عندما نتفحص دفاتر حياتنا الثقافية ونبحث عن المثقف الجزائري في الساحة العربية، قد يتوهم البعض أننا نعثر عليه في أسفل القائمة أمام أسماء عملاقة جعل لها الإعلام والمناهج المدرسية صدى كبيرا وأصبحت أعمالها متداولة في البرامج المدرسية والجامعية وتصدرت الصحف والمجلات وحصدت الجوائز، وكرمت وظهرت عبر وسائل الإعلام الثقيلة، في الوقت الذي تكاد تحتجب الوجوه الجزائرية نظرا للظروف الصعبة التي كانت تعرفها البلاد في الفترة الاستعمارية وأيضا بعيد الاستقلال، لكن المثقف الجزائري ظهر عملاقا ورائدا متصدرا القائمة الطويلة للمثقفين العرب، ومن هؤلاء العمالقة، الطاهر الجزائري، الذي يعد بمفرده نهضة ثقافية وظاهرة نادرة في عالمنا العربي. الطاهر الجزائري الشعلة التي أضاءت بلاد الشام وأخرجتها من ظلمات القرون الوسطى إلى التفتح والأخذ بأسباب العلوم المعاصرة والعمل على إصلاح التعليم ومناهجه ومجابهة الأمية التي ضربت وطننا العربي في صميمه بعدما كان العلم فريضة واجبة على كل مسلم ومسلمة، هذه الشخصية النادرة التي سبقت عصرها وحاولت أن تقطع به شوطا بعيدا للالتحاق بالركب، ماهي إلا شخصية جزائرية التوثب والتحفز والنظر الى المستقبل رغم الظلام المطبق. وقد يستاءل الكثير منا عن هذه الشخصية العلمية الكبيرة، لماذا هي مجهولة في الجزائر ألأنها ولدت بأرض الشام؟ ولو افترضنا ذلك أليس من الحق أن نقول أنها من أصول جزائرية مثلما نفتخر باللاعب اللامع زين الدين زيدان ونقول إنه من أصول جزائرية؟ لماذا لا ينسحب هذا الأمر على المثقف الجزائري؟ لا أحد ينكر أن الجزائر أنجبت أعلاما في قامة العمالقة وشعراء أمثال البصيري والشاب الظريف وبكر بن حماد وابن رشيق والمقري وغيرها ممن رفعوا المشاعل الثقافية وتصدروا القوائم العلمية في المشرق والمغرب. من هو الطاهر الجزائري؟ هو الطاهر بن محمد صالح بن موهوب السمعوني، وهناك من ينسبه الى منطقة وغليس بمنطقة بجاية، ولهذا فهو ينحدر من بيت علم وشرف. ولد الطاهر الجزائري في دمشق سنة 1852 وتعلم في مدارسها حيث التحق بالمدرسة الجقمقية الإعدادية، وممن تتملذ عنهم العلامة عبد الرحمن البستاني فأخذ عنه اللغات العربية والفارسية والتركية، وكما سبق القول، فإنه ينحدر من عائلة علمية، فقد تعلم على يد أبيه أيضا مبادئ العربية. وبما أن علوم عصره كانت موسوعية وكان طالب العلم ينهل من جميع علوم عصره، فكذلك حصل مع العلامة الطاهر الجزائري. بعد أن أخذ بعض العلوم واللغات عن عبد الرحمن البستاني، عمد الى الشيخ عبد الغني الغنيمي ولازمه الى غاية وفاته وسار على خطاه في طلب العلم وحبه له في مختلف فنونه وفروعه، فشغف الطاهر الجزائري بعلم الطبيعة وغاص في البحث عن درر هذا العلم وأصوله، وفصوله من خلال الكتب المخطوطة واقتنائها، إلى جانب الجلوس للعلماء وتلقف كل ما يلقونه من المعلومات والمعارف التي تحصلوا عليها من علماء ومدارس، مما جعله يكون لنفسه ذخيرة علمية واسعة في العلوم الطبيعية والفلكية والرياضية والتاريخية. عبقرية متفتحة على الثقافات عبقرية الطاهر الجزائري لم تبق محصورة بالتهامه للتراث العربي، بل كان متفتحا على الثقافات الأخرى ومنقحا وملقحا معلوماته، موازنا ومقارنا ما تلقاه خصوصا في اللغات التي تشكلت منها الحضارة العربية الإسلامية بفضل ذلك التلاقح والتعايش بين الشعوب التي أكتسب هذا الحضارة ميزتها وخصائصها، ولهذا نجد العلامة الطاهر الجزائري يتقن الى جانب اللغة العربية، اللغة الفارسية، التركية، الفرنسية السريانية، العبرية، الحبشية، بالإضافة الى اللغة "القبائلية" لغة موطنه. ونظرا لصولاته وجولاته في ميدان اللغات، فكان لزاما عليه تعلم الخطوط وفك رموزها حتى يسهل عليه فهم المخطوطات، فعكف على تعلم الخطوط القديمة وبرع فيها واشتغل عليها في أبحاثه مثل الخط الكوفي، والمشجر، والعبري وغيرها من الخطوط مما سنح له دراسة الآثار وفك طلاسمها ورموزها. كان الطاهر الجزائري يتلقف كل شيء، بل كان أشبه ببحر تصب فيه مختلف الأنهار من مناطق جغرافية متعددة، فالتهم الكتب التهاما، المطبوعة منها والمخطوطة حتى أصبح خبيرا بالكتب يعرف الجيد من أصنافها، ويعرف طبقات المؤلفين وتراجم وسير الرجال والأماكن التي توجد بها المخطوطات من خزائن ومكتبات وأسر وجوامع والنسخ المتفرقة والموزعة على الخزائن في هذه المنطقة أو تلك، كما كانت للشيخ الطاهر الجزائري ذاكرة قوية ساعدته على الحفظ. صاحب مشروع لتطوير الإنسان الجزائري الظاهرة لم يكتف بنهم الكتب وتلقي العلوم وإتقان اللغات وفك الخطوط والرسوم، بل كان له أيضا عالمه الفعال في الإنجاز والتطبيق وإخراج النظرة الى حيز العمل بها وتجسيدها في الواقع، وهذا لا يتأتى أو يجتمع إلا في رجل عالم كالطاهر الجزائري، فأول ما بدأ به التدريس في المدرسة الظاهرية بدمشق، ونظرا لاطلاعه الواسع على الإنجازات العلمية التي حققتها المدرسة الغربية، وكما سبق ذكره، كان يتقن اللغة الفرنسية ويتخاطب بها، وبما أن هذه المجتمعات الغربية عملت على تطوير الإنسان وتثقيفه وتمدينه وكان الإنسان هو مشروعها من أجل الوثبة الحضارية المحققة، فلماذا لا نقتبس من الغرب كل ما يفيدنا في حياتنا مثلما أخذ هو عنا ما أفاده، وهذا ما جعل الطاهر الجزائري يفكر في وثبة علمية وانجاز مشروع كبير، وقد ساعده في ذلك والي سورية مدحت باشا "دمشق"، حيث خطط معه لتجسيد مشروعه لنهضة علمية واسعة، ومن هذا المشروع الكبير محو الأمية وذلك بنشر التعليم الابتدائي وجمع التبرعات من الأسر الميسورة وإنفاقها في هذه الأغراض العظيمة. إن المشروع العلمي الكبير الذي خطط له الطاهر الجزائري لا يستقيم ويستوي إلا بتوعية الناس وتحبيب العلم لهم، وهذا لا يتأتى إلا من خلال جمعيات تعمل على تجسيد هذا الوعي في المجتمع، وكان له ذلك من خلال "الجمعية الخيرية" التي دأب وأعضاءها على توعية وتنوير الناس على حب العلم ونشره بين الشباب، ولم تتوقف الجمعية عند بوابة التوعية والإشهار والإعلام، بل ولجت الى حقل العمل وذلك من خلال إعادة تأهيل المدارس وترميمها حتى تصبح صالحة للعلم، وتصليح ملحقات بعض الجوامع، ففي أشهر قليلة استطاعت الجمعية أن تفتح تسع مدارس في مدينة دمشق وحدها، اثنتان منها للإناث. الطاهر الجزائري... مفتشا للمعارف نظرا للجهود التي بذلها الشيخ الطاهر الجزائري في حقل التعليم والإنجازات العظيمة التي تم تحقيقها، عين مفتشا للمعارف في ولاية سورية، مما جعله يضاعف مجهوداته من أجل ترقية التعليم وإصلاحه وتطويره من خلال ابتكار أنجع الوسائل والأساليب لتعليم الطلاب، ولم تتوقف مجهودات العلامة الجزائري عند هذا الحد، بل عكف على تجسيد هذا المشروع من خلال التأليف في مختلف العلوم بعد تسطير البرامج وتخطيط المناهج في كل من العلوم الدينية واللغوية والرياضية، وذلك من خلال انتهاج أساليب مبسطة يقوم هو شخصيا بالإشراف على طبع كتبه في مطبعة الجمعية الخيرية. إن جهود الطاهر الجزائري لم تتوقف عند إصلاح التعليم وتأليف الكتب وتسطير البرامج والمناهج وجعلها حديثة عصرية، بل جهوده تعدت الى تأسيس المكتبات حيث عمل على إنشاء دور عامة للكتب في مختلف البلاد السورية، فأسس دار "الكتب الوطنية الظاهرية"، وهي اليوم تعد من بين المكتبات الثرية والغنية من ثروات دمشق الوطنية فجمع لها الكتب الموقوفة والمخطوطات من مختلف الجوامع والمدارس، مما جعل بعض الجهات تهدده بالقتل إن لم يكف عن جمع الكتب ووضعها في مكان واحد. كما أسس في مدينة القدس بمعية أسرة الخالدي مكتبة وطنية باسم "المكتبة الخالدية". ورغم الجهود التي بذلها الطاهر الجزائري فقد أعفي من منصبه الحكومي كمفتش بعد سجن صاحبه الوالي مدحت باشا، وقد عرض عليه منصب آخر بعيدا عن الاتصال بالناس وإقامة علاقة مباشرة معه، فأبى ذلك وفضل البقاء في بيته يطالع ويؤلف ويرتزق من بيع الكتب حتى آخر أيامه. تعلموا العلم وتعلموا معه... الشيء الذي تميز به الطاهر الجزائري هو أيضا الرحلات، وهذا ما أكسبه الكثير من المعارف والاحتكاك بالعلماء والاطلاع على البلدان في الإمبراطورية العثمانية الواسعة وبلاد الشرق، وكذا البلاد الأوروبية، حيث تسنى له الالتقاء بعلمائها ومفكريها وباحثا في كنوز المكتبات من مخطوطات، وهذا ما جعل كثيرا من طلبة العلم يترددون عليه ويتحلق حوله شيوخ دمشق وعلماؤها، فيلقي عليهم محاضراته العلمية والفكرية والسياسية. وكان شعار الشيخ الطاهر الجزائري طلب العلم حيث كان، يقول "تعلموا العلم، وتعلموا معه صناعة تعيشون بها...". وبالاضافة الى مجهوداته العلمية فقد عمل على التنويه بإنشاء الصحف السياسية والاجتماعية والمجلات العلمية والأدبية، وكان يدعو الى الصحف التي تكثر فيها الترجمة عن الغرب وتقتطف من ثمرات علومه. تم تعيينه سنة 1898 مفتشا لدور الكتب العامة بدمشق فعاد الى سيرته الاولى مبشرا بمبادئه لمدة أربع سنوات، داعيا إلى التحرر في وقت عرفت فيه الحياة السياسية اضطرابا مما اضطره للخروج خفية من بلاد الشام الى مصر، حيث اتصل عند إقامته بها بالعلماء. كما كانت تربط الشيخ الطاهر بالمستشرقين روابط علمية وعلاقات ثقافية يراسلونه على اختلاف أجناسهم ومللهم ونحلهم. عاد الشيخ الطاهر الى دمشق سنة 1919 بعد قيام الدولة العربية وانهيار الخلافة العثمانية في الحرب الكونية الأولى، فعين مديرا عاما لدار الكتب الوطنية الظاهرية، كما انتخب عضوا في المجمع العلمي العربي، لينتقل الى جوار ربه في 05 يناير 1920. وترك الشيخ الطاهر الجزائري العديد من المؤلفات للصفوف الابتدائية في جميع الأقسام. قالوا في الشيخ الطاهر الجزائري الأمير النبهاني قال فيه: "كان يتحلق حوله في دمشق من المتعلمين والنبهاء والمفكرين العرب، فتألفت في جمعهم أكبر حلقة أدبية وثقافية كانت تدعو الى تعلم العلوم العصرية". وقال فيه تلميذه سعيد الباني: "جمع بين المعقول والمنقول، ومزج القديم بالحديث، وأخذ من كل علم لبابه، فكنت تجد منه العالم الديني، والمدني الرياضي، والطبيعي والسياسي، والأديب المؤرخ، والأثري الاجتماعي والأخلاقي، والكاتب الشاعر، فكان عنده من كل علم خبر... فهو دائرة المعارف ومفتاح العلوم، وكشاف مصطلحات الفنون وقاموس الاعلام". هذا وجه من وجوه الجزائر الثقافية، وهذا عقل من عباقرتها الذين زرعوا فكان نتيجة زرعهم النهضة العربية الحديثة، فلتسكت كل الألسنة التي تحاول اتهام العقل الجزائري بالجمود، فهذا عقل من شخص جزائري استطاع أن ينير المشرق العربي بمفرده.