شهدت المنطقة العربية، مطلع هذه السنة، ثورات شعبية أو "ربيع العرب" كما يحلو للبعض أن يسميها هزت الشارع العربي، معلنة عن بزوغ شمس التغيير المنشودة التي وان كانت الغيوم لازالت تحجب ملامحها، في ظل الحديث عن مخاطر التشرذم وتأليب الوضع لصالح القوى الخارجية وإسرائيل، إلا أن الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان هو أن الإنتفاضات الشبابية استطاعت بفضل استخدامها للفايسبوك أن تحقق التآلف والتوحد الوطني وهذا حسب ما أكده الفاعلون في الحقل الثقافي، الذين لا ينكرون انعكاساتها في مجمل الميادين لاسيما الثقافية منها. ولمعرفة آراء المثقفين العرب حول الآثار الناجمة من هذه التحركات الجماهيرية على الشأن الثقافي، وما لدور وسائل التواصل الإجتماعي ك "الفايسبوك" في تحريك عجلة الثقافة في البلاد العربية، ارتأت "الأمة العربية" أن تطرح هذا الانشغال على نخبة من الكتاب، المسرحيين والسينمائيين، وعادت لكم بهذه الآراء التي رصدتها على هامش بعض الفعاليات الثقافية بالجزائر العاصمة. الكاتب التونسي خالد الناجي 'سنشهد إبداعا جديدا في المنطقة العربية وجيل الفايسبوك يمثل لحظة جديدة من الصعب على الجيل السابق استيعابها' ذكر الكاتب التونسي 'خالد الناجي' أن الإنسان العربي يعيش داخل أنظمة ارتهنت للغرب وللإمبريالية في الخارج، مضيفا أن حركات التغيير ليست متجانسة في العالم العربي، فمثلا ما يحدث في كلا من ليبيا أو سوريا هي هبة شعب وظفت ليبراليا، على خلاف الوضع التونسي أو المصري الذي أصبح النظام فيه يتكلم باسم شرعية الثورة ولكن في الحقيقية يحاول التوفيق بين مصالحه والأجندات الإمبريالية الممثلة في فرنسا وبالدرجة الأولى أمريكا وإسرائيل. ويعتقد 'الناجي' أن هناك جيل بصدد الولادة يفكر خارج هذه البنى السياسية والثقافية للأنظمة العربية وللمعارضة، موضحا أن جيل "الفايسبوك" و"التويتر"، يمثلون لحظة جديدة من الصعب على الجيل السابق استيعابها، بحكم أن التاريخ يمضي دائما إلى الأمام. وختم 'خالد' حديثه بنبرة تفاؤلية قائلا: 'إن رجال الثورة المضادة مهما كانت قوتهم وتوغلهم إذا اعتمدوا على الأجنبي، هم في اضمحلال وخضوع وتلاشي. أما ثقافيا، فسنشهد إبداعا جديدا في المنطقة العربية من شعر ورواية ومسرح لم نعرفهم من قبل، وهذه سنّة التاريخ أن يتحوّل دائما'. المخرج والكاتب المسرحي 'عبد العظيم أحمد عبد القادر' من السودان 'حركات التغيير العربية أفرزت أعمالا إبداعية والفايسبوك هو الواسطة' اعتبر المخرج الكاتب والممثل المسرحي 'عبد العظيم أحمد عبد القادر' من السودان، أن حركات التغيير في البلاد العربية ستأتي بمنتجات ثقافية كثيرة، ولقد برزت للوجود أعمال مسرحية وكتابات أدبية وأشعار وأغاني كثيرة، موضحا بأن مواقع التواصل الإجتماعي ك "الفايسبوك" مثلا سهّل تواصل الجمهور العربي بمختلف شرائحه خلال الثورات، الأمر الذي انعكس حسبه إيجابا على الثقافة، حيث أضحى المبدعون والكتاب ينشرون أفكارهم ويتبادلون الرؤى بشأن مشاريعهم قبل تجسيدها على أرض الواقع، لدرجة أن بعض المسرحيين أنتجوا أعمالا مشتركة عبر هذه الواسطة الإعلامية، جمعت بين ممثلين من أقطار عربية مختلفة. الممثل المصري سامح مهران "الفن ينبني في الظروف الصعبة ولا مناص من استغلال الفايسبوك لتلاقح التجارب" قال الممثل المصري 'حسن مهران' إن أحداث التغيير في العالم العربي، أو ما يسمى ب "ربيع العرب"، يمر حاليا بمخاض صعب وعسير، والفن ينبني في هذه الظروف الصعبة، بحيث ظهر هناك مؤلفين ومخرجين يقدمون صياغات حديثة برؤية مغايرة للموضوعات الإبداعية السابقة، مؤكدا أن مواقع التواصل الإجتماعي خلقت اليوم مفهوما مغايرا للثقافة التي تتجاوز الأفكار والإيديولوجيات كما ذكر ذلك المفكر ايمانوئيل مانيلوفيسكي. ودعا 'مهران' إلى ضرورة استغلال هذه المواقع لتلاقح التجارب وإنتاج نصوص إبداعية مشتركة، كإنتاج عمل سينمائي تفاعلي يعطي تجربة غنية ورؤى جديدة للسينمائيين العرب والأجانب. السينمائي المغربي 'عبد الإله جوهري' "التحركات الجماهيرية العربية أثرت على الجانب السينمائي والفايسبوك سهل توحيد الطاقات الشبابية" من جانبه، يرى السينمائي المغربي 'عبد الإله جوهري'، أن أي تحرك جماهيري في البلاد العربية كيفما كان إلا وسيكون له تأثير على الحياة الثقافية، مضيفا أن ما يجري اليوم لا يمكن تسميته بالثورات العربية لأن الأمر سابق لأوانه و لا يمكن معرفة أو تحديد المعالم إذا كانت ثورة أم فوضى أم تحركات شعبية عفوية، إلا بعد مرور الوقت الكافي من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات. وأكد 'عبد الإله' أن ما يحدث في البلاد العربية من تحركات شعبية له تأثير على الجانب الثقافي بشكل عام والجانب السينمائي بشكل خاص، مستدلا في ذلك بمصر التي أنتجت أفلاما سريعة في عز الثورة كفيلم صرخة نملة، إضافة إلى بروز معالم لكتابات جنينية خارجة من رحم التحركات الشعبية في كلا من تونس ومصر بما فيها الكتابات الصحفية أو النقدية أو الأدبية الروائية والقصصية. وفي ذات السياق، ركز 'جوهري' على أهمية مواقع التواصل الجديدة كالفايسبوك و التويتر والدور الكبير الذي لازالت تلعبه في إخراج هذه التحركات الشبابية للوجود في أسرع وقت ممكن من خلال تسهيلها لعملية التواصل والتنسيق أكثر مما كانت في الوقت الماضي، مبينا بأن هذه الوسيلة لم تكن لتولد هذه التحركات العربية لولا وجود الأرضية الخصبة من احتقان شعبي وأزمات اقتصادية وسياسية، و عدم تجديد النخب العربية لنفسها، الأمر الذي أل حسبه إلى تحرك الشباب في تونس ومصر و حاليا في ليبيا واليمن وسوريا، إضافة إلى ما يجري في المغرب من مطالب شعبية والتي توجت بتغيرات جذرية في الدستور من قبل ملك المغرب، ومع ذلك الشباب المغربي في إطار حركات 20 فبراير لازال يتحرك فهو لم يقتنع بما تحقق.
الإعلامية والناقدة الفنية 'لمى طيارة' من سوريا "يجب أن ننتظر سنة لتقييم التحركات الجماهيرية على المستوى الثقافي وعلى مستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي توخي الحذر" وافقت الإعلامية والناقدة السينمائية لمى طيارة من سوريا، ما ذهب إليه السينمائي المغربي 'عبد الإله جوهري' بأن الموضوع مبكر لمعرفة إذا كانت التحركات الجماهيرية في تونس أو مصر لها جانبا ايجابيا أو سلبيا على الأفراد، مرجعة ذلك لعدم المعرفة إذا كان الذي حدث في هذه الدول ثورة أم لا. واقترحت 'لمى' أن ننتظر على الأقل سنة لنعرف انعكاسات هذا الحراك الشعبي، و نقيم ما إذا كان هناك تأثير على الحياة الثقافية، مبرزة أن مواقع التواصل الإجتماعي قد خلقت علاقات جديدة من نوع ايجابي في عز الحراك الشعبي، وسهلت على المبدعين الذين يشتغلون في الحقول الثقافية أن يتعرفوا على أخبار وجديد بعضهم البعض وينظموا لقاءات فكرية في بلدان أخرى للتعريف بمنتجهم الثقافي. وعرجت الناقدة الفنية 'طيارة' لذكر الجانب السلبي المشاع حاليا عند استخدام هاته المواقع، كالتحريض على الشغب وزرع الفتن في الدول العربية، وأردفت قائلة: 'نحن نصب كلنا في دولة اسمها أمريكا، ومن ثم ينبغي توخي الحذر عند نشر المعلومات التي تخص مصائرنا وقضايانا العربية ومنع تداولها مع أشخاص مجهولين، لأن حتى الأمريكان يحذرون من استعمال الفايسبوك للمراسلة، ومن ثم فحري بنا أن ننتبه للسلبيات الكبيرة المنجرة من استعمال مواقع التواصل الإجتماعي'. وبين هذا وذاك، نأمل أن تكون حركة الجيل الجديد في البلاد العربية دافعا لترسيخ الهويّة الثقافيّة العربيّة، ومنطلقا لتكوين بيئة ثقافية تحترم علمائها ومثقفيها و يسودها تطوير سبل العمل العربي المشترك على كافة الأصعدة لاسيما ثقافيا، اعتمادا على ما تتيحه التكنولوجيات المتسارعة من فرص للتبادل المعرفي وتطوير المهارات الفكرية.