* "الذاكرة التاريخية ستغلب على الملف المالي في زيارة هولاند" حذّر الأستاذ امحند برقوق مدير مركز الدراسات الاستراتيجية والأمنية الكائن مقرّه بالعاصمة، وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الإعلام والعلوم السياسية من تأثيرات التدخّل الأجنبي على الشمال المالي باعتبارها منطقة حدودية، مشيرا إلى نشاط الجماعات المسلّحة وإمكانية تسلّلها إلى الأراضي الجزائرية في حال تعرّضها للضغط في منطقة نشاطها بمالي، واستبعد في حوار أجرته معه (أخبار اليوم) أيّ تغيير قد يطرأ على الموقف الجزائري اتجاه الأزمة المالية، مفنّدا كلّ ما تداولته وسائل الإعلام حول وجود ضغوط دولية، لا سيّما من فرنسا لحمل الجزائر على المشاركة في التدخّل العسكري المرتقب في الشهور القادمة. أجرت الحوار: آسية مجوري * ما هي قراءتك للوضع في مالي؟ ** الوضع في رأيي يزداد تأزّما يوما بعد يوم بحكم وجود 960 ألف كيلومتر من الأراضي المالية خارج سيطرة سلطة البلاد، سواء على المستوى الإداري أو على المستوى الأمني والعسكري، هذا إلى جانب وجود جماعات إرهابية ناشطة في المنطقة، بالإضافة إلى تواجد حركتين مطلبيتين ويتعلّق الأمر بكلّ من حركة أنصار الدين والحركة الوطنية لتحرير أزواد اللتين تظهران اختلافا واضحا سواء من النّاحية الوظيفية أو حتى من ناحية الأهداف التي ترمي إليها كلّ حركة، ومع اقتراب إصدار تفويض أممي لنشر قوات عسكرية في الأراضي المالية فإن الأوضاع ستزداد تعقيدا في رأيي. * هل تتوقّع أن يزيد التدخّل العسكري على الأراضي المالية الأوضاع تأزّما؟ ** بالتأكيد، وذلك لعدّة أسباب ومتغيّرات منها غياب سلطة سياسية متجانسة في باماكو بإمكانها أن تتحدّث بشرعية باسم كافّة الشعب المالي، إضافة إلى وجود الجيش المالي في حالة انهيار تامّ، إذ أنه غير جاهز من ناحية الأداء وغير قادر على استرجاع الأراضي الموجودة خارج سلطة الدولة المالية، هذا بالإضافة إلى عدم جاهزية القوة العسكرية الإفريقية التي يرتقب إرسالها إلى الشمال المالي لخوض معارك في المنطقة. فالقوة العسكرية المقدّرة ب 3300 جندي التي تنوي المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا نشرها على الأراضي المالية غير مؤهّلة لمكافحة الإرهاب ولا خبرة لها في هذا المجال، كما أنها تجهل جغرافية المنطقة أيضا واحتمالات مشاركة قوى أجنبية غير إفريقية في التدخّل العسكري على مالي سيزيد من تعقيد الأمور، لا سيّما بالنّسبة للرّادكاليين الذين يرفضون الحلّ العسكري لإنهاء الأزمة المالية لأن ذلك سيؤدّي إلى حالة من عدم الاستقرار طويلة المدى. * هل من تأثير على الجزائر في حال وقوع التدخّل العسكري في شمال مالي؟ ** وجود حدود على طول 1376 كيلومتر بين مالي والجزائر يجعل تأثّر الجزائر أكيدا، لا سيّما مع وجود حركات إرهابية ناشطة في المنطقة الشمالية من دولة مالي. ففي حال حدوث أيّ تدخّل أجنبي ستضطرّ هذه الجماعات الإجرامية إلى التحرّك والانتقال إلى الأماكن المجاورة المتمثّلة في النيجر، موريتانيا والجزائر، وهو ما يجعلنا عرضة لأن نكون وِجهة لهذه الجماعات الإرهابية. * كيف ترى الموقف الجزائري من الأزمة المالية؟ ** في رأيي هو موقف عقلاني نابع من قراءة عميقة للوضع المالي وناتج عن تجربة وخبرة طويلة في مجال مكافحة الإرهاب، ولا ننسى أن الجزائر قامت بتطوير آليات لمكافحة الإرهاب من خلال هيئة الاستعلام لمكافحة الإرهاب وقامت بإشراك جميع الدول في العملية دون المساس بسيادتها أو التعرّض لشؤونها الداخلية. * لكن بماذا تفسّر التذبذب الذي شهدناه في الموقف الجزائري اتجاه الأزمة، فمن جهة تعلن دعمها لمكافحة الإرهاب في مالي ومن جهة أخرى ترفض الحلّ العسكري لإنهاء الأزمة المالية؟ ** لا، لا يوجد أيّ تذبذب في الموقف الجزائري، بل على العكس تماما هناك استقرار في الرّأي وفي الأهداف والطرح من خلال التركيز على ضرورة الحفاظ على وحدة التراب المالي واحترام الوحدة المالية والإصرار على مبدأ عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ دولة، زيادة عن إقرار وجود حوار سياسي داخلي مع الحركات غير الإرهابية لتحقيق الاستقرار التام في مالي. * يقال إن فرنسا تسعى لتوريط الجزائر في حرب في مالي، هل ترى أن هذا الاحتمال وارد؟ ** الجزائر لن تتورّط في مستنقع مالي لأن عقيدة الجزائر تنصّ على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ دولة وعدم قيام الجيش الجزائري بأيّ عملية خارج الحدود الجزائرية، والهدف الرئيسي هو حماية الحدود الوطنية والدفاع عنها. * ما رأيك في من يقول إن فرنسا تساوم الجزائر لحملها على المشاركة في التدخّل العسكري على مالي باللّعب على وتر الذاكرة التاريخية، وهي إشارة إلى الاعتراف الأخير لفرنسا بمسؤوليتها على جرائم 17 أكتوبر 1961؟ ** لا أظنّ أن هناك علاقة بين الاعتراف الأخير لفرنسا بجرائم 17 أكتوبر 1961 وبين الأزمة في مالي، لأن قرار عدم المشاركة في التدخّل العسكري والعمليات العسكرية على الأراضي المالية هو قرار صادر عن الأمانة الوطنية والخيارات السيّدة ولا تخضع هذه الأمور لأيّ ضغوط أجنبية أو دولية. * هل تتوقّع أن يتغيّر الموقف الجزائري بعد الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند إلى الجزائر شهر ديسمبر المقبل؟ ** لا أظنّ ذلك. * بماذا تفسّر الزيارات المتكرّرة لوزيرة الخارجية الأمريكية والزيارة المنتظرة للرئيس الفرنسي، والتي يتوقّع أن يحتلّ فيها موضوع الأزمة المالية الحيّز الأكبر؟ ** زيارة فرانسوا هولاند في رأيي لا ترتبط بقضية الوضع في مالي على قدر ارتباطها بموضوع إحياء الذاكرة التاريخية التي تربط البلدين، أمّا عن الزيارات الدولية المتكرّرة فهي تعكس الدور الرائد الذي تلعبه الجزائر في المنطقة والمكانة السياسية والاقتصادية التي تحظى بها دوليا، دون أن ننسى أن الجزائر سعت دائما إلى حلّ الكثير من الأزمات في المنطقة الإفريقية، كما تتمتّع بخبرة جيّدة في مجال مكافحة الإرهاب أيضا. * تحدثت وسائل الإعلام مؤخّرا عن مطلب أمريكي لإنشاء قاعدة عسكرية في منطقة الساحل الإفريقية بحجّة مكافحة الإرهاب في المنطقة، برأيك ما الهدف من إنشاء هذه القاعدة؟ ** منطقة الساحل الإفريقي تبقى محلّ منافسة وموضع أطماع الكثير من الدول، سواء تعلّق الأمر بفرنسا التي تعتبر الساحل الإفريقي مجال نفوذ أو حتى بالنّسبة للولايات المتّحدة الأمريكية التي بادرت منذ 1960 بإبرام اتّفاقيات تعاون عسكري لضمان بعض مصالحها في المنطقة كحقّ الاستغلال الحصري لموارد المنطقة، وقد شهدنا تدخّلات لها في إفريقيا منذ سنة 2009.