المضافات النسائية، مصير كل نساء داعش داخل مدينة سيرت، التي حوصرت من قِبل قوات "البنيان المرصوص" بغرض تحريرها. تكمل أم خطاب، أنها في تلك الفترة وضعت رفقة شقيقتها في مضافة التونسيات. وهذا بحكم أن زوجها تونسي، وكل التونسيات اللاتي كن معها كن صاحبات فكر داعشي مائة بالمائة. كان زوج محدثتنا يأتي إليها مرة في الأسبوع، يأخذ ملابسه ويعود إلى جبهات القتال. ولا تعرف إلى اليوم إن كان حيا أم ميتا. آخر مرة شاهدته، كانت يوم تغيير مضافتهم عبر الأنفاق السرية تحت الأرض، حيث كانوا يتحركون من خلالها من حي إلى آخر حتى وصلوا مضافة أبي حاتم السنغالي. مضافة وجدت بها الأختان مختلف الجنسيات الإفريقية التي تم اختطفاها وسبيُها. تتذكر أم خطاب بدموع حارة كيف كان إرهابيو التنظيم، وعلى رأسهم أميرهم أبو حاتم السنغالي، يقاتلون ويفرُّون عبر الأنفاق إلى داخل مضافتهم. إحساس مقاتلي التنظيم بخسارتهم المعركة جعلهم يضرمون النار فيها. بكت أم خطاب مطولا وهي تعيد مشهد احتراق النساء والأطفال أمامها. وما زاد من حدة الموقف انفجار الأحزمة الناسفة التي كانت داخل المضافة.. انفجارات فصلت رأس أختها عن جسدها، ورمت برضيعتها صاحبة الشهرين بين يديها، تقول: "لم أستطع أن أفعل شيئا، بقيت مصدومة، جسد أختي يحترق أمامي وابنتها الرضيعة ميتة بين ذراعي.. نساء يركضن في كل زاوية هربا من نيران أكلت أجساد صغارهن.. كان مشهدا وكأنه يوم الحشر، سبحان الله.. حاولنا الخروج من النوافذ والابتعاد عن النيران، لكننا لم نستطع مساعدة غيرنا، فجميعنا كنا مصابات بشظايا الأحزمة الناسفة". ظروفٌ صعبة عاشتها أم خطاب داخل تنظيم داعش، رغم أنها كانت مؤمنة بفكرهم قبل ذهابها، إلا أنها وهي بين يدي التحقيق اليوم تقول إنها خُدعت فعلا بصورة هذا التنظيم عن طريق الإنترنت وإنها غُيِّبت عن الحقيقة، "كنت أرى شيئا واصطدمت بأشياء أخرى.. كذب وخداع وتزييف الحقائق، ليست هذه الدولة الإسلامية التي وعدونا بها..".
مجرّد أدوات لولادة "أشبال الخلافة" لاحظنا خلال عملية البحث الميدانية البسيطة التي قمنا بها حول داعش في ليبيا، أن هذا الأخير كان في حاجة إلى النساء كرقم أول في وجودها. العدد الهائل من السبايا والزوجات، كان بغرض الإنجاب لا أكثر، كما كان عامل استقطاب العائلات بأولادها مهمّا أيضا. استغل التنظيم هنا البلدان التي تعاني من الحروب. فقد وجدنا عائلات سورية وأخرى عراقية فرَّت من جحيم التصفية نحو بيتٍ آمن وُعدت به في مدينة سرت، شريطة أن يكون أبناؤُها تحت تصرّف والي المدينة وشيوخها. الخطة كانت تكوين جيش صغير يمثل داعش، أطلق عليه مسمّى "أشبال الخلافة"، وهو امتدادٌ لذلك الموجود في كل من سوريا والعراق. يؤخذ كل طفل يصل تسع 9 سنوات للانتساب إلى هذا الجيش. العملية قد تتمّ بالقوة أحيانا، لكون بعض العائلات تخاف على أولادها الصغار ولا ترغب في إقحامهم في ذلك. يخضع الأطفال إلى تكوين عسكري قاس في قلب الصحراء خارج سيرت، يتعلمون خلال التدريبات من فنون القتال والرماية واستعمال مختلف أنواع الأسلحة. وهذا على أيدي مدرِّبين يعيِّنهم "الخليفة". لم نُصدَم ونحن نقف عند هذه الحقائق بقدر ما صُدمنا ونحن نقف عند أطفال في سنِّ الزهور، لُطخت أيديهم بدماء الأبرياء، أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 سنوات و10 سنوات إلى غاية 15 سنة، شاركوا في معارك مع داعش تحت مسمى جيش "أشبال الخلافة"، أوكلت إليهم خلال الحرب عملية الرماية من أعلى المدينة. شهاداتٌ حيَّة نقلها إلينا الأطفال، الذين تحدثنا معهم. أخبرونا بأنهم كانوا يوجدون بداخل المساجد ويرمون بسلاح الكلاشنكوف على عناصر الجيش، بعض منهم يضحك ببراءة الطفولة الملطخة بدناسة خطايا الكبار من عناصر التنظيم، ولكم أن تتصوروا طفلا عمره 10 سنوات يروي قصته التي يعتبرها "بطولية" عندما أعدم ضابطا أو "مرتدا"، حسب ما لقنوه من أفكار لا تتردّد في تكفير المسلمين! وهنا يدخل العامل والعمل الميداني، فقد كان تنظيم داعش بعد إكمال تدريباته ل"أشبال الخلافة" في قلب الصحراء يُخضِعهم إلى تجربة حيَّة في التعامل مع الرصاص والهدف المباشر المتمثل في أشخاص قد يكونون مختطفين لدى التنظيم أو أسرى يطبِّق عليهم الوالي "حكم الردة والكفر" والقتل. إعدام يوكل إلى الأطفال في السَّاحة الكبرى داخل المدينة وأمام كل الإرهابيين، يتمّ وضع المعدوم مقيَّدا بين يدي جلاده، صاحب عشر سنوات، ليطلق عليه النار في رأسه أو وابلاً من الرصاص في صدره تحت تكبير باقي العناصر. إحساسٌ بالفرحة كان يغمر الأطفال الذين التقيناهم!
عبد الله: من البراءة إلى طفل قاتل التقيته داخل أحد المعتقلات الليبية، ما شدَّ انتباهي من بين باقي الأولاد هو الضربة التي تلقاها في الرأس، يقول عناصر الجيش إنه كان مقاتلا شرسا رفض الاستسلام ولم يخرج من ميدان المعركة إلا وهو مصاب. اسمه عبد الله، عمره 11 سنة، مصري الجنسية، دخل مع أهله من مصر إلى ليبيا عن طريق التهريب من السودان، أطلق عليه أمراء التنظيم لقب "أبي بكر" وتقرَّر أن يكون مقاتلا من مقاتلي "أشبال الخلافة". أخبرني عبد الله بأن الكتيبة كانت تحتوي على ما يقارب أربعين طفلا، يتدربون حسبه على السلاح بشكل يومي عدا الخميس والجمعة، الذين هما إجازة بالنسبة إليهم. تدريبهم كان بالكلاشنكوف والرصاص الحي، أما الموقع فيقول إنه كان في الصحراء. وهنا كشف مصدرُنا الأمني أنها معسكراتُ تدريب سرية تقام على مشارف منطقة سيرت، لتدريب الكبار والصغار. جلس عبد الله أمامي وكله ثقة، لم يكن ذلك الطفل الخجول الذي قد لا تأخذ منه كلمة إلا إذا قدَّمت له قطعة من الحلوى، كان طفلا جريئا ينظر بتحدٍّ أحسسته ندّا، ولم أحس مطلقا بأنه طفل عمره 11 سنة فقط. فقد تفاخَر ببراءة الطفولة التي انتُزعت منه بأنه يجيد الرماية وكان يصيب الهدف الذي عادة ما يكون زجاجة، هدف تحوَّل فيما بعد إلى حقيقة وأمر واقع، رؤوس الجنود والمختطفين من قبل داعش. أبو حمزة السعداوي، شخصٌ كان يجلب الضحايا إلى الطفل أبي بكر، كان يقيِّدهم ويديرهم بحيث تكون اليدان إلى الخلف والوجه لا يقابل الطفل الذي ما عليه سوى إطلاق النار على مؤخرة الرأس. كان عبد الله يضحك وهو يسرد لي وقائع الإعدام وكيف يسقط أمامه الضحايا وسط هتافات ومباركة عناصر التنظيم، سألته: لماذا قتلتهم؟.. فأجابني: "لأنهم مرتدُّون".. استغربت من إجابته وسألته مجددا: "هل تعرف معنى كلمة مرتدّ؟.. فأجابني بكل ثقة: "نعم. معناها الكافر.."! لم تكن عملياتُ القتل المهمّة الوحيدة لعبد الله، أو المكنى عند داعش "أبا بكر"، فقد كان الفتى يخرج إلى جبهات القتال أيضا رفقة عناصر التنظيم، بابتسامة عريضة، أخبرني بأنه كان يفرح كثيرا عندما يرمي الرصاص من أعلى قبة المسجد داخل مدينة سيرت على سيارات الجيش، وكيف كان يشاهد خروج أفرادها وهروبهم نحو السواتر، لقطات ربما كان يراها الولد في الرسوم المتحركة ولم يدرك يوما أنه سيكون أحد "أبطالها". سألتُه عن الأولاد الذين كانوا معه وأعمارهم؟ ليجيب بأن أشبال الخلافة كانوا بين ال9 وال14 سنة، من جنسيات مختلفة: سينيغالية ومصرية وليبية وتونسية وغيرها... أما المدربون فيقول إنهم أبو حمزة وأبو عامر ووالده أيضا، هذا الأخير الذي كان يأخذه معه إلى القتال رغم تخوف والدته ومحاولة منعها لذلك، لكنها في الأخير أوامر "الخليفة" ووالي سيرت في تأسيس تنظيم قويّ ل"أشبال الخلافة". قتلت الطفولة والبراءة لدى هؤلاء، فهل سيرضون بلعبة صغيرة قد يهديها إليهم أحد؟ لا أعتقد. فبعضهم كان يتحدث معي وهو ينظر إلى السلاح الذي يحمله الحراس، ربما باتت لعبته المفضلة. قد لا نملك طرح الأسئلة، لكنه سؤال يفرض نفسه: "ما مصير أطفال أشبال الخلافة اليوم..؟"، يقول مصدرنا الأمني الليبي إن ليبيا مستعدّة لإعادتهم إلى أهاليهم والبلدان التي ينتمون إليها، لأنهم لا يملكون حلا نهائيا لهم، فهي حالاتٌ صعبة وغريبة جدا، هل سيوضع هؤلاء الأطفال داخل سجون الكبار مع أفراد التنظيم؟ أكيد لا، وهل سيوضعون داخل مراكز إعادة التربية؟ أيضا لا، فليبيا في ظلِّ ظرفها الأمني الصعب الذي تعيشه وإمكاناتها البسيطة لا تملك مكانا دائما لهم، والنتيجة أطفال ضحايا تنظيم إرهابي جعل منهم مجرمين في عز نعومة تفكيرهم البسيط. يوجد اليوم داخل المعتقلات الليبية عشرات، إن لم نقل مئات منهم. دولة "الخلافة" المزعومة تلك، صنعت منهم قنابل موقوتة قد تنفجر في أيِّ لحظة. أطفال أقل سنا منهم أيضا يوجدون دون هوية ولا وثائق رسمية ولا أسماء معروفة ولا نسب. فقد تكون الأم المنجِبة "سبيّة" تعرضت للاغتصاب وتداول العناصر عليها وعند حملها تضع مولودا ينتسب إليهم بقدر عدم انتسابه إليها. أشبال الخلافة.. دولة الخلافة.. براعم الخلافة.. ضاعت الخلافة وضاع مصير هؤلاء معها، لكن الأكيد أن نهاية داعش لا تعني نهاية "أشبال الخلافة" وسيشكلون الخطر القادم في السنوات المقبلة على مختلف الدول.