يُعَد الصّيام تدريب على تقوى الله وطاعته عزّ وجلّ، وعلى التشبُّه بالصّالحين وبالمحسنين. قال الله عزّ وجلّ ''يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ'' البقرة.183 الصّيام تدريب على طاعة الله عزّ وجلّ ومراقبته تعالى، في السِّرٍّ وفي العلانية، وهذا التّدريب للإنسان يكون أكثر وضوحًا في الصّيام منه في سائر العبادات، فهو يغرس في نفس الصّائم الصّبر على طاعة الله جلّ شأنه، ويتعلّم قوّة الإرادة وضبط وحكم النّفس الّتي تسرف في شهواتها طوال العام، حيث يكون الطعام والشّراب في الكثير من الأحيان في متناول الصّائم، وبين يديه بعيدًا عن أنظار النّاس، ومع ذلك يكفّ عن تناولهما. وما يفعل الصّائم ذلك إلاّ خشية من الله عزّ وجلّ، وعلمه بأنّه يراه ويسمعه ومُطّلع على أفعاله، وعلى سِرِّه وجهره، فيزداد إيمانه وخوفه، فلا يخاف غير الله جلّ شأنه، فينال رحمته ورضاه، بفضل تأثير هذه العبادة في نفسه، وهذا ما يفسّر قول الله تعالى في الحديث القدسي: ''كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّوم فإنّه لي وأنا أُجْزِى به، يترُك طعامه وشرابه من أجلي''. ذكر حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى في حكمة نسبة الصّيام لله عز وجل معنيين، أحدهما أنّ الصّوم كفّ وترك، وهو في نفسه سِرٌّ ليس فيه عمل يُشاهد، وجميع الطّاعات بمشهد من الخلق ومرآى من أعينهم، والصّوم لا يراه إلاّ الله عزّ وجلّ فإنّه في الباطن بالصّبر المجرد. والآخر: أنّه قهر لعدو الله عزّ وجلّ، فإنّ وسيلة الشيطان لعنه الله للشّهوات. والحِكمة من الصّيام هو قمع النّفس وتهذيبها بالجوع والظمأ، كي تكون أبعد عن الخضوع لِهَواها، والانقياد لشهواتها، وفي ذلك يقول سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ''إنّ الشّيطان يجري مِن ابن آدم مَجْرَى الدم فضَيِّقُوا مجاريه بالجُوع والعَطش''. لأنّ في الصّيام تَرَفُّع وتسامٍ عن مشتهيات النّفس، وتنزّه عن الأهواء والنّزوات، وهذا من شأن الملائكة المقرّبين، الّذين لا شهوة عندهم ولا غريزة، فالصّائم حينئذ شبيه بالملائكة. والصيام أيضًا خير معين للإنسان على تقوى الله عزّ وجلّ، والخشية منه، لأنّ النّفس البشرية حين تكفّ عن الأشياء المباحة خوفًا من الله جلّ شأنه ورجاء في رحمته وطمعًا في ثوابه، فإنّ ذلك سيقودها حتمًا إلى تجنُّب الحرام، وفي ذلك يقول الله تعالى: ''يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ'' البقرة.183 كما أنّ الله تبارك وتعالى جعل الصّيام عُنصرًا مهمًا من عناصر تكفير الذّنوب وذلك لما له من أثر كبير في تهذيب النّفوس وردعها وكبح جماحها، فهو كفّارة في القتل الخطأ، يقول الله عزّ وجلّ: ''وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا'' النساء.92