمدرسين الذين يسعون إلى لفت الأنظار بأي وسيلة تتاح أمامهم. حرص الكثير من العائلات على إجراء الدروس الخصوصية لأبنائها، أثار مجموعة من التساؤلات والغموض حول حقيقة هذا التصرف، فهل انتشارها راجع إلى نقص الكفاءة العلمية في المؤسسات التربوية أو لجشع بعض الأساتذة والمعلمين الذين يسعون لحل مشاكلهم المادية باستغلال التلاميذ؟ وكيف يمكن للأسر مواجهة هذه الظاهرة الدخيلة، وهل يمكن تحميلها شطرا من المسؤولية جراء خوفها المفرط على مستقبل أبنائها؟ أم أنه هوس مؤقت سرعان ما سيزول؟ قال، هشام، تلميذ بالسنة الثالثة ثانوي، ليومية «السلام اليوم» بأن جل زملائه في القسم أوفياء على برامج تلقي الدروس التدعيمية التي تشتمل على المواد الأساسية، وكذا الثانوية لدى نفس أساتذتهم المدرسين، مستغربا الأسباب التي تدفع أقرانه إلى دفع أموال باهظة رغم أن نتائجهم الدراسية عادية على عكسه الذي يرفض الاستعانة بها، ومرد ذلك –حسبه– يرجع إلى أن دور الأستاذ ينحصر في تقديم الشرح والفهم لمن يستصعب عليه، أما الحلول وإيجاد الطرائق فإنها مرتبطة بذكاء وفطنة التلميذ، الذي يعود نفسه على حل أكبر عدد ممكن من التمارين وحرصه على مراجعة دروسه يوميا مع تحضيرها، وهنا سيكون في غنى عن خدمات الدروس الخصوصية التي ترهق جيوب الوالدين. كما أنه يرى بأنها أصبحت مجرد تقليد للآخر، والحرص على الظهور بأنهم سواسية ولا فرق بينهم. من جهتها أوضحت، فاطمة، تلميذة في السنة الثانية ثانوي، بأنها تعودت على الدروس التدعيمية في مادتي الفيزياء والرياضيات منذ ولوجها الثانوية وهذا راجع لضعفها فيهما، فضلا عن أنها تحسنت بعد مواظبتها على ذلك،ن افية فكرة تأثرها بإحدى صديقاتها أو زميلاتها، لأنه ورغم صغر سنها فهي تدرك مصلحتها حسب قولها. وهناك شريحة أخرى، حملت بعض الأساتذة مسؤولية تردي المستوى الدراسي والعلمي لأبنائها بحكم أنهم يتقاعسون عن أداء واجبهم، معتبرين مستواهم ضعيفا ولا يؤهلهم للقيام بمثل هذه المهنة، فالسيدة،ربيعة، تعتبر من أنصار هذا التيار، بحكم تجربتها الطويلة والثرية مع أبنائها الذين تخرج معظمهم من الجامعات والبقية في الطور الثانوي، أين تفاجأت بالأخطاء التي وصفتها بالكارثية، والتي يرتكبها أساتذة أبنائها سواء ما تعلق بالنحو أو الإعراب، والتي لا يمكن التغاضي عنها، مؤكدة في ذات الشأن بأن هذه الظاهرة برزت خلال السنوات القليلة، وهي دخيلة على المجتمع، فضلا عن كونها تعرف رواجا وسط الأغنياء إلى جانب العائلات التي يعمل فيها الزوجان، ولا يملكان الوقت الكافي لمراقبة ومتابعة دراسة أبنائهم، وهو ما يجعلهما يحرصان على إدخالهم إلى أرقى المؤسسات وأحيانا يجلبون الأساتذة إلى غاية منازلهم، وذلك لإبقاء عيونهم على المدرس وفلذات أكبادهم في نفس الوقت، خصوصا بعد سلسلة الحوادث التي طالت الشريحة التي تتلقى دروس الدعم بمنازل الأساتذة، حيث أقدم السنة الماضية متخلف ذهنيا على قتل التلميذ الذي يدرس عند شقيقته المعلمة، مستغلا فترة غياب الأخيرة وقدوم الضحية مبكرا إلى المنزل، فأصيبت بالجنون نتيجة الصدمة القوية التي تلقتها، أما عائلة الضحية فقد عضت أصابعها ندما على الثقة المفرطة التي أودعتها في المعلمة التي أصرت على تقديم دروس الدعم، علما أن أخاها مجنون، وهو ما يعرض حياة التلاميذ للخطر. الواقعة هزت الشارع البودواوي ببومرداس، وأصبحت سيرتها متداولة على لسان الخاص والعام، محملين المسؤولية للسلطات المحلية وكذا الدولة بحكم أنها لم تتخذ أية إجراءات ردعية من شأنها الحد من تفاقم ظاهرة الدروس الخصوصية العشوائية في أي مكان حتى وإن لم يكن مناسبا لتقديم الدروس التي تتباين أسعارها من شخص إلى آخر، وأقل قيمة تبلغ 600 دينار عن المادة الواحدة، أما فيما يتعلق بسقفها فهو غير محدد ويختلف من شخص إلى آخر، وفي حالات كثيرة تصل حد 2600 دينار شهريا. ومن جانب آخر، حمل، السيد علاوة، العامل بإحدى الجامعات في العاصمة مسؤولية انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية إلى التلاميذ أنفسهم الذين باتوا لا يفقهون في أمور الدنيا سوى مشاهدة أفلام الكارتون واللعب، فبمجرد وصولهم إلى المنزل يرمون محافظهم ومآزرهم ويهرعون لشرب الحليب، ثم مشاهدة أفلام الكارتون، وشدد على ضرورة إيجاد الأم الوسيلة المناسبة التي من خلالها تنجح في استقطاب ابنها وحثه على مراجعة دروسه بالإضافة إلى تحبيبه في الدراسة. وهذا واقع السيدة، نورة، التي عجزت عن تحسين مستوى ابنها صاحب العشر سنوات، بحكم أنه يحبذ الدروس التدعيمية على المراجعة في المنزل ومرد ذلك أن زملاءه يتلقونها باستثنائه، وهو ما أثر على نفسيته جراء تفوقهم عليه في المدرسة وشعوره بالنقص، مؤكدة بأن ظروفها الاجتماعية لا تسمح بإجراء الدروس الخصوصية، محملة الوضعية النفسية الحرجة التي يتواجد عليها ابنها إلى كافة السلطات الوصية والمعنية بملف التعليم.