يذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أيامًا مضت على رمضان قديم فكان يعمر أرجاء دمشق كلها وتراه في المساجد الممتلئة بالمصلين القارئين والمتحلقين حول كراسي المدرسين وتراه في الأسواق فلا تجد عورة بادية ولا منكراً ظاهراً ولا مدخناً ولا شارباً وتشتري البضاعة وأنت آمن من الغش والغبن لأن أفسق البائعين لا يغش في رمضان والمرأة تعمل مطمئنة إلى أنها مهما أخطأت فلن تسمع من زوجها كلمة ملام لأن المسلم الصائم لا يشتم ولا يلوم في رمضان والرجل يجيء إلى بيته وهو آمن أن يجد من زوجته نكداً أو إساءة لأن المرأة المسلمة الصائمة لا تؤذي زوجها في رمضان ولو تركت بابك مفتوحاً لما دخل المنزل اللص لأن اللصوص يضربون عن العمل ويتوبون عن السرقة في رمضان... (صور وخواطر) قرأت ما كتبه الشيخ رحمه الله ونفسي تحنُّ وتتوق إلى هذه الروحانية الجميلة أتأمل كيف سرت أنوار الهدي الرمضاني تحيط بالبلاد كلها حتى ما وراء الحجر في هاتيك الزوايا المظلمة ! لم تكن حياة الناس آنذاك إلا بذكر الله وتلاوة القرآن وسماع الذكر فلا عجب أن تصفو القلوب وتحيا الأفئدة وتزكو النفوس ولايبقى للشر مكاناً فالأبواب موصدة أمامه ومحكمة الإقفال ولا يدخل على الناس إلا مايزيدهم نوراً على نورهم فتطيب الأحوال لطيب مداخلها ونقائها وجلالها... ماذا أغنت عنَّا ساعات القيل والقال؟ وقنوات ممتلئة بالغافلين والصادِّين عن سبيل الله وقلوب ملأناها حقداً وحسداً وبغضاً وكراهيةً وشقيت بالداء فلم تطلب الدواء ألا وإن دواءها الإيمان بالله والرضا بقضاء الله وقدره والحب والوئام والسلام وحب الخير للغير (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) نحب رمضان يوم يذكر فيه الله وحده فلا يعلو إلا اسمه جلَّ جلاله وقبيل الغروب يوم تهفو القلوب لعلام الغيوب تدعو ترجو رحمته وتخشى عذابه وفي قيامه وتراتيل آياته والوقوف عند عظاته ويوم تصفو القلوب صفاءً يصقلها من دقيق الشوائب والآفات وتقترب النفوس بعضها ببعض وكأنها نفس واحدة وفي هداءات السحر وقت تنزل البركات والخيرات واللسان يلهج بذكر الله والاستغفار وفي اقتحام العقبة بإطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة.. نحبه بسكينته وروحانية تشع القلوب بنورها وبهائها وتهبها حلاوة الإيمان والحياة الطيبة المطمئنة.. ومثل المؤمن التقي النقي في رمضان كمثل جبل ذو قمة شامخة أحاطت بها سحاب ثقال من كل جانب فأنزل الله الغيث المبارك وسقى به البلد الطيب فاستحالت الأرض البلقع المقفرة إلى أرض اكتست بالخضرة وخضبت وطلع النبات وأزهر وأثمر وعادت روح الحياة فغسلت الذنوب وتطهرت القلوب وزكت النفوس ونزل برد اليقين على ذاك الجسد الطيب تهنأ به نفسه وتعلو به روحه وتقطع به عناء السفر وشقائه.