بعيدا عن العنوان أعلاه الذي قد يوحي بأن وحدتنا الوطنية مهددة، أدرك أن الوحدة الوطنية ترتبط أساسا بأهم مكونات الأمة وأسس وجودها، وهي الهوية الوطنية، وهذه قضية لا تتحمل المساومة ولا تقبل أي مزايدة، ولذلك فلا خطر عليها رغم عبث العابثين. أما الذين يتحدثون باستغراب عن تصريحات فرحات مهني الداعية صراحة إلى ما يسميه " الاستقلال الذاتي" فقد كان الأجدر بهم ألا يصمتوا أمام تصريحات خطيرة ما فتىء يكررها: "المعلم الأول" الذي أصبح مؤرخا بعد أن فشل في السياسة وكان بمثابة "المدرسة" التي تلقن دروس التنكر لكل ما هو عربي وإسلامي في الجزائر. قال ذلك »المعلم«: »إن الأصوليين والعروبيين يجرون الجزائر إلى هوية مزيفة على حساب انتمائنا المتوسطي«. وقال أيضا|: »يريدوننا أن نتجاهل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا التي توجد على الطرف الآخر من المياه وبدلا من ذلك يصرون على روابط خيالية مع الأندونيسيين أو اليمنيين«. وقال كذلك: »إن العديد من الجزائريين لا يفهمون نشرة الأخبار بالعربية..« وقال: »يريدون أن تصبح العربية اللغة الرئيسية في هذا البلد، هذا لا يمكن أن يحدث..« عندما يقول كل ذلك، وقد قال ما هو أخطر، فما الذي يمكن استخلاصه من دروس؟ وإذا كان »المعلم« يريد أن يهاجر بالجزائريين إلى فرنسا تحديدا، فأين هي الأمازيغية وما موقعها في الطروحات الخطيرة لكل من »التلميذ« و»المعلم«، وإذا كان الجزائريون لا يفهمون نشرة الأخبار بالعربية فهل سيفهمونها بالقبائلية أو الشاوية ؟. من هنا وبعيدا عن التعتيم أو محاولة الإساءة إلى الأغلبية الغالبة من أبناء منطقة القبائل الأحرار المتعطشين للعودة إلى الذات الوطنية في جميع مكوناتها، فإن تصريحات البعض، بمناسبة الربيع الأمازيغي، إنما تساير إلى أقصى حد الطروحات التي طالما روج لها أولئك الذين ما يزالون يخطئون في الشعب الجزائري ويخططون لربطه بما يسمى »الانتماء المتوسطي« لغة وثقافة وحضارة، بدعوى أننا »لا نستطيع أن نغير التاريخ والجغرافيا«! هل يختلف الذي يدعو إلى »الحكم الذاتي« عن الذي يتحدى الشعب بالقول »إن العربية لن تصبح اللغة الرئيسية في هذا البلد«؟ لا اختلاف على أن منظري استراتيجية خلق الفتنة هنا وهناك يفتعلون الأزمات بإثارة القضايا ذات الطابع الثقافي واللغوي. كل ذلك، صحيح، وقد يكون الجواب سهلا، أو هكذا نتصوره، وهو أننا شعب واحد بكل ما في معنى الوحدة من أبعاد، وليس لدينا طوائف دينية بالمعنى الذي يمكن استغلاله، وأننا لا نفرط في وحدتنا الوطنية التي سقيناها بدم الشهداء.. فأين الخلل؟ وقد لا نختلف كثيرا على أن منظري إثارة الفتنة إنما يهدفون إلى ضرب وحدة الشعب الذي تحدى الاستعمار ودحره، فالوحدة التي هزمته بالأمس يحاول اليوم أن يهزمها تحت هذا العنوان أو ذاك!.. وليس الغريب أن تحاول قوى العدوان ذلك، بل الغريب أن تجد من بين مواطنينا من لا يتفطن إلى هذا المسعى الرهيب. كلنا يتذكر أن الدوائر السياسية والإعلامية في فرنسا قد أطلقت منذ مدة العنان لأهوائها وأحقادها وأمنياتها، فإذا بها تتحدث عن »شعب بربري« وعن »أغلبية ساحقة وأقلية مسحوقة« وعن »شعب قبائلي لا يستوعب خطب الرئيس بالعربية« ؟! كل ذلك لا يدعو إلى الدهشة أو الغرابة، من منطلق »أن الشيء من معدنه لا يستغرب« ولكن السؤال الرئيس هو: من يحرك العناصر المتطرفة التي تجاهر من منطقة جرجرة - هذه القلعة الوطنية - بالدعوة إلى »الانفصال« إلى درجة أنها أصبحت تشكل خطرا لا ينبغي الصمت أمامه أو الهروب منه مهما كانت المبررات. إن مسألة الأمازيغية بقدر ما تبدو بسيطة وغير مقلقة عند أبناء الجزائر، حيثما وجدوا في جرجرة أو الأوراس أو تلمسان أو عنابة، بقدر ما هي معقدة ومقلقة بالنسبة لمن وضعوا أنفسهم في خدمة أهداف مشبوهة. هناك جزائريون متعطشون للعودة إلى الذات الوطنية، يتحرقون من باب الغيرة الوطنية لكي تستعيد الجزائر أصالتها بجميع مكوناتها العربية والأمازيغية. وهناك آخرون أصبحوا أكثر حرصا من الاستعمار على لغته وثقافته، يرفعون شعار الأمازيغية بهدف ضرب العربية والتمكين للفرنسية. لقد بدا واضحا أن بعض الدوائر السياسية والإعلامية لا تتاجر فقط بتلك الشعارات البراقة كسلعة رابحة في أسواق رائجة، بل إنها أيضا تمارس العنف الأكبر وتروج، عن سبق إصرار، لنزعة عنصرية مكشوفة تعادي العروبة والإسلام، باسم الدفاع عن الأمازيغ. إن »الديمقراطيين« عندنا، أحزابا وصحفا، يجيدون الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولكنهم لا يجيدون - عمدا - تطبيق قواعدها واحترام مبادئها، خاصة إذا تصادمت مع أهدافهم ومصالحهم، فإذا بهم ينقلبون عليها بحدة وقسوة، وتصبح الديمقراطية مؤامرة والانتخابات جريمة والأغلبية جاهلة أو مجرد »غاشي« فاقد للأهلية! كلنا يتذكر أن بعض الصحف المفرنسة - عندنا طبعا – عنونت صفحاتها الأولى قبل سنوات بعناوين مثيرة وخطيرة مثل: »غضب القبائل« و»ثورة الشاوية«!•• إن القراءة المعمقة في تلك العناوين توحي بصراحة وكأن القبائل والشاوية ليسوا جزائريين وأنهم أقلية مسحوقة ومقموعة تعاني من اضطهاد الأغلبية! ولعل ما يثير الدهشة والاستغراب في طروحات »الديمقراطيين المزيفين« هو أنهم يحترمون بالطبع حقوق الإنسان إذا كان الأمر متعلقا مثلا بالدفاع عن الأمازيغية ولكنهم يمارسون العكس تماما إذا تعلق الأمر باللغة العربية وهي التي تتمتع بحماية الدستور والقانون! •• فأين هي حقوق الإنسان التي تتشدق بها الخطب والأقلام؟ لماذا تخوض تلك الصحف حربا شرسة من أجل الأمازيغية والأمازيغ في حين لم نسمع لتلك الصحف صوتا ولو خافتا من أجل الدفاع عن اللغة العربية! ليست الإجابة على تلك التساؤلات وغيرها بالأمر الصعب، من منطلق وضوح الأهداف والغايات، وأيضا بالاعتماد على حقيقة واضحة وهي أن أصوات الفتنة بامتداداتها الفكرية والسياسية هنا وهناك، لا علاقة لها بالعمق الأمازيغي بكل أبعاده الثقافية واللغوية، ولا صلة لها بالمطالب الثقافية أو الاجتماعية، إنما الهدف هو تكريس الفتنة وغرس الأحقاد بين الجزائريين وإبقاء البلاد في وضعية التبعية اللغوية. كثيرا ما يجري الحديث بأن الجزائر إذا عممت استعمال اللغة العربية توقف زحف التقدم والتكنولوجيا في البلاد وتفرض على نفسها الانغلاق! •• وإذا كان ذلك صحيحا حسب ذلك المنطق الأعرج، فهل ستكون بلادنا أكثر قدرة على مواكبة العصر بالأمازيغية، أم أن الهدف هو ضرب العربية بالأمازيغية للتمكين للفرنسية؟ إذن، لماذا هذا الحماس - الذي وصل درجة الهوس والعنصرية - في الوقت الذي تلتزم فيه تلك الصحف صمتا غريبا ومشبوها عن الحقرة التي تمارس ضد العربية ؟ وإذا كان الدفاع عن الأمازيغية أمرا مشروعا ومحبذا، فلماذا في المقابل تتعرض اللغة العربية - وهي أيضا عنصر من عناصر الهوية الوطنية - إلى حرب إبادة. لذلك يجب التمييز بين ذلك الجزائري الذي يتحرق من باب الغيرة الوطنية لكي تعود لوطنه أصالته بجميع مكوناتها العربية والأمازيغية، لأنه وطن اعتنق الإسلام وتعايشت فيه الأمازيغية مع العربية بلا خوف ولا صراع، وبين أولئك الذين وضعوا أنفسهم في خدمة لغة أجنبية على حساب لغة الشعب التي هي اللغة الوطنية الرسمية بنص الدستور. ولنا أن نسأل: هل مهمة الصحف في جزائر الاستقلال هي زرع الشكوك حول عوامل الوحدة الوطنية وإشاعة الفوضى والبلبلة في صفوف المواطنين؟ وهل هناك صحفي في أوروبا أو أمريكا يطعن باسم حرية التعبير، في لغة شعبه وفي دينه وفي وحدته على صفحات الجرائد ؟ وهذه الصحف التي تحاول زرع الفرقة بين الجزائريين، ألم يكن الأجدر بها إبراز عوامل الوحدة للشعب لا عوامل الاختلاف! لم نقرأ لتلك الأقلام مقالة واحدة حول تعايش العربية والأمازيغية، وكيف أن البربر عندما اعتنقوا الإسلام أصبحوا من أقوى دعاته واتخذوا العربية لغتهم الرسمية، فابن تاشفين وبن تومرت وعبد المؤمن وأبو حمو الثاني وغيرهم، كلهم من زعماء البربر الذي صانوا العربية ودافعوا عنها وساهموا في نشرها. هكذا إذن، باسم الأمازيغية تمارس الحقرة على العربية، وباسم الأمازيغية يراد للغة الفرنسية أن تصبح هي اللغة الرسمية والوحيدة في الجزائر!! ها أنا أدعو كل مهموم بهذه القضية إلى التفكير جديا في الأمر، وعندها قد يقتنع "الديمقراطيون" - أحزابا وصحفا - بأن هناك أختا للأمازيغية تسمى العربية وأن القبائل والشاوية وكل الأمازيغ الأحرار هم من هذا الشعب الواحد الموحد وأنهم حماة الوحدة الوطنية. » الخيانة لا تنام.. «