يطرح كراس الثقافة في هذا العدد قضية غربة الفلسفة في الجزائر في هذا الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى المعارف و أم المعارف أيضا. وحتى وإن كانت بعض التقييمات التي تستهدف قياس تقدم المجتمعات الحديثة تركز على مدى تحكمها في العلوم والتكنولوجيات، إلا أن الفلسفة لن تفقد دورها باعتبارها تبقى فاحصة ومنتبهة للتطورات الناجمة عن الانفجار العلمي والتكنولوجي، بمعنى أن التقدم التكنولوجي والعلمي يحتاج إلى أن يُفكر فيه، وذلك دور من أدوار الفلسفة المتعددة. و الدليل على ذلك أن جذوة الفلسفة لم تخفت في المجتمعات المتطورة تكنولوجيا. ولحسن حظنا فإننا في حل عن التطور التكنولوجي، وغير معنيين بالتغيرات الجديدة التي تشهدها مجتمعات المعرفة. بمعنى أننا ننعم بمرحلة طمأنينة وهناء لا علم ولا تكنولوجيا ولا فلسفة فيها، نشرب من البئر ولا نفكر في الصيد أبدا ما دامت الفريسة متوفرة، أي أننا نعيش المرحلة التي سبقت مرحلة الصيد في مسار تطور التجمعات البشرية. لذلك يبدو من «غير اللائق» الحديث عن الفلسفة في هذا الوقت وعن المعرفة بوصفها محركا للاقتصاد والاجتماع. فنحن نتمتع بخصوصية تجعل حياتنا تتطور تلقائيا مدفوعة بعلم الصدفة و بالدعوات المرفوعة إلى السماء. وحتى الوسائل التكنولوجية ووسائل الاتصال التي «غنمناها» من مجتمعات أخرى أخضعناها لهذه الخصوصية، و ربما كان ذلك نتيجة حكمة في التدبير يجري بموجبها الحفاظ على احتياطي العقل الجزائري تماما كما تتم المحافظة على احتياطي النفط والغاز الصخري، وهذا ما يفسر عدم «استخدام» أصحاب العقول في حياتنا العامة و الإبقاء عليهم لليوم الأسود. فلسفة الادخار هذه ستوفر علينا احتياطيا عقليا يمكن استخدامه عندما تستنزف الأمم المسرفة طاقتها العقلية، لكل هذا يبدو قلق القلقين مجانبا للصواب، خصوصا وأن الطاقات البديلة متوفرة، من سياسيين يتكيفون مع جميع المراحل إلى شباب جاهز لإمساك ثور المستقبل من قرنيه، كشف عن حبه للوطن في مناسبات جليلة كالفوز الناقص لمنتخب كرة القدم، حتى وإن كان يعبر أحيانا عن غضبه سريع الزوال بحرق عجلات في الشارع للمطالبة بوظائف لم يعد نفسه لها أو يستعجل الاقامة في سكنات في طور الانجاز. في كل هذا حيوية وطاقة لمجتمع شاب، فلماذا نبذر المعرفة؟ ملاحظة يشكل صعود نجم الصحافة وصديق الجن المسلم منه والكافر الشيخ بلحمر في هذا الوقت بالذات التعبير القاسي عن وضع العقل في بلاد محمد أركون وجاك ديريدا.