"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" يقول العلامة رشيد رضا في تفسيره الشهير -تفسير المنار-وهو يفسر آية الصوم "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" "هذا تعليل لكتابة الصيام، ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهو أنه يعدُّ نفس الصائم لتقوى الله - تعالى - بترْك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة؛ امتثالاً لأمره، واحتسابًا للأجر عنده، فتربَّى بذلك إرادته على مَلكة ترك الشهوات المحرَّمة، والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتَقوى على النهوض بالطاعات والمصالح، والاصطبار عليها، فيكون الثبات أهون عليه؛ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: "الصيام نصف الصبر" فالمتأمل في كلمة الصوم يُدرك أنها تتضمَّن معنى الانتهاء والإمساك، فالصوم إمساك عن الطعام، والشراب، والجماع، والشهوات التي تنازع إليها النفس، وانتهاء عن معاصي البصر، والسمع، واللسان، والفؤاد. والصوم إذًا رياضة، وتربية، وإصلاح، وتزكية، ومدرسة خلقية، يتخرج فيها الإنسان، وهو يمسك بزمام نفسه، يملكها ويتغلب على شهواتها، والذي استطاع ترْك المباحات والطيِّبات، فهو أقوى على ترْك الممنوعات والمحرَّمات. الصوم مشروع لعباد الله المؤمنين، الذين يرجون ثواب الله، ويخافون عذابه، وهم المقرَّبون عنده، والمحبَّبون إليه، فأراد الله أن يخصَّهم بشيء يُشبِّههم بالأقربين عنده، وهم الملائكة الذين لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يرغبون في غير طاعة الله وعبادته، وأن يميِّزهم عن الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون لقاءه، ولا يخافون عقابه، وشبَّه حالهم بحال الأنعام: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ " ويقول الأستاذ عند تفسيره هذه الآية الكريمة -: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون" ولقد سمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - شهر رمضان شهر الصبر؛ لكون المسلم يتدرب ويتعود بالصوم على الصبر، والصبر يورث صاحبه درجة الإمامة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين"، ثم تلا قوله - تعالى -: " وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " وهو يقول - رحمه الله -: "فمن أُعطي الصبر واليقين، جعله الله إمامًا في الدين، والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر على محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وتجتمع الثلاثة في الصوم؛ لذا يقال: شهر رمضان شهر الصبر.