" العالم العربي هو جار قريب لأوروبا، ولها بالتالي مصلحة مباشرة، بل مصيرية، في أن تكون أحوال هذا الجار العربي مستقرّة. إنها قاعدة يكررها باحثون ورجال سياسة كُثر، بأشكال مختلفة في أوروبا. لا شك أن هناك حديثا يتردد في أوروبا عامّة، وفي فرنسا خاصّة بحكم الجغرافيا والتاريخ، عن ضرورة تعميق الروابط بين أوروبا وجوارها العربي. النسخة الأكثر حداثة لمثل هذا التوجّه، تجد تعبيرها في مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي عشّية انتخابه رئيسا للجمهورية في شهر مايو عام 2007. وكان الجنرال شارل ديغول قد قال قبله صراحة إن مكانة فرنسا، وأوروبا، على المسرح الدولي، مرهونة إلى حد كبير بحضورها في ما اعتبره محيطها الاستراتيجي العربي والإسلامي. هذا كلّه بالطبع على قاعدة حسابات استراتيجية، وليس حبّا لسواد عيون العرب. ولا شك أن موطن الخلل الأكبر في السياسات الأوروبية الحديثة ما بعد الاستعمارية حيال المنطقة العربية، يكمن في الموقف من إسرائيل. هنا يبدو بوضوح أن الأوروبيين يلحقون قاطرة التحيّز الأمريكي الواضح و«الفاضح». ولم يذهبوا واقعيا حيال جميع القضايا منذ عام 1948 حتى اليوم، خطوة أبعد في جوهرها من الموقف الأمريكي. وبعض التاريخ القريب هنا يبيّن ذلك. إنهم لم يذهبوا عندما قامت إسرائيل بعدوانها على قطاع غزّة في نهاية ديسمبر 2008 وبداية يناير 2009، إلى أبعد من إيفاد بعض المبعوثين الدبلوماسيين الذين لم تسمح إسرائيل لأغلبيتهم بالدخول إلى غزّة. بل لم تتردد في احتجاز دبلوماسي فرنسي لمدّة عشر ساعات في أحد المراكز الحدودية. الأخطر من ذلك تمثّل في مشروع كان نوّاب البرلمان الأوروبي بصدد الموافقة عليه، بناء على اقتراح تقدّمت به المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، يسمح لإسرائيل بالاطلاع على البرامج الأوروبية في ميادين البحث العلمي والأكاديمي والتقني. أي ما يمكن تسميته بشراكة استراتيجية حقيقية ترقى «بامتياز» إلى الشراكة الأميركية الإسرائيلية. إن مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ليست قوّية في الولاياتالمتحدة فقط، ولكن أيضا، وربما أكثر في بعض الحالات، في القارّة الأوروبية القديمة. وحيال الفعل الهستيري الأخير الذي قامت به إسرائيل في المياه الدولية، جرى تجاهل أوروبي عام تقريبا لهذه المسألة الأساسية المتعلّقة بالاعتداء على المياه الدولية، وهي التي ينبغي أن تبدأ منها النقاشات. بل ويبدو أن هناك توجها صريحا لطمسها في التصريحات السياسية، وخاصّة في وسائل الإعلام. هذا مقابل التركيز على أمن إسرائيل، وعلى مسائل من نوع «من هم مناضلو غزّة الحرّة؟"، و"تشريح عملية فشل"، و"من الذي يختبئ وراء نشطاء غزّة الحرّة"، و"إسرائيل تطرد الأجانب" كأن الأمر يتعلق بمتسللين قدموا للعمل في إسرائيل و"بعد الهجوم الإسرائيلي في عرض البحر مقابل غزّة". هذه عينات مما جاء حرفيا في عناوين بعض الصحف الفرنسية الكبرى خلال الأيام الأخيرة. هناك بوضوح اختيار قاموس «موجّه»، وإعطاء الحديث للجلاّد أساسا، وليس للضحيّة. هذا إذا لم يكن ترديد نفس النغمات الإسرائيلية، وصولا إلى تقديم الحصار المضروب على غزّة وكأنه قرار دولي اتخذته المجموعة الدولية. والمجموعة الدولية منه براء، والدليل الجلي على ذلك هو أن بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة طالب برفع هذا الحصار الظالم "فورا". هذا دون نسيان الحديث عن حق إسرائيل في الدفاع عن «سيادتها». في المقابل، نسيان أن قطاع غزّة ليس أرضا إسرائيلية، بل هو قطاع محتل، ومحاصر منذ أربع سنوات، كما قالت ممثلة السياسة الأوروبية الموحّدة كاترين أشتون باسم الاتحاد الأوروبي. ولا شك أن هناك تصريحات أخرى كثيرة تذهب في نفس الاتجاه، لكن المهم هو معرفة كيف ستتم ترجمتها إلى أفعال وضغط حقيقي على الحكومة الإسرائيلية، والمطالبة باتخاذ إجراءات لكسر الحصار المضروب على غزّة. هنا من المرجّح أن تميل الكفّة لصالح المعتدي الإسرائيلي، خاصة أن إسرائيل قد جرى تكريسها باحتفال رسمي في باريس يوم 27 مايو 2010، عضوا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية «نادي البلدان الغربية المتقدمة أساسا». الجميع مسؤولون، والعرب أوّلهم، عمّا يجري في غزّة. والجميع يعرفون الحقائق والوقائع. الأوروبيون مدعوون للتحرّك من أجل استقرار أحوال جيرانهم، وهذه مصلحتهم اليوم... وغدا أكثر. لكن يبقى الموقف العربي هو نقطة الانطلاق، والوقت ضاغط، وملائم أيضا، لاتخاذ موقف عربي يأخذه الآخرون على محمل الجد. بقلم : د. محمد مخلوف كاتب سوري باريس