مراصد إعداد: جمال بوزيان الجزء الثالث أخبار اليوم تواصل رصد آراء أساتذة حول الآل آم دي الجامعات الجزائرية تستنزف أموالا طائلة مقابل نتائج علمية زهيدة يرى كثير من أساتذة الجامعات الجزائرية فشل نظام ل.م.د على عدة صُعُد لكن بعد عملية التقييم لفترة دامت 16 عاما يراد إصلاحه.. سألنا أساتذة عن هذا الإصلاح وعن مقترحاتهم. الدكتور بوفلجة غيات أستاذ جامعي : تأملات في خطة طريق لإصلاح الجامعات الجزائرية إن الظهور المفاجئ لجائحة كورونا 19 كشف عن عيوب مؤسسات الدولة في كل المجالات.. فالمنظومة الصحية مريضة والمؤسسات الصناعية مريضة والجامعة أيضا مريضة وأن الريع البترولي كان يغطى عن كلّ مظاهر الخلل..وقد أبرزت الجائحة نقائص وعيوب كل هياكل الدولة. فالجامعة أصبحت هيكلا إداريا تستغله الدولة للحفاظ على عدد كبير من الشباب وقد أطلق عليها البعض حضانة الشباب . وهي تستغل من أجل التخفيف من الضغط على مناصب العمل وعُدت هيئة تشغيل تمتص جيشا من الأساتذة والعمال والإداريين وتستهلك مبالغ مالية كبيرة مقابل نتائج علمية زهيدة.. ففي إطار ديمقراطية التعليم الكل يدرس والكلّ يلتحق بالجامعة والكلّ ينجح والكلّ يحصل على الشهادة إلا من أبى. وهي ظاهرة مَرَضية لا توجد في أي دولة أخرى ما عدا الجزائر.. لذا نجد عددا كبيرا من المتخرجين من الجامعة الجزائرية من حملة الماستر والدكتوراه ومن الأساتذة الذين ينتقلون من درجة أستاذ محاضر ب إلى أستاذ محاضر أ ومنها إلى درجة بروفيسور بعد نشر مقال واحد في مجلة صنف ج والمشاركة في بعض الملتقيات وقد تكون منظمة في القسم نفسه الذي يدرّس في الأستاذ ويطلق عليها أحيانا ملتقيات دولية . إن هذا العدد الكبير من الدكاترة والبروفيسورات الذين تنتجُهم الجامعة الجزائرية وعدد مخابر البحث وعدد المجلات العلمية التي تصدرها المخابر والجامعات الجزائرية من المفروض أن تكون نتائجها تطورا صناعيا واقتصاديا كبيرين تنعكس آثارهما على كل النواحي الاجتماعية والاقتصادية للجزائر كلها. إلا أن الواقع المتردي للجزائر في كلّ المجالات رغم الأموال التي تم ضخها في منظومة التعليم العالي تدلّ عن فشل الجامعة. وهكذا أصبحت الجامعة الجزائرية في ذيل ترتيب الجامعات العالمية.. بل أن هناك جامعات من دول أفريقية فقيرة تبوّأت مراتب محترمة في إطار الترتيب العالمي أحسن من جامعاتنا.. فما فائدة جامعات ومخابر ومجلات لا تطوّر علما تظهر نتائجه على أرض الواقع؟. لقد عرفت الجامعة الجزائرية جمودا كبيرا في عصر التغيّر السريع الذي يعرفه العالم. فرغم التحولات الكبيرة في السياسة الجزائرية والانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق وتفتح الجزائر على العولمة والتعددية السياسية إلا أن الجامعة الجزائرية بقيت على حالها.. مجموعة من الإصلاحات الفاشلة وكل ّإصلاح يحتاج إلى إصلاح آخر لإصلاح ما سبقه وكل ذلك دون تقييم حقيقي من ذوي الاختصاص لهدف الحفاظ على كلّ ما هو إيجابي والبناء عليه وتدارك النقائص والسعي إلى معالجتها. وهكذا كانت الجامعة مهيكلة في صورة كليات ثم جاءت المعاهد ثم أعيدت الكليات ثم أدخل نظام ل.م.د وهم يتحدثون عن التخلي عنه ثم فتّتت الجامعات دون أن نرى دراسات وتقييمات علمية من طرف مختصين وإن كانت هناك دراسات فلم ينشر غسيلها بل عُدَّ من أسرار الدولة.. وحتى في حالة وجودها فلم يُشارك الأساتذة بإبداء آرائهم في إنجازها ومناقشتها. فليس غريبا أن نصل إلى ما وصلنا إليه وقد وصل الأمر إلى أن أحد وزراء التعليم العالي السابقين أفتى بعدم أهمية جائزة نوبل. وهكذا استمر اعتماد سياسات شعبوية في قطاع التعليم العالي تبدأ مشكلات الجامعة من شهادة الباكالوريا في عهد كانت الوزارة تعاقب مديري الثانويات التي تعرف ضعفا في النتائج النهائية مما شجع بعض مديري الثانويات بتواطؤ مع بعض الأساتذة للسماح للطلبة بالنّقل بل مساعدتهم على ذلك حتى لا تعاقب الثانويات بإداراتها وأساتذتها.. فيحصل هؤلاء الطلبة نقاطا عالية تمكنهم من الالتحاق بالتخصصات التي يريدونها. في حين يعامل طلبة آخرون بصرامة وينجحون بمعدلات متدنية رغم كفاءاتهم فيرغمون على الالتحاق بتخصصات غير مرغوب فيها وهم مكرهون. كما أن نتائج تصحيح البكالوريا تمرّ عادة بمختبرات قبل الإعلان عنها لرفع نسب النجاح مما يغطي على الأداء السلبي لبعض الوزراء وقطاع التربية الوطنية عموما. وهنا تبدأ مشكلات الجامعة مع الطلبة الملتحقين بها نتيجة إرغامهم على التسجيل بطريقة إلكترونية في تخصصات قد يكرهونها أصلا تترتب عن ذلك مشكلات الأساتذة الذين يجدون أنفسهم يتعاملون مع طلبة محبطين وغير متحمسين للدراسة تنتهي بسوء مستوى التحصيل ومشكلات الجامعة بل مشكلات الجزائر جميعها. إن العدد الكبير للطلبة ببعض الكليات الجامعية وخاصة في العلوم الاجتماعية والإنسانية والآداب والحقوق والاقتصاد ونقص الإمكانيات يؤدي إلى تراكم المشكلات وضعف التحصيل وهي جوانب لم تعد سرا مع ذلك لم يحرّك أحد ساكنا للإصلاح الحقيقي. بل عبارة عن قرارات متتالية من الأعلى إلى الأسفل دون أن يكون لها أثر على أرض الواقع. ونبقى في انتظار ظهور الأزمات كما هو الحال لجائحة كورونا 19 حيث يتفاجأ الجميع أن الجامعة عاجزة عن التدخل بفعالية في المساعدة على مواجهة الأزمات. ذلك أن المسؤولين على مستوى الوزارة يهتمون بالجانب الإحصائي أكثر من أي شيء آخر. الاهتمام بعدد الطلبة بعدد الأساتذة والإداريين والعمال الذين يتمّ تشغيلهم من قبل الجامعة. كما يهتمون بإحصاء عدد المتخرجين من حملة شهادات الليسانس والماستر والدكتوراه. وعدد الأساتذة الذين ينتقلون من درجة أستاذ محاضر ب إلى أستاذ محاضر أ والذين ينتقلون إلى درجة الأستاذية حيث يتم ذلك بطريقة شبه إدارية. كما يهتمون بعدد مخابر البحث وعدد الباحثين وعدد المجلات العلمية المنشورة دون الاهتمام بموضوع المحتوى والنوعية وما ينتج عن هذه الأرقام من تنمية وتطوّر في مختلف المجالات. وهكذا تمّ تخرج عدد كبير من حملة الشهادات دون كفاءات حقيقية لذا ليس بغريب أن تستمر الأزمة في كل القطاعات والمجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ذلك أن عددا كبيرا من خريجي الجامعة لا يمتلكون الكفاءات الضرورية لإدارة المصالح والمؤسسات التي يُكلّفون بإدارتها. وهو ما أدى إلى تزايد البطالين ضمن حاملي الشهادات إذ أن الجامعة أصبحت تساهم في إنتاج الأزمة وتعميقها. وقد صرفت الدولة أموالا معتبرة من خلال تشجيع حاملي الشهادات على إنشاء مقاولاتهم الخاصة إلا أن نسبة كبيرة منهم أخذت الأموال وفشلت في تحقيق مؤسسات ناجحة. ولذلك عدّة أسباب ومنها ضعف مستوى تكوينهم على مستوى الجامعة. لا يمكن الحصول على جامعة ناجحة يتخرج منها الباحثون والكفاءات التقنية والإدارية والعلمية في جامعة بها عدد كبير من الاتحادات الطلابية يتمتعون بالحماية من جهات عليا يقومون بغلق الجامعة كلّ ما شاؤوا عند عدم تلبية مطالبهم. لا توجد جامعة في العالم يمنع فيها الطلبة مدير الجامعة أو عميد الكلية بل حتى الأساتذة والطلبة من الدخول إلى مكاتبهم ومدرجاتهم وهي ظاهرة أصبحت عادية في الجامعة الجزائرية. وقد انتشرت ظاهرة الغش في الامتحانات إلى درجة مخيفة فإضافة ل الحروز التقليدية المهيأة للنقل أصبحنا نشاهد أساليب إلكترونية متطوّرة ومنها استعمال الهاتف النقال والاتصال بخارج القاعة أثناء تأدية الامتحانات وذلك بأساليب مبتدعة متطوّرة. كما أصبح الطلبة يحضرون للغش بكتابة الدروس على الطاولات والجدران. إن الغش في الامتحانات هي ظاهرة من مظاهر الفساد وأن المتخرجين الحاملين لشهادات عليا عادة ما يتحملون مناصب عليا وليس غريبا أن يكونوا فاسدين فقد تعوّدوا على الفساد في الجامعة عن طريق الغش في الامتحانات. وهو ما يشرح ظاهرة تفشي الفساد بمختلف أنواعه وما خفي أعظم. إن العلم يتطلب الجدّية والصرامة والانضباط في حين أن هذه العوامل غائبة في الجامعة الجزائرية حيث نجد عدم احترام الوقت على كلّ المستويات وانتشار ثقافة التسيّب. فكم يدرس الطلبة الجزائريون في خضم الإضرابات المتكررة والأعياد الدينية والوطنية والعطل الرسمية وتغيب الأساتذة من أجل قضاء التربصات والعطل العلمية إلى جانب الرخص المرضية. من هنا يتبين لنا أن الجامعة الجزائرية في حاجة إلى إصلاحات عميقة بدءا بهيكلتها. ذلك أن الجزائر تبنت نظام ل.م.د إلا أنها لم تطبق الجزء المرتبط بالتنظيم كانتخاب بعض مسؤولي الجامعات وعمداء الكليات. إن الجامعة الجزائرية تعتمد هيكلة وأنظمة إدارية وبيداغوجية تقليدية عتيقة. حيث يخضع البيداغوجي إلى الإداري البيروقراطي فكل شيء يأتي من الأعلى وهي لا تخدم احتياجات المجتمع. فهناك العمال وهناك إطارات لها تجربة عالية وليست لها شهادات وهم محرومون من متابعة دراساتهم الجامعية. وبالتالي ليست لهم إمكانية ترقيتهم في مسارهم المهني والاستفادة من خبراتهم. وهي جوانب مهملة من طرف الجامعة الجزائرية. على الجامعة أن تكون لها استقلالية كاملة من حيث التخصصات التي تفتحها والتخصصات التي تغلقها. ذلك أن الجامعة الجزائرية أصبحت هيكلا بيروقراطيا كبيرا تدار عن طريق التعليمات المتلاحقة من الجهات العليا ويبقى مدير الجامعة عبارة عن منفذ وكذلك الحال لعميد الكلية. فالوزارة تحدّد عدد الطلبة الملتحقين دون اعتبار لإمكانيات الجامعة وهو ما يؤثر سلبا على نوعية التكوين. سوف لا نخترع شيئا جديدا في إطار إصلاح التعليم العالي. وليكن النظام الأنجلو - سكسوني الذي تميز بنجاحه لعدّة أسباب. فالجامعة البريطانية مثلا مستقلة إداريا وبيداغوجيا وعلميا. تتعامل مع محيطها بطريقة اقتصادية وتبحث عن مواردها المالية. كما أن البرامج الدراسية بها تحدّد محليا إذ بإمكانها فتح تخصصات وبرامج تكوينية جديدة وغلق أخرى لا يقبل عليها الطلبة وفق ما يقتضيه الواقع والمحيط المبار. أما أساليب الدراسة فهناك الأنظمة الآتية: 1. تفرغ كامل (Full time). 2. تفرغ جزئي .(Part time) 3. دراسة جزئية (Sandwich courses) حيث يدرس الطلبة خلال فصل ويشتغلون في مؤسسة خلال فصل آخر وذلك بتنسيق بين الجامعة والمؤسسة. 4. الدراسة عن بُعد (Extra-mural education) كما أنه يمكن للجامعة قبول طلبة يتمتعون بخبرة وتجربة وليست لهم شهادات للالتحاق بالجامعة بعد إجراء مقابلات معهم لتقييم خبراتهم. وبالتالي فتعدد الأساليب تسمح لكل طالب اختيار النموذج حسب واقعه وهو ما نفتقده في الجامعة الجزائرية. بشأن الأساتذة إن عدد الأساتذة محدّد بها فرئيس القسم ورؤساء الفروع يكونون من درجة أستاذ ومن برغب الارتقاء إلى هذه الدرجة فعليه شغل المنصب الذي قبل لشغله. وأن مسابقة شغل المنصب تكون على المستوى الوطني ويفصح عنها إعلاميا وفق الملف العلمي للمترشح. ويصبح الفائز رئيسا للمصلحة أو القسم ويرقّى إلى درجة أستاذ. إلا أن للأستاذ مكانته. في حين أن في الجامعة الجزائرية كل الناس سيصبحون بعد بضع سنوات في رتبة أستاذ ولم تعد لرتبة أستاذ أهميتها. وقد يتجاوز عدد البروفيسورات في الجزائر عددهم في الجامعات البريطانية بعد بضع سنوات. إن مستوى الجامعة البريطانية جيد لعدّة أسباب. فعدد طلبة الماستر لا يتجاوز 12 طالبا في حين أن عدد طلبة الماستر في الجزائر يصل إلى 80 طالبا أحيانا في العلوم الاجتماعية مثلا يُحشَرون في قاعات قد لا يجد الذين يصلون في الأخير كراسي يجلسون عليها.