وقد ضم المخطوط في روايته «ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، ثلاث سنوات من التنقلات بين مدن الناصرة، بيروت، روما، باريس، لندن، فيينا، القاهرة.. إقتفاءً لأثرها .. في رحلة بحث شاقة ولذيذة قام بها الكاتب واسيني الأعرج رفقة زميلته الباحثة روز خليل للعثور على المخطوط الضائع لِ «مي» ةليالي العصفوريةة. في البداية تم العثور على ثلاث صفحات أصلية من المخطوط عند امرأة طاعنة في السن من أخوات دير عينطورة، كانت تقيم في جونيا، ثم عُثِر على بقية المخطوط عند امرأة أخرى في القاهرة. بأسلوبه السردي المشوق يعرض واسيني الأعرج يوميات ليالي العصفورية ويضمنها في رواية سيرية لمي زيادة ويختار لها اسم «ايزيس كوبيا» الذي كانت تستخدمه كاسم مستعار . أفظع عقوبة هي أن يُسرق من الإنسان حقه في الوجود. والإبداع وحده يُمدد في عمر الأرواح المظلومة. يقول واسيني الأعرج «لم يحدث لي أن أحسستُ بآلام امرأة مثلما أحسستُ بآلام مَي، ولهذا أشعرُ كأنِّي معنيٌّ بقوة بهذه الآلام القاسية». في فترة قصيرة فقدت «مي» والدها ووالدتها وصديقها جبران؛ مما أصابها بكآبة الفقد فامتنعت عن الأكل. (لقد مات والدي وأنا جوعانة إلى حنانه.. لحقه جبران، حبيبي وأخي الذي يعرف جراحاتي التي لم يلمسها حتى الأقربون، ثم ختمت دروب الآلام بفقدان أم كانت كلي وقلبي، فشعرتني فجأة مرمية في فراغ بلا حدود. كانت حائطي الأخير الذي بقي واقفاً، ربما لأني اتكأت عليه كثيراً، هو ما جعله ينهار بسرعة، ليلاً أبكي بلا حدود. حتى الذين كنت أعرفهم، غادروا المكان أيضاً. اخترت فقط أن أبكي وأنتظر دوري، فسرقوني قبل الأوان. لم يكن جوزيف في حاجة إلى التسرع، لم تكن رغبتي في الحياة كبيرة، تسلطه وظلمه جعلني أصر على الحياة لا حبّاً ولكن انتقاماً. أحياناً نقاوم رياح الموت فقط لنرى مآل من آذانا). راسلت ابن عمها جوزيف زيادة لمساعدتها، كانت تظن أنه مازال لحبهما الأول آثر لديه، لكن (جوزيف كان قاتلي ومقتلي من دمي. جاءني من بيروت لأني احتجته، وليخفف علي مصيبتي التي أنهكتني، أن تفقد دفعة واحدة ثلاثة منك، مصيبة ما بعدها مصيبة. لم يكن لطيفاً كما تعود أن يفعل، فقد حملني كل شرور الدنيا بما في ذلك وضعه العائلي المتأزم جداً. في الحقيقة هرع إليّ ليستكشف أعمالي وأموالي وأمكنتها المختلفة، في لبنان، مصر، أوربا، تحديداً بريطانيا..). في لحظة فُقْدٍ، فقدت «مي» كل شيء، ضاعت منها حريتها وأملاكها، (كُنْتُ غبية. كُنْتُ في حالة إنهيار كُلي. أُقر بانهياري العصبي بعد وفاة أمي، آخر حيطاني، لكني لسيت مجنونة. أحاول الهروب من المكان لأنه يُذكرني بوالديَّ اللذين فقدتهم تباعاً في ظرف مأساوي. جاءني شخص من أنسبائي المرافقين له، كانوا يقيمون في بيتي، كتب النص وجعلني أوقع عليه..)، (قصتي لا تتعلق بالجنون، ولكن بمجموعة من الأخطاء، انتهت بي في السقوط في شرك لعبة قاسية، أكبر مني. لقد استولى بعض أقاربي على مالي وبيتي العائلي وأراضينا، وحجروا عليّ، ثم رموني هنا - العصفورية - من خلال سلسل من التواطؤات السرية، من داخل العصفورية نفسها.. ). احتجزت مي زيادة في العصفورية للأمراض العقلية سبعة أشهر، لقد كان لذلك المكوث في المصحة العقلية آثاراً سلبية بقيت نقوشها في نفسية مي لاحقتها إلى الموت.. الكثير من أصدقائها في صالونها الأدبي صمتوا أو خانوا ثقتها وقبلوا بالأمر الواقع تذكر منهم العقاد وطه حسين وسلامة موسى لطفي السيد وغيرهم .. آلمها ذلك كثيراً، كيف لا وهم كانوا يتزاحمون للتقرب إليها ونيل رضاها .. الجرح كان جرحان، خيانة الأهل وصمت الأصدقاء. (كان قلبي مقهوراً من جيش الأصدقاء.. إذ لا أحد حرك إصبعه الصغير .. ما قرأته من تصريحات العقاد، وطه حسين، وسلامة موسى، وغيرهم، جرح قلبي وقسمه إلى نصفين. وجعلني أفكر في كل ما مضى، وأتساءل أية حداثة، وأي مثقف ملتزم، عندما ترى صديقك الذي يشترك معك في هموم الدنيا، ينساك، بل يوغل فيك سكينة صدئة؟). في وسط هذا الجحيم والظلم يبعث الله لها ذلك الملاك، الممرضة سوزان أو بلوهارت (القلب الأزرق) التي أنقذتها بلمستها السحرية وقلبها الطيب، تحضر لها رزمة الأوراق والأقلام للكتابة، الكتابة بالنسبة إلى «مي» كانت دافع آخر للحياة، هناك كتبت «مي» (ليالي العصفورية .. تفاصيل المأساة السرية).. وتنقل أخبارها إلى العالم الآخر عن طريق جريدة (المكشوف) اللبنانية التي كان لها دور كبير في إسماع صوت «مي» خارج أسوار العصفورية. كان من الذين وقفوا إلى جانب «مي» ودافعوا عن حقها وآمنوا بقضيتها المحامي فؤاد حبيش مدير جريدة (المكشوف)، ومارون غانم، آل الجزائري، آل الأيوبي والخوري .. نجح الدفاع في تخليص «مي» من جحيم العصفورية ونُقِلت إلى مستشفى نيقولا ربيز (الثلاثة أسابيع التي قضيتها في مستشفى نيقولا ربيز علمتني أن الإنسان قوة خلاقة دوماً حتى في أصعب الظروف. السؤال الوحيد، هل يملك طاقة على توليف الأشياء وفق مقتضيات الحال؟ العصفورية كانت جنونا فأصبحت عقلاً. وربيز كان أدوية وحقن فأصبح راحة). أجر لها صديقها أمين الريحاني بيت الفريك في مرتفعات بيروت للراحة حيث استجمعت قواها. المحاضرة التي قدمتها «مي» في الجامعة الأمريكية وحضرها جمع غفير من المتابعين لقضيتها، كانوا في حالة انبهار بقدرات «مي» الذهنية والأدبية. كان لها دور كبير في إثبات حقها أمام هيئة القضاء لصاحها. عادت مي زيادة إلى بيتها في القاهرة وعاشت بقية أيامها (محاضرتي في الجامعة الأمريكية - بالقاهرة في 1939 بعد وصولها مصر بفترة قصيرة - كانت بارد، ربما لأن محاضرة بيروت كانت في الأذهان لأنها أنجتني من نهاية مأساوية. أعادت لي ثقتي الضائعة في نفسي أولاً، وفي المحيط ثانياً)..ماتت مي زيادة في القاهرة يوم الأحد 19 أكتوبر 1941، مشى في جنازتها ثلاثة أشخاص خليل مطران، أنطوان الجميل، ولطفي السيد، لا أحد ممن عرفتهم كان هناك، فجأة اندثر الجميع وكأنهم لم يعرفوها مع أنهم سكنوا في بيتها، وفي صحيفة والدها، وصالونها). ولدت «مي» في 11 فيفري 1886 في بلدة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية. (آخر ورقة ضممتها إلى المخطوطة بشكل موجع: إني أموت، لكني أتمنى أن يأتي من بعدي من يُنْصِفني). الكاتب الروائي الكبير الدكتور واسيني الأعرج ذو الأصول الأندلسية الموريسكية يكتب روايات هى أقرب إلى الألحان. قارئ روايات واسيني الأعرج يحس أنه يتمتع بسمفونية موسيقية مقروءة ويرى لوحة فنية تشكيلية مسطورة، لقد منح واسيني الأعرج للرواية العربية البهاء ومنحنا بها المتعة، متعة القراءة. من مقتبسات من رواية «ليالي إيزيس كوبيا.. ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية»، كل من يسخر من الموسيقى في قلبه تراب محروق بشمس بليدة/ هناك مدن تشكَّلْنا من ترابها تمنحنا عطرها وعاداتها وألوانها وأصدائها كل يوم/ أفظع الأشياء هي أن تشعر أن لا نصير لك في عالم الخوف والصمت/ أن تموت وأنت تعرف لماذا، لا مشكلة ولا ندم. لكن أن يصنع لك الآخرون النهاية التي يشتهون، وقدراً مليئاً بالضغائن، فتلك قسوة ما بعدها قسوة. أسوأ موت يمكن أن يُصيب حياة الإنسان/ لقد تربى المثقف في شرقنا الجريح على كل وسائل النفاق التي تضمن استمراره، استطاع أن يوائم بين تقاليد الرعب الآتية من جوف الزمن الأسود، وقشور الدين الثقيلة بشكليات مرهقة وحداثة ولدت معطوبة من الأساس/ محنتي ليست خاصة، ليست ترفاً بائساً، هي محنة المثقف العربي الذي سكن ويبدو إلى الأبد ازدواجية مقيتة، سترافقهإلى قبرهبعد أن قبل بها واستكان لها. يصرخ كما المؤذن على ساحل مهجور، أو أجراس كنيسة ثقيلة، في الحب، في السياسة، في الاجتماع، وكلما تعلق الأمر بموقف حقيقي وبسيط لا يُكلف إلأ صدقه حينما يقف أمام المرايا القلقة، انسحب وأصبح غير معني بكل ما قاله وحكاه، ويمسح كل آلامه في الآخرين/ مازلت أومن وأنا أنهي ليالي إيزيس كوبيا، بأن الرواية أصبحت اليوم أهم سلاح في وجه طغيان النسيان وهزيمة الذاكرة، لتحرير التمثال العالق منذ قرون بأعماق الصخرة الصماء. رمزية العنوان في هذه الرواية/ لَيَالِي: ترمز إلى الجانب المظلم من حياة مَيْ زيادة في أيامها الأخيرة . بحكم أن الليالي هي الجانب المظلم من الأيام عكس النهار/ إِيزِيسْ كُوبِيَا: هو الاسم المستعار الذي وقّعت به الأديبة مى زيادة ديوانها الأول بالفرنسية Fleurs de rêves 1911، فالنصف الأول من الاسم المستعار يرمز إلى «إيزيس» إلهة الخصب والأمومة عند قدماء المصريين والنصف الثاني «كوبيا» كلمة لاتينية تعني الوفرة والغزارة/ ثلاثمائة ليلة وليلة: قضت مي زيادة مدة سبعة أشهر في مستشفى العصفورية للأمراض العقلية والنفسية بين سنتي 1936 و1937 .. لقد كان لذلك المكوث في المصحة العقلية آثاراً سلبية بقيت نقوشها في نفسية مي لاحقتها إلى الموت .. ولعل في ذلك إيحاء من الكاتب إلى اسم الكتاب الذي حرك فيه نبض القراءة والكتابة في طفولته وهو كتاب «ألف ليلة وليلة» كما ذكر ذلك في روايته السيرية «سيرة المنتهى.. عشتها كما اشتهتني»/ في جحيم العصفورية: رمز للعذاب النفسي والجسدي الذي لقيته «مي» في مستشفى العصفورية للأمراض النفسية والعقلية ببيروتلبنان، كائن أنثوي أدبي هش برهافتها وهشاشتها كيف استطاعت «مي» المقاومة والعيش رغم ذلك الجحيم المسلط عليها !؟.