"أبحث عن بيت للكراء منذ شهر جوان الماضي وبما أنني أريد كراء بيت ب 15 ألف دينار ولا يمكنني أن أدفع أكثر من هذا، فإن المهمة صعبة جد".. يقول (علي. ب) واحد من الذين يعانون من أزمة السكن منذ ست سنوات، بعدما طرد هو وعائلته من البيت الذي كان يسكن فيه لمدة 25 سنة، بقرار قضائي بحكم لصالح العم الذي طالب بسكنه.. لتجد العائلة المكونة من 5 أفراد نفسها في الشارع ومرغمة على الكراء حتى لا تبقى في العراء. وأمام الرفض الدائم لهذه العائلة اللجوء إلى السكن في بيت قصديري كحل، لم يكن أمامها سوى هذا الخيار بضرورة الكراء.. رغم طلباتها المتعددة للحصول على سكن اجتماعي منذ 25 سنة. وإن كانت هذه عينة فقط لعائلات تعاني في العاصمة، إلا أننا نريد أن نتطرق إلى الزيادة الفاحشة في ثمن إيجار السكنات والذي يزداد من يوم لآخر دون ضوابط ولا شروط وفي غياب تام للقانون، أمام طمع وجشع المالكين الذين يسكنون بيتا ويغلقون عشرا واستغلال أصحاب الوكالات العقارية والسماسرة للوضع من أجل الربح السريع. حاولنا التعمق أكثر في هذا الموضوع وقمنا بجولات يومية، باحثين عن كراء بيت من ثلاث غرف بوسط العاصمة أو ضواحيها.. بدايتنا كانت بدخول أول وكالة عقارية على مستوى شارع حسيبة بن بوعلي، وبعد أن طلبنا من صاحب الوكالة ما بحوزته من شقق للكراء، كانت إجابته الأولى، ما هي عدد الغرف وما هي القيمة المالية التي يمكن دفعها، قلنا ثلاث غرف ب 15 ألف دينار، صاحب هذه الوكالة تفاجأ وكانت إجابته مباشرة "هذا مستحيل! بهذا الثمن لن تجد ما تريده هنا في العاصمة".. ولما طلبنا ما هو الثمن لشقة من ثلاث غرف، قال أنه لن يقل عن 30 ألف دينار. بعدها توجهنا إلى ضواحي العاصمة، وأول حي فكرنا فيه كان الدارالبيضاء، بما أنه في الضواحي. وأول وكالة توقفنا عندها سخر صاحبها عندما قلت له بأنني أبحث عن كراء بيت من ثلاث غرف ب 15 ألف دينار فقط.. ولما استغربت رد فعله قال : "اسمع سيدي أنصحك بالذهاب والبحث عن بيت بهذه القيمة في أحياء أخرى لأنه لا يمكنك إيجاد ما تريده". و لما استفسرت عن السبب، قال أن شقة ثلاث غرف في الدارالبيضاء لا يقل ثمنها عن 25 ألف دينار، وعن السبب، أكد صاحب الوكالة أن أصحاب البيوت هم من يطلبون هذه القيم العالية، فالأمر حسبه، لا يهمهم كوكالات لأنهم يعدون همزة وصل فقط بين صاحب البيت والزبون، والوكالة ستحصل على الشهر الثالث عشر. الشهر الثالث عشر، هو أن يحصل صاحب الوكالة العقارية على قيمة شهر للكراء، من الزبون ومن صاحب البيت. هذا في الوقت الذي يشتر ط صاحب البيت أن تدفع له قيمة مسبقة لعام كامل على الأقل، يدفعها الزبون دفعة واحدة مقابل إبرام عقد لدى الموثق. تواصلت رحلتنا، لأننا كنا مصرين على الوصول إلى الأسباب التي جعلت الإيجار يعرف هذا الارتفاع الفاحش في زمن قياسي، فحتى في الأحياء الشعبية، والتي كانت إلى وقت قريب لا تستهوي الناس، أصبح الكراء غالياكما أكد (سفيان.ب)، صاحب وكالة عقارية في باش جراح: "ما زاد في ارتفاع ثمن كراء الشقق هنا، هو الطلب المتزايد عليها، فالكراء الآن أصبح مطلوبا، لهذا فإن أصحابها يحددون أسعارا مرتفعة وهذا ما لا يكون دائما في متناول الجميع حتى وإن كان هناك من لا يعير الثمن أية أهمية و يقوم بالكراء حتى ب 25 ألف دينار أو أكثر لشقة من ثلاث غرف". فالإقبال الكبير على العاصمة، في السنوات الأخيرة والتزايد المذهل لعدد السكان القادمين من الولايات الداخلية، سبب هذا الارتفاع في ثمن كراء الشقق، حسب ما أكده (نعيم .ر) أحد المتعاونين مع إحدى الوكالات العقارية في حي مايا: "لقد عشت في إسبانيا لمدة ست سنوات وصراحة لم أترك هذا العدد الكبير من السكان في العاصمة قبل ذهابي.. نحن في الوكالة نتلقى دائما طلبات متزايدة على الكراء ولا يقل ثمن الشقق التي تصلنا والتي يضعها أصحابها للكراء عن 25 ألف دينار.. أنا شخصيا لم أفهم ما هو السبب في هذا الغلاء الكبير". وإن كان هذا رأي بعض أصحاب الوكالات، فإن البعض الآخر هم من يقومون بهذه المزايدات، يقول عز الدين صاحب وكالة في السحاولة : " في أغلب الأحيان هناك العديد من الوكالات التي أعرف أصحابها هم من يقومون برفع قيمة الايجار أو البيع".. ليقص علينا ما حدث له : " جاءني أحد الزبائن، أراد كراء مسكن ولما قابلته مع صاحبه تفاجأ بأنه هو من كان يتفاوض وأنا لم أقل أي شيء.. ليقول له صاحب البيت بأنني الوحيد من أصحاب الوكالات الذي لا يقوم بأية مزايدات، تتصورون كم كان ذلك مشرفا بالنسبة لي ". جولتنا من أجل البحث عن كراء بيت من ثلاث غرف لم تنته وكم كانت شاقة ومتعبة وما أتعبنا أكثر، هو أن 15الف دينار أصبحت لا شيء في وقت ربما لا تتعدى قيمة أجرة رب عائلة هذا المبلغ. هذه الجولات اليومية جعلتنا نحتك بأشخاص كثيرين، فبعد أصحاب الوكالات، وجدنا أنفسنا نتعامل مع فئة أخرى لا تقل أهمية عن هؤلاء. السماسرة منافسون وبعضهم سبب الغلاء السماسرة هم أشخاص يعملون عمل الوكالة العقارية، تجدهم يبحثون عن شقق، فيلات، محلات وأراض للكراء أو للبيع ويتعرفون على أصحابها ويتوسطون بينهم وبين الزبائن، ليحصلوا على قيمة مالية من الطرفين.. بهذا يخلقون منافسة شديدة لأصحاب الوكالات الذين أصبح معظمهم يتعاملون معهم كونهم معروفين في هذا الحي أو تلك المنطقة، حيث غالبا ما يتوجه إليهم المالكون حتى لا يدفعوا قيمة الشهر الثالث عشر. فالسمسار يتفق مع صاحب البيت على قيمة مالية تكون دائما أقل من التي يطلبها صاحب الوكالة.. في حين أن هناك بعض السماسرة، الذين يرفعون الثمن إلى قيمة كبيرة وعادة بالاتفاق مع صاحب البيت، ليحصل السمسار، على تلك الزيادة المضافة عما يطلبه المالك. (عمار. ف) أحد السماسرة في السحاولة المعروفة بتواجد عدد كبير من هؤلاء المحترفين في السمسرة يقول: "أقوم بهذا العمل منذ عدة سنوات، ولست من الذين يزايدون فأنا أكتفي بالقليل والرزق على الله". ويضيف "مالكو المنازل هم من يفرضون على الناس هذا الغلاء الفاحش". بالفعل، فخلال هذه الجولات التي قمنا بها وجدنا أن من يطلب الكثير هم من يملكون بيوتا مقفولة. اتصلنا بأحد السماسرة الذي أخذنا إلى أحد المالكين لبيت في عين النعجة، المكون من ثلاث غرف، السمسار أكد أن الثمن هو 18 ألف دينار، أردنا زيارة هذا البيت بحضور صاحبه ولما طلبنا من هذا الأخير أن يخفض الثمن بعض الشيء، أجابنا بغضب "لن أقوم باستئجاره ولو ب 20 ألف دينار". هنا تيقنا أن المشكل الأول كامن في صاحب البيت في حد ذاته، حتى وإن كان للوكالة أو السمسار يد من قريب أو من بعيد في هذا الغلاء. ومن خلال هذا التجوال تعرفنا على خبايا الكراء في الجزائر وعلى سماسرة كثيرين، فهذا أحد المالكين لبيت في براقي، يريد كراء بيته لكن بشرط ألا يقوم بإبرام عقد موثق، كونه لا يملك عقد الملكية، لهذا يريد كراء هذا البيت دون وثائق، ليقترح علي أن يقوم بإبرام عقد من نوع خاص، وهو أن ينص فيه على أنه ترك الزبون في البيت كحارس فقط، وهذا حتى لا تكون له مشاكل مع مصالح السكن، والكثير من هؤلاء من تحصلوا على سكنات اجتماعية أو سكنات في إطار السكن التساهمي، إلا أنهم لم يسكنوها أبدا وبالتالي يحاولون كراءها بهذه الطريقة الغريبة، أي دون عقد موثق، لأن القانون لا يسمح لهم بذلك.. مع هذا يطلبون تسبيقات لعام كامل، وفي نهاية العام يأتون إلى الزبون طالبين منه الخروج من البيت لكرائه لمن يدفع أكثر. تساؤلاتنا كانت كثيرة، أين هي السلطات لحماية المواطن البسيط من هذه التعاملات، التي لا تعرف في أي بلد آخر سوى الجزائر. ففي معظم البلدان الأخرى، من يستأجر بيتا فإنه لا يغادره إلا بمحض إرادته، وصاحب البيت لا يحق له أن يطلب منه الخروج، إلا إذا كان هناك مشكل ما، مثل عدم دفع الأجرة الشهرية، وفي هذه الحالة فإن المالك ينتهج الطريقة القانونية ولن يقوم بعملية طرد الساكن في بيته، إلا إذا كان ذلك بقرار من المحكمة مثلا.. هذا ما يحدث في فرنسا أو كندا، مثلما يؤكد عليه (عبد الحكيم. ب) أحد المغتربين في مونريال: "هنا في كندا لا نعاني من هذا المشكل بتاتا.. فأنا هنا منذ ست سنوات ولم أغادر بيتي إلا مرة واحدة، لأن البيت الأول أصبح ضيقا نوعا ما بعد ولادة ابني، وأدفع بانتظام الأجرة شهريا لصاحب البيت، الذي لا أراه أبدا، كون دفع هذه الأجرة يكون من خلال الحساب الجاري للمالك، إضافة إلى هذا، فهنا ليس هناك ما يسمى بتسبيق قيمة عام كامل مثلما هو الأمر في الجزائر، الشيء الذي يعتبر غريبا فعلا، أظن أنني أحسنت صنعا بمجيئي إلى هنا". الاحترافية غائبة والضوابط منعدمة حاولنا أن نتقرب ممن له علاقة أكثر بهذا الموضوع، واتصلنا بالسيد عبد الحكيم عويدات، نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للوكالات العقارية، الذي يؤكد أن الأسباب الرئيسية لهذا الغلاء في سعر الإيجار تعود أساسا إلى أن: " سوق العقار في الجزائر لا تتحكم فيه أية ضوابط، و ليست هناك احترافية، كون أن السوق الموازية هي التي تتحكم في هذا، والتي تمثل 50? منه". مؤكدا أن هناك فوضى في هذا العقار عائدا إلى ذكر الأسباب التي لها علاقة مباشرة مع هذا الغلاء: "الناس تشتري بغلاء كبير إضافة إلى هذا فالمؤسسات الأجنبية سبب أيضا في ارتفاع الأسعار، وليست هناك قوانين تقيد الكراء في الجزائر، في وقت يطلب فيه الجزائري السكن بشكل لا متناه، ولما كان الطلب كبيرا زاد من الارتفاع الفاحش في سعر الإيجار". ليضيف عويدات، أنه وعلى مستوى الفيدرالية هناك تفكير واقتراحات كثيرة من أجل إيجاد الحلول لهذا الموضوع "أول ما نقوم به في الفيدرالية هو الاهتمام بتكوين الوكلاء العقاريين، نحن نرى بأن هذا الأمر مهما جدا، حتى نحد من ظاهرة السمسرة التي يقوم بها من لا علاقة لهم بهذه المهنة، إلى جانب هذا فإن نقص الإعلام سبب آخر في هذا الغلاء، ولهذا سننشر جريدة خاصة بالعقار نقوم من خلالها بإعلام الناس بكل الأمور الخاصة بالعقار وبكل القوانين". وعن الحلول الأخرى، يقترح نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للوكالات العقارية، أن تقوم الدولة بتنظيم هذا العقار وان تضع قوانين تنظيمية لذلك، خاصة فيما يتعلق بحماية المستأجر وصاحب العقار أيضا "لقد تقدمنا باقتراحات للمسؤولين عن القطاع، بأن تقوم الدولة بهذه العملية، أي إيجار السكنات بثمن معقول، على أن يدفع المواطن إيجاره شهريا، فهذا هو الحل الذي نراه عاجلا في الوقت الحالي، ولا بد أن تتضافر جهود الجميع ممن له علاقة بالموضوع حتى نصل إلى هذه الحلول". ليضيف أن هناك تفكير من أجل الوصول إلى مثل ما يحدث في الخارج فيما يخص الإيجار ولا بد من الوصول إلى ذلك يوما : "لماذا لا نصل إلى تطبيق ما يحدث في كل البلدان الأوربية، فهناك يقوم من يستأجر البيت بدفع قيمة الثلاثة أشهر الأولى كضمان، ثم بعد ذلك يدفع كل شهر بانتظام، غير أن القانون يحمي الطرفين،وخاصة صاحب البيت الذي يلجأ إلى المحضر القضائي دون اللجوء إلى العدالة". وزارة السكن: السوق خاضع للعرض والطلب تقربنا أيضا من الجهة الوصية، وزارة السكن، وطرحنا المشكل على المدير الفرعي للسوق الإيجارية، السيد عزوز، الذي كلف بنيابة مدير التسيير العقاري والذي أراد أن يفرق ما بين السكنات المستأجرة لدى الدولة والتي تشرف عليها دواوين التسيير العقاري، وتلك المستأجرة من طرف الخواص، حيث يرى أن "السكن لدى الدولة مدعم وبالتالي فهذه السكنات التي تقوم دواوين التسيير العقاري بإيجارها، لا تصل أبدا إلى سعر مرتفع، فالدولة تحمي الفئات الاجتماعية الهشة، ولهذا فإن المرسوم التنفيذي الصادر في 16/02/1998 الذي أصدرته كلا من وزارتي السكن ووزارة التجارة، يحدد سعر المتر مربع للإيجار ب 25 دج فقط ".. وحسب السيد عزوز، "فإنه بعملية حسابية فإن ثمن الكراء لدى الدولة لا يتعدى عن 1000 دج، وهذا لشقة من ثلاثة غرف، قبل مرسوم 98، وانطلاقا من هذه السنة تغير الأمر ليصل إلى 1700 دج شهريا، ورغم هذا فإن هناك 65? من السكان لا يدفعون الكراء" . وإلى غاية 30 سبتمبر 2008، فإن دواوين التسيير العقاري أحصت 721870 سكن تقوم هذه الأخيرة بتسييرها، لتصل القيمة التي لم يقم السكان بدفعها إلى 15 مليار دينار، ففيما يتعلق بملكية الدولة، فإن الأمور مقننة. ويرى السيد عزوز " أن السكنات التي تقوم الدولة بكرائها تبقى في إطار قانوني ومنظمة". ليضيف أن سوق العقار أصبح مقيدا "اصدر مرسوم في 1993 يحمي الملكية والذي وضع العقد الموثق بين المستأجر و صاحب البيت، فلدى نهاية مدة العقد يحق لصاحب المنزل اللجوء إلى المحضر القضائي من أجل الإجراءات اللازمة لاسترجاع بيته". وعكس ما كان يتداول لدى العامة كون أن الدولة ستقوم بداية من سنة 2009،في عملية استئجار السكنات فإن السيد عزوز يؤكد عكس ذلك معتبرا أن هذا الأمر ليس في مشاريع الدولة في الوقت الحالي، إلا أنه عبر عن اقتناعه بأن الامور ستتغير وقال: "أظن أن الأمور ستتغير فهناك مشروع لتحسين و تنظيم الوكالات العقارية ". وبخصوص امكانية لجوء الدولة للتدخل في سوق الايجار الخاص ، قال السيد عزوز "هذا السوق يتحكم فيه مبدأ العرض و الطلب ".وعن الحلول التي يجب أن تكون لتنظيم هذه السوق،يلخصها السيد عزوز في: ü أن يقوم الموثق بعمله بصفة قانونية و ألا يشجع على التهرب الضريبي. ü الالتزام بالقانون و ببنود العقد الموثق . ü وهناك بعض القرارات التي ستنظم مهنة الوكالة العقارية. وكحل آخر يبقى ما يصبو إليه كل من يعنيه أمر الإيجار، أن تقوم الدولة ببناء سكنات تقوم هي بإيجارها مع تشجيع الناس خاصة المقاولين على ضرورة بناء سكنات واستئجارها وهذا مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى دخل الفرد. وبعد كل ما تطرقنا إليه، يظهر أن عناء المواطن البسيط الباحث عن مسكن للكراء لن ينتهي اليوم، وأن الفوضي ستبقى مستمرة مادامت الضوابط غائبة، ومادام توزيع السكنات يخضع لممارسات غير شرعية في عدة مناطق، لاسيما في العاصمة، حيث الطلب يفوق العرض و لو ظاهريا.