يقول عالم الجمال والناقد الموسيقي إدوارد هانزلك (1825 1904) : ''إن الموسيقى لا تعبر إلا عن الحركة المصاحبة للمشاعر لا المشاعر ذاتها''. ويقول الباحث مبارك حنون: ''كانت الموسيقى، في الأصل، تعني، كما تدل على ذلك كلمةmousike اليونانية، في آن واحد الرقص وموسيقى الصوت الإنساني والموسيقى الآلية والبنيات العروضية للأشعار والعناصر التطريزية للكلام''. من القولين ننطلق في محاولة تأمل الفناوي، كتراث ومرجع من مرجعياتنا المفتوحة على الاشتغال المراكم للقيم الإبداعية. نتابع احتفاء بالفناوي والتفاتة إليه، والأمر ينطوي على بعدين، بُعد إيجابي فيه خدمة لهذا التراث وإقرار بثرائه وخصوبته وامتلاكه لعناصر التواصل... وبعد معاكس يتصل بعملية قولبة تبضّع وتسلّع الفناوي، وتفقده روحه باستئصاله من أصوله واختزاله في إيقاعات بلا ارتباط مع روحه، وهذا ما أشارت إليه الفنانة الشيخة حسنة عندما ذكرت في حوار صحفي بأن: ''هناك رغبة من الشباب في تعلم الفمبري والفناوي، ولكن ليس بين عشية وضحاها، الفن يتطلب الصبر والتحمّل والعمل الجاد المتواصل، وفي فرنسا وجدت العديد من يعزف الفمبري يتناول المشروبات الكحولية، وهذا أمر لا يجوز وخاطئ، فالفمبري له قدسيته ويجب المحافظة عليه، نحن أصحاب هذه الصنعة - نبخروا- للفمبري بالجاوي ونطهره جيدا، هذه الآلة ليست للعب وإنما شفاء للنفوس'' وتذكر الشيخة حسنة بأن هذا الفن (يدخل في قلب الإنسان فهو كالدواء، يداوي الجرح، والتغني ومدح النبي عليه الصلاة والسلام والأولياء الصالحين يزيد الفنان قوة ورزانة وتقربا من الله عز وجل). الفناوي هو تجلي لما تراكم، هو تراث مركب في تعبيراته، يبلور بيان العلامات المحيلة إلى فضائنا المغاربي الإفريقي... فالفناوي هو وصل بالأعماق. وصل تموّج مع التحولات حتى انسكبت فيه الفيوضات. والمتراكم هو حمولة أبراج الفناوي العاكسة لهندسة روحية فالروحاني اندغم بالفناوي، اندغام نسج الحالة، حالة الحلول في حضرة تستحضر وهي تغيب، وتغيب وهي تستحضر. لكل تعبير مرجعيته ومستنداته، لكل إيقاع روافده، والفناوي تتعاضد في نسجه وحبكه اللغة والجسد والروائح والألوان وهندسة الاصطفافات، والصحراء كفضاء انعكست على ما ذكر، أي على ما تبلور من تعبيرات فيها. الصحراء فضاء النبوات وفضاء المطلق ومدى المحو الذي يخفي الأثر ويحجب العلامة، والحجب يستفز رغبة الكشف. الجغرافيا حاضرة في الصوت والحركة، وفي الجغرافيا يحضر التاريخ وعندما ننخرط في حضرة الفناوة نمتزج بأمواج لّج، أمواج تتموّج بنا فيحضر الجذب، الجذب يفصلنا عن الفيزيائي، يدخلنا ''الميتا'' فنتصل بسلالة تتشكل بالتهجين. يحضر الأسطوري والخرافي والتاريخي، يحضر تمثل الديني وتمثل الدنيوي، تمثلا يحضر بالصوت والحركة والألوان والرائحة، وتحضر الأبراج كاتبة المسار بطقوس تنسج مكابدات ومجاهدات، وتحضر الاحتفالية التي تقول الرغبة في الانعتاق وتعلن هوية تستحضر صوت العمق. لقد ارتبطت الموسيقى بمسارات المجتمعات والأفراد، وكل موسيقى هي امتداد لتراكمات، لمعاناة، لأحاسيس، لتثاقفات... والموسيقى هي بلاغة تقول ذلك الذي قد لا تسعف اللغة لقوله. الفناوي ليس مجرد لون أو طبع موسيقي، إنه منظومة علامات ورموز، منظومة ثقافية وقيمية، منظومة الجذور والجسور والمعراج، جذور التثبيت وجسور التواصل ومعراج التصعيد والتسامي المبلور لتحقق بتحقيق الوجود المتصالح مع الروح. الفناوي منظومة تصلنا باللامتناهي، بالروحي، بالملاذ والملجأ، بالفضاء الذي تدخله الأجساد بالإيقاعات للتطهر والتخلص من الأدران، لإزاحة الغشاوة وتحقق الائتلاف والانسجام مع الكون ومع الحياة ومع الذات ومع الذوات الأخرى. كيف نتعاطى مع هذا التراث؟ يقول الكاتب عبد السلام بن عبد العالي: ''ليس تملك التراث قضما وهضما وغذاء وإحياء لنفوس خالدة بغية تقوية الوهم بالخلود، وإنما هو إصغاء لأصواته المتعددة وتملك لفراغاته، وحفريات لصمته، والتفات إلى المنسي منه''. ويوضح قائلا: ''لم يعد تحديد (الهوية) وقوفا عند خصائص تخص الكائن وتميزه، بل وتفصله عن غيره، وإنما غذا إشارة إلى العملية أو العمليات والإجراءات التي ينبغي القيام بها لإخراجه عن ذاته وربطه بغيره كي يتولد ويكون. ذلك أن وجوده مرتبط بخروجه عن ذاته وارتباطه بغيره ودخوله في علاقة أو علائق معه''. إنطلاقا من هذه الرؤية يرتبط التعاطي بتبصر واستبصار. الفناوي بيان علاماتي بامتياز، بيان امتص كل التحولات وهضمها ثم جلاّها وتجلى بها، تجلي المتمثل لها، تمثلا له خصوصياته.. ففي الفناوي حمولة المقدس الحاضر في الدنيوي والمفارق له في الوقت نفسه، وهذه الحمولة موضوعا أنثربولوجيا... يقول الباحث نورالدين الزاهي: ''ليست الحمولة الغنية والرمزية للمقدس نتيجة لاستيهامات مجانية، بل هي تخضع لقوانين وتحترم دلالية وتركيبا رمزيين يسمحان بتحويلها إلى تعبيرات كونية. من بين هذه القوانين والآليات البارزة، نجد المشابهة والمطابقة والتكرار، التي قد تتجسد في الأشكال المعمارية والهندسية والطقوسية''، ويقول: ''بجانب عناصر هذه الآلية، تحضر المشاركة بشكل مكثف وفاعل. إن الآليات المذكورة هي نفسها آليات الرمز، والمجالات سالفة الذكر هي مجالات انتشاره وسيادته، فبحضور الرمز، يتمظهر شيء آخر داخل الجسدي، أو المعماري أو السردي. إنه شيء يبدو كأنه زائد أو فائض، يعبّر عن عمق يظهر ويحتجب في الآن نفسه، عمق يوحي بالمقدس ويشير إليه، لذا يصبح استدعاء الممارسة التأويلية أمرا ضروريا، وضرورته نابعة من ملازمته الفكر الرمزي''. في احتفالية الفناوي حضور علاماتي مكثف بإيقاع الجسد والموسيقى، بالألوان، بالعبق المنبعث من البخور، وتتجلى حركة نزول عروج، حركة تيه للانوجاد، كما في الليلة الفناوية التي توقف عندها بعض الباحثين كفييانا باك التي لاحظت في كتابها ''ديانة العبيد، بحث في الطريقة الفناوية بالمغرب'' أن في الليلة (سفرا كونيا طويلا أطرافه الحياة والموت، الدنيا والعالم الآخر، العالم العلوي والسفلي، أما زمنه فهو ليلة بحجم سبعة ألوان أو على الأصح سبعة أيام بما هي زمن الخلق الإلهي للكون). وحركة النزول المسماة عند بعض أهل الفناوي بالدرديبة، لا نعرف كما يقول الزاهي: ''نقطة انطلاقها أو وصولها وكذا مساراتها بسهولة''. ويحضر رقم سبعة بالألوان السبعة، كل لون إحالة إلى حالة بالحلول في مقام أو محل. السبعة رقم ملتبس بالتقديس ولكن أيضا بالهول، فالسبعة عدد السموات... والمريد يصارع ليدرك بالتصعيد والتطهير المطردين السابعة، حيث العرش وحيث الحق، والبسطامي يقول: ''الحق ينزل إلى الخلق والخلق يعرجون إلى الحق''. وفي الحالة التي تحدثها الاحتفالية تطهيرا وتصعيدا، يحدث جدل النزول والصعود. والسبعة كذلك عدد أبواب جهنم وهذا ما له دلالاته أيضا، فالسبعة رقم مزدوج الدلالة، وهو رقم وتري والله وتر يحب الوتر كما ورد في الأثر. الألوان سبعة، وكل لون له إيحاءاته وبتلك الألوان يتم النداء بالعيطة الفناوية، نداء ينشد استحضار الغائب، نداء الكائنات الغيبية واستدعاء الأعماق واستحضار لمن في الأعماق... والمقامات عشرة والعشرة ليست عددا وتريا ولكنه يحضر مضمرا كما يقول الزاهي للعدد الفردي، فهو يؤدي كما يذكر: ''وظيفة رمزية قدسية شبيهة بتلك التي يؤديها العدد مائة مع السبحة أو مع الأسماء الحسنى: الاكتمال الذي يعلن كمال الاسم والمسمى في احتجابه وإضماره. إن العدد مائة ليس في نهاية المطاف سوى العدد عشرة وقد جاوره الصفر مثلما أن العشرة ليست سوى الواحد وقد جاوره الصفر، لذلك كلما برز العدد الزوجي داخل السياق القدسي الإسلامي، إلا وكان مضمرا للعدد الفردي وكل ما برز العدد الفردي إلا وكان الواحد مبتدؤه ومنتهاه''. وتعضيدا لذلك، فإن المقامات أو المحلات تفتح بمحلة أولى تمهد لبقية المحلات، فهي كما يقول الزاهي: ''لا تخصص لمناداة اسم جني أو ملك أو إبرازه أو إظهاره. بل إنها تمهيد وتهيئ بكل متطلبات التمهيد - بخور وإنشاد - أو هي بلغة الطقس الكناوي ''فتيح الرحبة'' (فاتحة المكان حيث يتمحور الكلام الطقوسي حول اسم الله العظيم وأسماء أوليائه الصالحين). يحضر الجذب ويفارق الجسد بالحال التحكم، وعند الصوفية، الشطح وعناصره الضرورية كما يقول عبد الرحمن بدوي: ''هي (أولا) شدّة الوجد، و(ثانيا) أن تكون التجربة تجربة إتحاد، و(ثالثا) أن يكون الصوفي في حالة سكر، و(رابعا) أن يسمع في داخل نفسه هاتفا إلهيا يدعوه إلى الإتحاد، فيستبدل دوره بدوره، و(خامسا) أن يتم كل هذا والصوفي في حال من عدم الشعور''. للموضوع مراجع