يعتبر الأردن أنموذجا حضاريا في خارطة الشرق الأوسط، اختصر الزمن في مسارات الإرتقاء التنموي في العصر الحديث، ومازال يحثّ السير في مشواره المعاصر، رغبة في استكمال بناءات كبرى لبلد يكبر بطموحاته المتوّجة في نهضة بدأنا نشاهد مظاهرها، وعمقها وانفتاحها على عالم كبير يجتذب إليه المستثمرين الباحثين عن مكان آمن، في محطة أضحت ملتقى الطرقات الرابطة في إقليم أوسطي آخذ بالاتساع. والجزائر التي ترى بعين الإكبار بلدا يكبر باستثمار الممكن المتاح لديه، اختصرت المسافات الجغرافية الفاصلة بين الشرق والغرب، ووجدت أبواب عمّان مفتوحة إزاءَها، إيمانا بجوهر لقاء أخوي ظل متواصلا دون انقطاع، ليرتقي بجوانب الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في علاقات عربية ثنائية تنمو في محيطها العربي دون حواجز أو عراقيل. هكذا هي إذن مسارات التواصل بين الشقيقتين الجزائر والأردن على مستويات عدة، وهي مرشحة للارتقاء أكثر في ظل قيادتي فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة وجلالة الملك عبد اللّه الثاني. سفير الأردن الجديد بالجزائر، السيد تركي حديثه الخريشا في أول حديث صحفي يدلي به لوسيلة إعلام جزائرية منذ تعيينه في منصبه قبل أشهر قليلة حرص في بداية حديثه على القول: «لقد تابعنا باهتمام كبير الكلمة التي ألقاها فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة في قمة مجموعة ال 15 بطهران، فقد كانت متّزنة وصريحة تعبّر عن موقف، وفي الواقع ليس ذلك بغريب على رجل معروف عنه مواقفه المشرّفة المتطابقة مع مواقف بلاده الثابتة، عودنا على الدفاع المستميت عن قضايا العالم الثالث. ولأهمية مضمونه، قمنا على مستوى السفارة بتوثيق هذا الخطاب الهام وإرساله إلى عمان». وبخصوص العلاقات الجزائرية الأردنية، واقعها وآفاقها، قال السفير: «إنها علاقات ممتازة سياسيا، تقوم على أسس أخوية متينة، تعزّزت بتوجيهات قائدي البلدين وهي ليست وليدة اليوم، وإنما تعود إلى ما قبل الاستقلال، حين كان الأردن قيادة وحكومة وشعبا يقوم بتقديم كل المساعدات الممكنة للشعب الجزائري من أجل مساندته في كفاحه المسلح ضدّ الاستعمار الفرنسي الذي توّج بالنصر». وأضاف: «إنها علاقات مميّزة وحميمة، مرشحة في المستقبل للتوطيد والإرتقاء، وقد لمست شخصيا توجّهات داعمة جديدة عندما كلفني جلالة الملك بتولي منصب سفير لبلدي في الجزائر، وتشرّفت بلقاء فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.. نأمل أن تتطور علاقاتنا إلى أعلى المستويات، حيث نتطلع دوما إلى المزيد والأفضل بما يخدم المصلحة المشتركة لبلدينا، حيث يتوجب علينا العمل على تعزيزها في كافة المجالات». وبخصوص مشاركة الأردن في معرض الجزائر الدولي، أكد سعادة السفير الأردني بأنها ستكون هامة سواء من حيث عدد الشركات العارضة أو المستوى، مما يدلّ على أهمية العلاقات القائمة بين البلدين الشقيقين، وهي إنعكاس في الواقع لعمقها.. وأشار إلى «أن الأردن هو ضيف شرف معرض الجزائر هذا العام، يشارك بنحو 100 شركة عارضة في هذه التظاهرة الاقتصادية التجارية التي تمثل فرصة لقسم منها لعقد صفقات تجارية مع شركات جزائرية بالخصوص، وفتح آفاق لها بالجزائر، بخلاف الشركات الأخرى التي صار لها موقع في الأسواق الجزائرية، حيث يعود تاريخ دخولها إلى الجزائر إلى بداية تسعينيات القرن الماضي، فضلا عن شركات أخرى تعمل في قطاعات مثل الاتصالات والمعلوماتية والخدمات المتصلة بإعداد شبكات الأنترنيت وصيانتها». وشدّد ذات المتحدث في معرض حديثه عن مجالات التعاون والتبادل بين الجزائر والأردن، على المستوى الذي بلغه الطب والخدمات الطبية والعلاجية ببلاده قائلا: «إنه يعتبر من المستويات الطبية الممتازة، وبالرغم من وجود اتفاقية بين البلدين يتم بمقتضاها نقل المرضى الجزائريين للعلاج في المستشفيات الأردنية في عدة اختصاصات، إلا أننا نسعى إلى عقد اتفاقيات أخرى في هذا المجال، وحبّذا لو يتم استحداث منصب مستشار طبي بسفارة الجزائر بعمان لمتابعة هذا الملف». أما في مجال الطاقة وبخصوص الزيارة التي قام بها إلى عمان مطلع العام الجاري السيد شكيب خليل، وزير الطاقة والمناجم وما تمخّضت عنه من نتائج، قال السفير الأردني: «لقد تم البحث في ثلاث نقاط: تخزين الغاز في العقبة، الاستفادة من الخبرات الجزائرية في مجال التنقيب عن النفط، واطلاع الوزير الجزائري على المجالات التي أصبح الأردن متقدما فيها»، مضيفا في هذا السياق: «وبما أن خبرة الأردن في مجال توصيل غاز المدينة إلى البيوت محدودة جدا مقارنة بالخبرة الواسعة للجزائر، فقد عبّرنا صراحة للوزير الجزائري عن حاجتنا الماسّة والأكيدة لهذه الخبرة بما يمكّن من إنشاء شبكات للغاز في المدن وربطها بالبنايات السكنية والمنشآت الصناعية إلخ... وقد قطعنا خطوة في هذا الاتجاه بالتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية مع الشقيقة الجزائر خلال هذه الزيارة، سيتم دراستها بالتفصيل والبحث في آليات تنفيذها من طرف لجان فنية من البلدين، ونأمل في أن يتم اعتماد ميناء العقبة لتصدير الغاز الجزائري إلى الأردن ولدول أخرى». ويشار إلى أن «سوناطراك» فتحت أبواب التعاون مع الأردن على حقل آخر هو من أهم الحقول التي تعدّ شريانا اقتصاديا مهمّا، وهو حقل البترول، حيث شرعت في عمليات التنقيب عن النفط بعد أن فشلت الشركات الأجنبية في اكتشافه منذ بداية التسعينيات. وتحدث السفير الأردني، في نهاية اللقاء، بافتخار واعتزاز كبيرين عن الطفرة التي حققتها بلاده في ال 20 سنة الأخيرة بالخصوص.. والانجازات الكبرى التي تعمّ ربوع المملكة، قائلا على وجه الخصوص: «لو توفّرت المياه، والموارد والطاقة، لكان الوضع في الأردن أفضل مما هو عليه اليوم بكثير.. لكنه مع ذلك يعتبر من أفضل الدول العربية سواء من حيث التهيئة العمرانية، أو الصناعة والسياحة، كما أن له بنية تحتية على قدر كبير من التطور، فضلا عن إنشاء المساحات الخضراء وشق الطرقات وتوفير الكهرباء وقطاعات أخرى حيوية وخدماتية صرفت عليها المملكة في عهد الملك حسين طيّب اللّه ثراه أموالا طائلة.. والنهضة اليوم مستمرة بوتيرة أسرع في عهد نجله الملك عبد اللّه الثاني». وعبّر السيد تركي حديثه الخريشا عن أمله في تطوير التعاون بين بلاده والجزائر ليشمل مجال التهيئة العمرانية، والاستفادة من الخبرات الأردنية ودرايتها الواسعة فيه، مستشهدا بالمستوى الكبير والراقي الذي بلغته عمان اليوم، وقال بهذا الشأن: «قبل 25 سنة، كانت عمان أمانة العاصمة مدينة صغيرة ذات موارد محدودة جدا، استطاعت بعد صدور الإرادة الملكية بتسميتها «أمانة عمان الكبرى» وضمّها تبعا لذلك 40 بلدية، أن تحقق في ظرف 20 سنة ما يفوق ما أنجز لها في تاريخها المعاصر، وأضحت اليوم واحدة من أكبر وأرقى المدن في المنطقة، وكل ذلك بعقول وسواعد وخبرات أردنية بحتة». ̄ أجرى اللقاء: