عملت السلطات العمومية منذ استرجاع السيادة الوطنية، على التخلص من مخلّفات الاستعمار في قطاع السكن، و الصورة السوداوية التي ترسّخت في الذاكرة الجماعية للجزائريين، بعد أن رحلوا قسرا من أجود الأراضي وأحسن المساكن، إلى «أكواخ» لا تتوفر على شروط الحياة، ف «القربي» ظل لصيقا بهم إلى سنوات، وجدرانه الطوبية وسقفه من سعف النخيل والقصب وفي أحسن الأحوال قرميد مهترئ لم يعد قادرا على حماية أجسادهم وروحهم المتعبة من تقلبات الطقس في مختلف الفصول، وقبل ذلك من احتلال مرير ذاقوا فيه كل أنواع القمع والتعذيب. ظلت مشكلة السكن دائما محل انشغال كبير بالنسبة للدولة، فعند الإستقلال كان أقل من 10 % من التراب الوطني يمثل مناطق حضرية، والغالبية العظمى من السكان كانوا يعيشون في ظروف سكنية مزرية، وتحت تأثير حرية وشرعية تنقل المواطنين، اكتظت المدن الموروثة من الحقبة الاستعمارية بسرعة، تقول المكلفة بالدراسات بوزارة السكن والعمران، سليمة قلاب، التي فتحت لنا أبواب مكتبها بمساعدة المسؤول عن خلية الإعلام، للوقوف على مجهودات الدولة المبذولة في إطار توفير سكن لائق الذي أصبح كحق أساسي راسخ في المجتمع الجزائري، وتعتبره الدولة من مسؤولياتها الرئيسية تجاه السكان وتحديدا الفئات الهشة، رغم أنه لا توجد أي دولة تلتزم بهذا ولا تنص عليه القوانين الدولية. النّمو الدّيمغرافي والتّوسّع العشوائي يعمّقان الأزمة واجهت السلطات العمومية عقب الاستقلال مباشرة ثقلا كبيرا بسبب النمو الديمغرافي، الذي صاحبه نزوح جماعي للسكان من المناطق الريفية إلى المدن، وما ترتّب عنه من تحولات اجتماعية، زادت من حدة أزمة السكن في الجزائر. غير أنّ النمو السريع للسكان الذي ميّز نهاية السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، والذي تفاقم بظاهرة النزوح الريفي، فرض عليها مجددا التوجه إلى البرامج الحضرية التي أصبحت ضرورية، نظرا للتوسع العشوائي للمدن والتجمعات السكنية، وقد تمّ تجسيد هذه البرامج على شكل مناطق سكن حضرية جديدة، كحل مخفف لمشكل التوسع العشوائي. وتقول قلاب، إن نسبة التعمير في الجزائر بعد الاستقلال كانت ضعيفة مقارنة بالمساحة الشاسعة للإقليم الجزائري، حيث كانت أهم مراكز التعمير متمركزة في المدن الكبرى للبلاد أين تكمن كذلك أهم النشاطات الاقتصادية، بينما كانت المناطق الأخرى تتميز بضعف شديد من ناحية البنية التحتية الأساسية (طاقة مياه الشرب والصرف شبكة الطرق...الخ) ممّا أدّى إلى تشجيع النزوح الريفي. وكنتيجة لهذا وزيادة للنمو الديموغرافي المفرط الذي عرفته البلاد، أصبحت المدن الشمالية مكتظة وبدأت تتأقلم مع هذه الكثافة السكانية من خلال التوسع العشوائي وغير المراقب. خلال هذه الفترة، كانت السياسة المنتهجة من طرف الدولة تندرج في إطار البرامج العمومية المبرمجة والمدعمة بالمجهودات الاستثنائية من موارد ميزانية الدولة، واندرجت هذه البرامج في مختلف مخططات التنمية التي سطرتها السلطات العمومية فمن 1962 إلى 1966 تم استكمال المشاريع الموروثة من الحقبة الاستعمارية، كعمليات السكن ذي الإيجار المعتدل (HLM) غير المنتهية، ويتعلق الأمر بما يقارب 38 ألف سكن حضري و4 آلاف سكن ريفي، ومن 1967 إلى 1969 (المخطط الثلاثي) تم وضع اللبنة الأولى لسياسة بناء سكنات الاجتماعية، تعلق الأمر ببرنامج يناهز 13.700 سكن منها 3.000 سكن ريفي، ومن 1970 إلى 1973 برسم المخطط الرباعي الأول وكذا بعض البرامج الخاصة، تمّ برمجة ما يقارب 85 ألف وحدة سكنية منها 40 ألف سكن ريفي إلا أنه لم ينجز سوى 42 ألف وحدة سكنية إلى غاية 1978 منها 24 ألف سكن ريفي. أما من 1974 إلى 1979، فسمح المخطط الرباعي الثاني بإنجاز 147 ألف سكن منها 87 ألف سكن ريفي، و من 1980 إلى 1996 تم إنجاز 1.140.000 سكن منها 443 ألف سكن ريفي. تحرير المبادرات وترقية مشاركة المواطن في بناء السكن في نهاية سنوات الثمانينات ورغم إنجاز حافظة تتكون ما يقارب من مليوني (02) وحدة سكنية منذ الاستقلال، لوحظ بأنّ المنهجية المتبعة في سياسة السكن خلّفت نتائج غير منتظرة تمثّلت في المعالجة الموحّدة لطلب السكن دون تمييز دخل الطبقات المختلفة للمجتمع، وكذا بروز الاحتكار مما أدى إلى غياب سوق نشط و شفاف، بالإضافة إلى غياب المنافسة ونقص المهارة في البحث عن حلول جديدة و فعالة. لمعالجة هذا الوضع وبعد محاولة تصحيحية أولية في منتصف الثمانينات، أعادت السلطات العمومية النظر في توجيه تدخل الدولة، بشكل يحرر المبادرة الخاصة وترقية مشاركة جميع الأطراف في ميدان السكن والترقية العقارية بما فيها مشاركة المواطنين المعنيين. في ظل المراجعة المؤسساتية المتخذة في بداية التسعينات، وقصد رفع مستوى تمويل السكن بفضل مساهمة كل من السوق المالية، المتعاملين والمستفيدين وكذا إبراز التنافس في ميدان الترقية العقارية، عرفت سياسة السكن منعرجا حقيقيا، على أساس المرسوم التشريعي لسنة 1993 المتعلق بالنشاط العقاري والذي نتج عنه لاسيما فتح هذا النشاط إلى جميع المتعاملين، معالجة الطلب بشكل مميز لمختلف الطبقات الاجتماعية لاسيما على أساس الدعم المالي للأشخاص، اعتماد إجراءات تضمن وتحمي حقوق المتعاملين والمواطنين، منح مزايا ذات طابع ضريبي ومالي لتشجيع هذه النشاطات، خلق بيئة تنافسية من أجل تحسين نوعية المنتوج والخدمات. تجسّدت هذه السياسة الجديدة من خلال فتح سوق عقاري لجميع المتعاملين مع الإبقاء على تدخل هام من قبل الدولة على شكل محورين أساسيين، الأول تدخل كلي وأحادي الصيغة موجه للطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانا، وذلك بإنجاز سكنات اجتماعية ممولة كليا من طرف الدولة، والتي توضع حيز الاستغلال على أساس عقود إيجاريه بقيمة مدعمة مع إمكانية الحصول المستفيد على الملكية بأسعار تفضيلية، والمحور الثاني تدخل مدعما جزئيا ومتعدد الصيغ موجه للطبقات الاجتماعية المتوسطة أي ذوي الدخل المتوسط، على أساس إعانة مالية عمومية مباشرة لفائدة المستفيد تضاف إليها مجموعة من الإجراءات الضريبية وشبه ضريبية قصد تعزيز إمكانيات الدفع من طرف الراغبين في اقتناء المسكن وتيسيره (القروض الميسرة للمواطنين، تطبيق معدل تخفيض على الأراضي المستقبلة للسكنات، قروض رهنية ميسرة للمرقين.....). وجاءت كل هذه الإجراءات لتيسير الطلب من جهة، ومن جهة أخرى تخفيض تكلفة إنجاز العرض بغية تقليص الهوة بينهما وجعل المنتوج السكني في متناول طالبي السكن. لتطبيق هذه السياسة، تقرر وضع وسائل تسيير وتنفيذ التدخلات العمومية فيما يخص السكن، لا سيما الصندوق الوطني للسكن (FONAL)، الذي يتلقى في موارده تخصيصات مالية سنوية من ميزانية الدولة، وكذا إيرادات أخرى ناجمة من الضرائب المتعلقة بالنشاط العقاري بينما تمثل الإعانات العمومية الخاصة بالسكن مجمل نفقاته؛ الصندوق الوطني للسكن (CNL)، مؤسسة عمومية تتكلف بدفع مبالغ النفقات المتعلقة بتدخل الدولة؛ صندوق الضمان والكفالة المتبادلة للترقية العقارية (FGCMPI) مهمته ضمان الودائع المقدمة لدى المرقين، من طرف طالبي السكن في إطار البيع على التصاميم. استحداث بطاقية للسّكن والإعانات العمومية في نفس الوقت، تمّ استحداث بطاقية للسكن الاجتماعي والإعانات العمومية، بهدف ضمان الاستغلال الصارم للسكن الاجتماعي وللإعانات العمومية وتوجيه التدخل العمومي لذوي الحقوق وترسيخ مبدأ الإنصاف، وعليه فإن تدخلات الدولة انتقلت من جهاز الإعانات المعممة والضمنية إلى نظام الإعانات المباشرة المرفقة بتنويع العرض العقاري. وسمح هذا النظام بتطوير تطبيقات هامة لتجنيد التدخل العمومي مما أدى إلى تنويع صيغ عروض جديدة تستجيب لمختلف شرائح الطلب، حيث ظهر وتطور بالإضافة للسكن الاجتماعي الايجاري الذي كان يحتل الصدارة السكن الريفي، السكن الموجه للبيع بالايجار، السكن الاجتماعي التساهمي، السكن الترقوي المدعم، السكن الترقوي العمومي والتجزئات الاجتماعية بالإضافة لوجود صيغ لا تستدعي دعم الدولة منها السكن الترقوي الحر والبناء الذاتي، وكل هذه الصيغ تشكل الحظيرة السكنية الوطنية حيث أغلب الصيغ موجهة للتمليك. مواصلة الجهود المبذولة والاستجابة لاحتياجات السكنية المعبر عنها من طرف المواطنين بتنويع صيغ السكنات الممولة كليا أو جزئيا من طرف الدولة مع تكثيف إنتاجها، أدى إلى إنجاز خلال الفترة الممتدة من 1962 إلى نهاية 2019، 7.9 ملايين وحدة سكنية بمختلف الصيغ، لتبلغ الحظيرة السكنية 9.8 ملايين وحدة إذا ما أضفنا 1.9 مليون وحدة الموروثة من الحقبة الاستعمارية . من جهة أخرى، فإن مؤشر معدل شغل السكن الذي وصل في السبعينات إلى (07,00) عرف تحسنا كبيرا ليصل نهاية 2019 إلى 04,46، والذي يشير إلى تحسن ظروف السكن والتي رافقتها عمليات بارزة في القضاء على المساكن الهشة عن طريق إعادة إسكان شاغليها في مساكن عمومية إيجارية دون أن ننسى تحسين جودة السكن بإلغاء السكن ذو الغرفة الواحدة أو غرفتين في البرامج السكنية خاصة العمومية الإيجارية. وسمحت هذه المجهودات الهامة من حيث البرامج المنجزة والأغلفة المالية المرصودة مع البحث المستمر لإيجاد الحلول الملائمة لمشكل السكن، بالتصريح أن الجزائر تملك تجربة حقيقية ورائدة فيما يخص التكفل بالاحتياجات السكنية لمواطنيها، خاصة وأن هذه الإنجازات الكيفية ساهمت في ضمان الاستقرار والتماسك الاجتماعي من خلال تخفيض العجز السكني والقضاء على المساكن الهشة، وتحسين جودة المنتوج السكني وآجال تنفيذه، تثبيت سكان الريف وربطه بتطوير النشاط خصوصا النشاط الزراعي، إنشاء مدن جديدة وتطوير المراكز الحضرية، تحسين البيئة المعيشية للمواطنين عن طريق تطوير وتنظيم الفضاء الحضري (أدوات التخطيط الحضري)، الاستجابة المتنوعة والموجّهة للطلب على المساكن بمختلف الصيغ المحددة حسب دخل الفئات المستهدفة مع إنجاز المرافق العمومية والتهيئة وربطها بمختلف الشبكات (الماء، الكهرباء والغاز)، تنظيم النشاط العقاري بتدعيم التأطير القانوني للمتدخلين وممارسي هذا النشاط، إشراك البنوك في التمويل وإرساء بيداغوجية المساهمة المالية عند المواطنين، ترقية الاقتصاد الوطني من خلال زيادة الإنتاج الوطني للمواد التي تدخل في البناء وتحسين معدل الإدماج وترقية أدوات الإنتاج الوطني و تنظيمها من حيث الدراسة والإنجاز (مكاتب الدراسات، مؤسسات الإنجاز والمرقين العقاريين)، إضافة إلى بلورة دور مراكز البحث والمراقبة التقنية، المساهمة في سوق العمل ونمو عرض العمل وخفض معدل البطالة من خلال استيعاب العمالة الماهرة أو غير الماهرة لتكوينها، المشاركة في نمو الناتج المحلي الإجمالي الوطني. إرساء مقاربة شاملة وإيجاد بدائل للتّكفّل بالطّلب لم تتوقف مجهودات الدولة في إطار تنمية قطاع الإسكان عند هذا الحد، حيث وضعت في برنامجها للفترة الممتدة من 2020 إلى 2024، استراتيجية تقوم على تكثيف العروض لتحسين مستوى معيشة السكان، من خلال تعزيز السياسة الاجتماعية وتلبية الطلب على أفضل وجه. وبالنظر إلى المكانة الهامة التي يشغلها قطاع السكن في ديناميكية التطور الإجتماعي والتنمية الاقتصادية، فالدولة مستمرة في بذل الجهود والإضطلاع بدورها الاجتماعي من خلال إرساء مقاربة ملائمة وشاملة وإيجاد بدائل للتكفل بالطلب، تسريع وتيرة تنفيذ المشاريع السكنية الجارية وضمان إحترام مواعيد إنجاز وتسليم المشاريع المستقبلية، بالإضافة إلى تسجيل وإطلاق برنامج جديد يضم 1.000.000 وحدة سكنية، بمختلف صيغ العرض مع التجهيزات المرافقة والتهيئات الضرورية، القضاء النهائي على الأحياء القصديرية. ولأن مسؤولياتها لا تقف عند بناء السكن الجديد فقط، قررت معالجة البناء القديم من خلال إستحداث آليات وأدوات مناسبة للتدخل، ووضع الآليات الملائمة لمحاربة الغش في مجال منح السكنات، من خلال مراجعة نظام التوزيع الموجود وتعزيز المراقبة المسبقة لتجسيد مبدأ الإستهداف الأمثل والإنصاف مع إعطاء الأولوية للفئة الهشة، ترقية عرض موجه للإيجار وخلق سوق عقاري، إنشاء بصفة مستعجلة تجزئات إجتماعية جديدة و أقطاب جديدة حول المدن في الشمال وفي الجنوب من أجل ضمان تهيئة أفضل للإقليم وتوزيع أحسن للسكان.