لم يعد العصر عصر مثقفين، لأن الناس لم تعد تستمع لنواقيس النخبة، بل لقنوات تلفزيونية لها أجندات سياسية، حلت محل المثقفين، ليس في العالم العربي فقط، بل في العالم أجمع، فالكل خاضع للتضليل والفرجة. في عام 2012، نشر الروائي الكولومبي ماريو فارغاس يوسا، كتابا مثيرا للجدل، وجريئا للغاية بعنوان “حضارة الفرجة”. جاء فيه أن مفهوم الثقافة بشكلها التقليدي سوف يجرفها تيار العولمة، مما يؤدي إلى اختفاء تأثير المثقفين. وكتب يوسا وهو يصف التدهور العصري: “يمنح المفكر أهمية إذا ما ساير لعبة الموضة، وأصبح مُهرجاً”. ويترتب عن ذلك حسبه: “الاستهانة بالثقافة وتعميم الاستخفاف في ميدان المعلومات، التي تنتشر في الصحافة غير المسؤولة، والتي تهتم بالقيل والقال والفضائح”. وخلص يوسا أن “حضارة اليوم أصبح يطغى عليها الصورة، على الأفكار”. الأمر الذي يؤدي الى نسيان أن الحياة “ليست مجرد متعة، بل دراما وألم وغموض وإحباط”. إن العالم حسب فارغاس يوسا، الذي يمقت الرداءة والكذب والزيف، سائر نحو الانحطاط الثقافي والروحي. ويوضح أن خضوع الإنسان في هذه الأزمنة لآلة الإشهار، أمر أدى إلى انتشار ثقافة “سهلة، خفيفة تقترب من الضحالة”. إن العالم انساق وراء أوهام الحداثة، هذا ما يستخلصه يوسا الذي يبدو أنه اقترب من طروحات “حنا أرندت” التي وصفت في كتابها الشهير “أزمة الثقافة”، مختلف الضربات التي وجهتها الحداثة لما للتقليد من مظاهر ايجابية تتعلق بالسياسة والتربية. وتذهب أفكار يوسا إلى غاية طروحات الأمريكي “نايل بوستمان” صاحب كتاب “الفرجة حتى الموت”، حيث حلل تحول العقل الغربي إلى عقل بليه بسبب التلفزيون. ومن جهته، أكد الباحث الفرنسي “فريديرك مارتل” في كتابه الشهير “ماين ستريم” أن ثقافة العصر الجديد سوف تكون بمثابة ثقافة شعبية مسيطرة، تنتج سلسلة من القيم تروج بدورها لتسلية ثقافية، وتجعل العالم بمثابة خليط بين الثقافة الشعبية والفن (أكثر الروايات الرائجة في فرنسا حاليا هي روايات “غيوم ميسو” الخفيفة والهزيلة). بمعنى أن التصور النخبوي، الذي قدمه الشاعر الأمريكي - البريطاني “تي. آس.اليوت” للثقافة حينما قال بأنها مهمة تنجزها الطبقة الأرستقراطية، لم يعد صالحا، فانتقال الثقافة إلى الجماهير، بعد الانجازات الديمقراطية الكبيرة التي تحققت في الغرب، أدى إلى تراجع الثقافة بمعناها التقليدي، وشهد ميلاد ثقافة ما بعد الحداثة مثلما فسرها جيل ليبوفيتسكي (الفيلسوف الفرنسي صاحب كتاب “عصر الفراغ”، الذي لا تعطيه وسائل الإعلام الفرنسية المكانة التي يستحق نظرا لكونه صاحب نظرة نقدية ترفض الانصياع وراء المبتذل والمنتشر). ويستخلص يوسا أن “تمثيل وتصور الحياة، حل محل الحياة نفسها”. وتقترب أفكار يوسا في هذا الكتاب، من أفكار وردت في كتاب “منجد التضليل الإعلامي” للمؤلف الفرنسي فرانسوا جيري، الذي ربط بين التضليل الإعلامي وتراجع القيم الديمقراطية، مما أدى إلى ظهور “الإنسان الخاضع للتضليل”. ففي السابق كان المثقف يملك القدرة على قول الحقيقة، يقولها بصدق ويجعل أفكاره تتغلغل في عمق المجتمع. وكان هذا الأخير يستجيب لأفكاره بشكل مفكر فيه، بطريقة تقوم على الاقتناع. في السابق، كان يحلو لمنظري الغرب الربط بين الرأسمالية والديمقراطية، واتضح اليوم أن ذلك غير صحيح، بعد رواج الفرجة، والانتقال من اقتصاد الإنتاج والخدمات إلى اقتصاد الفائدة وأسعار الصرف وأسعار الأسهم. والرأسمالية العالمية التي تتحكم فيها المؤسسات المالية الكبرى، تتحكم في حياة الناس، مثلما يتحكم فيها أي نظام سياسي شمولي متسلط. لم يعد العصر عصر مثقفين، لأن الناس لم تعد تستمع لنواقيس النخبة، بل لقنوات تلفزيونية لها أجندات سياسية حلت محل المثقفين، ليس في العالم العربي فقط، بل في العالم أجمع، فالكل خاضع للتضليل والفرجة. حذّر “أدم سميث”، وقال إن النظام الاقتصادي الليبرالي وحرية السوق، لو لا يكونا مرفقين بحياة ثقافية وروحية فعالة، فإن ذلك يضع هذا النظام في حالة من الفوضى والفساد. أعتقد أن العالم أصبح عالم “كاريكاتور” عالم مسخرة، واستهزاء بالعقول. بالنسبة لفارغاس يوسا، الذي انتصر للحياة في مجمل رواياته، تعتبر “الفرجة” ديكتاتورية جديدة.